لكن تنفيذ الاعدام على
هذا النحو، وفجر اليوم الاول من عيد الاضحى، وإرجاء الاعدام الصادر على برزان
التكريتي وعواد البندر من المحكمة ذاتها والقضية ذاتها والملابسات ذاتها، كل ذلك
يعطي الانطباع بأن المقصود اعطاء بعد رمزي لإنهاء حياة صدام اكثر من مجرد تحقيق
العدالة. وعبر معلقون عن هذا الانطباع عندما تحدثوا بنوع من «السينيكية» عن ان
صدام كان أضحية العيد.
ان مجرد التعبير عن مثل
هذا الشعور يقضي، مسبقا، على اي خطة جديدة للمصالحة، ما دام قسم من العراقيين
يعتبر ان العيد يبدأ بالنسبة اليه مع إعدام الرجل الذي، بفعل الحرب على العراق
والاقتتال الداخلي، بات يمثل رمزا لهم. ولا يفيد كثيرا هنا الحديث عن بعثيين
وتكفيريين وصداميين، ما دام المقصود في النهاية ان المشكلة تتعلق بكيفية مشاركة كل
الاطياف العراقية في العملية السياسية، واستعادة ثقة السنة بهذه العملية. والمرجح
ان إعدام صدام لن يوفر دافعا لمعارضي العملية من اجل الالتحاق بها، خصوصا ان
السوابق السياسية منذ الغزو في المرحلة الانتقالية والمرحلة الحالية، لم توفر
عوامل تشجيع فعلية لمن اعتبروا مستهدفين من الاحتلال على التعامل مع العملية
السياسية.
وقد تكون حسابات السلطات
ان صدام حياً يشكل عنصر تشجيع لحملة السلاح ضد الاحتلال والسلطة الجديدة. وان صدام
حياً يبقي الامل عند هؤلاء بإمكان قلب الاوضاع واستعادة السلطة. ورغم سذاجة هذه
الحجة، تمكن ملاحظة ان رهانا مماثلا جرى ترويجه عندما اعتقل صدام في الحفرة
الشهيرة. وثمة من في السلطة بشر بانتهاء التمرد والعمل العسكري ضد الاحتلال. لكن
اتضح لاحقا ان ثمة من يقاتل في العراق مستفيدا من الاختلال الكبير في عملية بناء
السلطة، خصوصا بفعل الدور الايراني المتزايد في الشأن الداخلي، وليس حبا بصدام.
بكلام آخر، للتمرد السني في العراق حاليا، بنظر القائمين به، تبريرات مماثلة لتلك
التي دفعت الشيعة والاكراد، في ظل حكم صدام، الى التمرد وحمل السلاح. ووصل الامر
الى ما وصل اليه حاليا، بفعل الطغيان والاستبداد الصداميين.
وعندما تشعر فئة من
الناس، خصوصاً بفعل انتمائها الطائفي، بالغبن والتعرض للطغيان لا تهمها كثيرا
الحسابات السياسية وميزان القوى الفعلي على الارض. انها تتصرف بفعل غريزة البقاء.
من دون ان تهتم كون مثل هذا التصرف قد يكون انتحاريا بالنسبة اليها... هكذا فعل
الشيعة والاكراد، في ظل صدام، رغم ادوات القمع الرهيبة التي امتلكها واعتماده
البطش فحسب في التعامل مع التطلعات المشروعة للعراقيين. وتزداد حاليا هذه المشاعر
حدة لدى السنة في ظل الاجواء الحالية في المنطقة التي تتسم بعودة شياطين الخلافات
المذهبية والهجومية الايرانية المعبر عنها في العراق بتحالفات ميليشياوية.
يأتي كل ذلك في الوقت الذي
يظهر الفشل الاداري للسلطة الجديدة. بما يبعدها عن المشروع الوطني والنموذج للحكم
الرشيد الذي وحده يشكل عنصر استقطاب. فالفساد والنهب باتا مرتبطين عضويا بالسلطة
الجديدة، عبر ميليشيات الاحزاب المشكلة لها وعبر مواقع النفوذ في الادارات التي
تتحكم بالاموال والتهريب. وينظر العراقيون بكثير من الريبة الى سلطة تهدر في
ثناياها البلايين من الدولارات من دون ان يكون لذلك اي انعكاسات على حياتهم
اليومية. ومن هذا الواقع يتغذى التكفيريون والمتمردون وحملة السلاح... وهو واقع لن
يغيره إعدام رجل حتى لو كان صدام. وانما يتغير يوم يتساوى العراقيون امام الدولة
العادلة.
"الحياة"