على
رغم اعادة العرب بالاجماع، "معتدلين" و"متشددين"، اطلاق
المبادرة العربية للسلام، فإن الجواب الاسرائيلي الحقيقي ليس ذلك الوارد على لسان
وزيرة الخارجية تسيبي ليفني او
إذن
مهما بالغ العرب في مد اليد للمفاوضات، بناء على نصيحة وزيرة الخارجية الاميركية
كوندوليزا رايس، فإن اسرائيل ليست شريكاً مهيئاً للدخول في المفاوضات من موقع
الفاقد لقوة الردع، او من موقع المضطرب سياسياً بسبب حرب تموز وما تلاها من لجان
تحقق في الاخفاقات.
باختصار
اسرائيل تعمل الآن للحرب، ولا تعد نفسها للسلام لأنها لا تعتبر نفسها في موقع
المنتصر.
ولقد
كان بالغ الدلالة ان تعود رايس أدراجها من جولتها الاخيرة في المنطقة بإعلان هزيل
عن معاودة الاتصالات المباشرة بين ايهود اولمرت والرئيس الفلسطيني محمود عباس.
فالعرب الذين كانوا ذاهبين الى القمة ليعيدوا إطلاق مبادرتهم على امل ان يلقوا
جواباً اسرائيلياً مشجعاً، خاب املهم تماماً. وحتى عندما اعتبروا ان المبادرة
ستكون "أساساً" للتفاوض، وهو ما يحمل ضمناً احتمال تعديلها، ولكن خلال
التفاوض وليس قبله، جاءهم الرفض الاسرائيلي على لسان شمعون بيريس بأن لا يمكن
التفاوض على اساس هذه المبادرة، داعياً العرب الى التفاوض من غير شروط.
وعلى
رغم ان المبادرة العربية أقرت بالإجماع، فإن اسرائيل لا تزال تفرق بن عرب
"معتدلين" وعرب "متشددين". وهي تستغرب كيف لا يقبل
"المعتدلون" بمد اليد الى اسرائيل لمواجهة " الخطر الايراني"
المتحالف مع "المتشددين" العرب. وهي تتجاوز بذلك مسألة الصراع مع
الفلسطينيين لتطرح محوراً أوسع على مستوى المنطقة يقف في وجه ايران وسوريا
و"حزب الله" و"حماس". من هنا تريد اسرائيل تحقيق "الشرق
الاوسط الجديد" الذي هي محوره، لتعود القضية الفلسطينية مجرد مسألة انسانية
وليست قضية وطنية.
واذا
افترضنا ان العرب وافقوا على التطبيع والتخلي عن حق العودة للاجئين الفلسطينيين،
فهل هذا يضمن لهم ان اسرائيل ستنسحب من الضفة الغربية والجولان وما تبقى من
الاراضي اللبنانية وتقبل بإقامة دولة فلسطينية مستقلة؟
لا
شىء في اسرائيل يشي بالاستعداد لتنفيذ أي جزء من المبادرة العربية باستثناء تلك
التي تصب في مصلحتها، أي أنها تريد التطبيع والسلام من العرب في مقابل لا شيء.
واذا كانت الولايات المتحدة هي ضمان العرب في اقناع اسرائيل بدفع ثمن في مقابل
التطبيع والسلام مع العرب، فإن ذلك غير مضمون أبداً. فرايس لم تجرؤ مثلاً على القول
إن واشنطن مستعدة لتكون وسيطاً، او مستعدة لتقديم افكار من شأنها المساعدة على
ايجاد حل للصراع الفلسطيني - الاسرائيلي، بل قالت عندما سئلت عن ذلك انها ربما قد
تفكر في ذلك في مرحلة من مراحل المفاوضات بين الفلسطينيين واسرائيل.
وما
دام الوضع كذلك، فعبثاً يحاول العرب تشكيل وفود للترويج للمبادرة تارة في اوروبا
وطوراً لدى اللجنة الرباعية، وكان المطلوب اقناع العالم بها. حتى وان اقتنع العالم
بها فماذا يستطيع ان يفعل اذا استمرت اسرائيل في الرفض؟
عام
1991 أتت اسرائيل الى مؤتمر مدريد بضغط مارسه عليها جورج بوش الاب ووزير خارجيته
جايمس بايكر، تعويضاً لمشاركة العرب اميركا في الحرب لطرد القوات العراقية من
الكويت. اليوم بعد الاحتلال الاميركي للعراق، يطلب منهم بوش الابن ووزيرة خارجيته
رايس مشاركة اميركا في مغامرة جديدة حيال ايران ومن دون ثمن.
"النهار"