..



 

... والحقيقة الضامنة؟!: راجح الخوري

Wednesday, February 28

دخل لبنان أزمته المعقدة التي باتت تتهدد مصيره الآن من بوابة الشرط التعجيزي الذي

اولا، لان حصول المعارضة على الثلث في الحكومة يعطيها سلاحا دستوريا تستطيع ان تسقط الحكومة عبره عندما تشاء. وثانيا، لأن الثقة كانت قد تدنت الى حدود الصفر بين الاكثرية والمعارضة، لأسباب كثيرة تتصل بالمواقف المريبة التي اتخذتها المعارضة من مسألة التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وما تلاها من عمليات اغتيال، وكذلك من مسألة المحكمة ذات الطابع الدولي التي تشكل الآن عقدة الازمة المتفاقمة. ولعل من الاسباب التي نسفت آخر معالم الثقة المتبادلة بين الطرفين، تحوّل الحكومة التي وصفها الرئيس نبيه بري بأنها "حكومة المقاومة السياسية"، فجأة ايضا حكومة "عملاء تآمروا ويتآمرون على المقاومة"!! ربما لم يكن شعار "الثلث المعطّل او الشارع"، ينطوي على شيء من عناصر التعجيز والاستحالة في نظر المعارضة، رغم انه ينطوي في بعده السياسي على كثير من عناصر الاذعان التي يجب خضوع الاكثرية لها. وربما كان في حساب كثيرين من المعارضين ان العملية مجرد مشوار الى السرايا ولن تلبث الحكومة ان تفرّ الى برية الطفّار، وقد قرأ الناس تصريحات مباشرة وصريحة عن هذه الافتراضات. وحصل ما حصل، ولا داعي الى تذكير اللبنانيين بأي تفصيل، فهم يتقلبون على أتون الازمة الخانقة والمستشرية التي تواجه حائطا مسدودا منذ البداية بسبب تقاطع السياسات الاقليمية والدولية فوقها، وهو ما صار يستدعي حل مشكلات الكرة الارضية وصولا الى مشكلة لبنان، فيا لمرارة السخرية!   ❒ ❒ ❒   الآن، ومع اقتراب دخول الاعتصام في وسط بيروت شهره الرابع، ورغم محطات التصعيد وخطط "ب" و"ج" وما الى هناك، وقد عرف اللبنانيون نتائجها وفهموا جميعا على ما نعتقد انها يمكن ان تدفع الوطن المتهالك اصلا الى مستنقع الصراعات الاهلية والمذهبية، فإن التلويح بالتصعيد يستمر بلا تردد او تحسّب او وجل، وقد وصلنا الى مرحلة نسفت كل معالم الثقة بين الطرفين، وهذا يعني اننا يمكن ان ندخل مرحلة الانهيار بلا كوابح، وهو انهيار سيؤدي بالتالي الى سقوط السقف المتصدع فوق رؤوس الجميع! واذا كان من غير المستغرب ان ترتفع بعض الاصوات وهي تقول اننا "وصلنا مجددا الى طريق مسدود"، وكأننا لم نذهب الى هذا الطريق بعيون مفتوحة، او لكأن كل ما يقال عن "الثلث المعطّل" او الضامن، وعن المحكمة الدولية وعن "التزامن والتوازن" ليس واضحا جدا ومفهوما جدا عند اللبنانيين المخنوقين جميعا من الناقورة الى النهر الكبير بسبب الازمة المدمرة وما وصلت اليه.   ❒ ❒ ❒   ❒ اولا: لا يستطيع اهل المعارضة المضي في رهن البلاد لشرط يفتقر الى المنطق والعدالة والمساواة، وهو الحصول على "الثلث المعطّل" لان هذا "الثلث الضامن" في نظرهم هو "ثلث قاتل" في نظر خصومهم في الاكثرية، فهو يعطي الاقلية سلاحا دستوريا لاسقاط الحكومة عندما تشاء هذه الاقلية. ولا يستطيع من يطلب الضمان لنفسه ان يمنعه عن غيره، فكما يحق للمعارضة ان تحس بالضمان لألف سبب ولا داعي الى مناقشة هذه الاسباب، يحق للاكثرية ان تحس هي ايضا بالضمان. لذلك فان صيغة 19+10+1 هي المخرج المثالي الذي يمكن ان يفرض على الطرفين السير في مناخ توافقي. ان 19 وزيرا للاكثرية لا يستطيعون دستوريا امرار او اقرار اي مشروع لا تقبله المعارضة، وان 10 وزراء للمعارضة يستطيعون تأمين مشاركة راجحة تماما في اعمال السلطة التنفيذية. ثم اذا كنا نتجه بسرعة الى الاستحقاق الرئاسي الذي يفرض استقالة الحكومة وتشكيل حكومة جديدة فلماذا نمضي قدما في التأزيم والعملية ستحصل بعد اشهر قليلة؟ واذا كان "الثلث الضامن" هو لاسقاط المشروع الاميركي، كما قال النائب محمد رعد امس، فان من الواضح ان الوزراء الـ10 في مواجهة الـ19، قادرون على هذه المهمة، فلماذا الاصرار على التأزيم؟ ❒ ثانيا: ان الحد الادنى من الحرص على التوصل الى الحقيقة في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، والحد الادنى من الصدقية حيال الاجماع على قيام المحكمة الدولية كما حصل في مؤتمر الحوار، والحد الادنى من الوفاء الوطني لرئيس حكومة لعب دورا تاريخيا في خدمة لبنان والمقاومة واعادة البناء، والحد الادنى من الامانة على اهمية كشف الحقيقة من اجل لبنان ومستقبله. ان كل هذا في الاساس، كان يفرض ان يكون الجميع المعارضة قبل الموالاة حرصاء على الفصل الكامل بين موضوع المحكمة وقصة الحكومة. ان ادخال المحكمة نفق المعادلات والمقايضات، في سياق البحث عن التسوية السياسية، سيكون امرا معيبا في تاريخ لبنان الحديث، وخصوصا انه كان من الممكن، رغم اتهام الحكومة المفاجئ بكل الموبقات، ان ترسل المعارضة ملاحظاتها على نظام المحكمة، كما ارسل اميل لحود ملاحظاته كذلك موسكو ارسلت ملاحظاتها، وان يتم الاتفاق عليها. ان المفهوم الوطني الخالص يتعرض للامتهان عندما يعتبر البعض من اهل المعارضة انهم قبلوا (بمعنى انهم تنازلوا(!)) بان تخضع المحكمة والحكومة لمبدأ "التزامن والتوازن"، اي القبول بالمحكمة في مقابل الحكومة، ولكأن العدالة المطلوبة للبنان في دم رفيق الحريري توازي الحبر الذي سيكتب مراسيم الحكومة الجديدة! ثم ان الكلام الطيب الذي قاله السيد حسن نصرالله في رفيق الحريري لا يتلاءم قطعا مع تصريحات تصدر عن قادة في "حزب الله" وتقول مثلا: "ان مسألة كشف الحقيقة والمحكمة الدولية والديموقراطية والسيادة والاستقلال هي عدة الشغل للفريق الانقلابي للامساك بالبلاد...". واذا كان من المألوف ان تشهد السياسة هذا النوع من التراشق بالاتهامات، فان اقحام موضوع الحقيقة والمحكمة الدولية في هذه البورصة المحتدمة ليس من مصلحة لبنان ولا من مصلحة احد من اللبنانيين، على الاقل لأن التاريخ سيكتب يوما. واذا كان جوهر المنطق الوطني وجوهر الحرص على الحقيقة كخلاص للبنان على طريق جلجلة الدم المسفوح ومحطاته المتلاحقة، وجوهر الشعور الانساني المجروح حتى الصميم في سعد الحريري، اذا كان كل هذا قد دفعه عن حق، الى القول في مناسبة الذكرى الثانية لاستشهاد والده في 14 شباط، وهو يمد يده الى المعارضة: "ان المعبر الوحيد الى الحل هو المحكمة الدولية"، فليس من المنطق ولا من باب الحرص على جلاء الحقيقة ان يأتيه الرد: "ان الثلث الضامن هو المعبر الوحيد الى الحل". لا ليس هكذا، فالحكومات تتغير، تذهب وتجيء والحصص تتبدل والاحجام تتبدل والتحالفات تنفضّ وتقوم في عالم السياسة، ولكن لا حياة للأوطان خارج مرتكزات الحقيقة والعدالة. والمحكمة ليست للثأر من مرتكبي جريمة استهدفت قتل لبنان بمقدار ما هي لتوفير الحصانة الضامنة لكل اللبنانيين من دون استثناء والعدالة الضامنة لبقاء لبنان. واذا كان للسياسة ان تمضي، بلا ضوابط احيانا، فليس للحقيقة الا ان تضبط خطاها على طريق العدالة التي هي وحدها تصون الوطن. "النهار"

 

روابط ذات صلة

· زيادة حول افتتاحيات الصحف
· الأخبار بواسطة arraee


أكثر مقال قراءة عن افتتاحيات الصحف:
النزاع حول نزاع القمّة: حازم صاغيّة

 

تقييم المقال

المعدل: 0
تصويتات: 0

الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ

 

خيارات


 صفحة للطباعة صفحة للطباعة

 

Associated Topics

افتتاحيات الصحف

التعليقات مملوكة لأصحابها. نحن غير مسؤلون عن محتواها.
 

المقالات والآراء المنشورة في الرأي تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إلا ما كان موقعا باسم حزب الشعب الديمقراطي السوري

Hit Counter

أفضل استعراض
800*600 Screen resolution
Internet Explorer 5.5 فما فوق
Arraee Website

 
PHP-Nuke Copyright © 2005 by Francisco Burzi. This is free software, and you may redistribute it under the GPL. PHP-Nuke comes with absolutely no warranty, for details, see the license.
انشاء الصفحة: 1.79 ثانية