عن صناعة الاستبداد في فكر الكواكبي: محمد علي الأتاسي
Tuesday, October 31
كثيراً ما يستحضر المفكر النهضوي عبد الرحمن الكواكبي، في حاضرنا
في العام 1901 طبع في القاهرة كتاب يحمل عنوان "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد" لمؤلف مجهول الهوية أسمه "الرحالة كاف". نفذت الطبعة الأولى سريعاً، ولم تمض أكثر من سنة حتى توفي صاحب الكتاب كاشفاً عن اسمه الحقيقي، فإذا به المفكر النهضوي عبد الرحمن الكواكبي، الذي هجر مدينته الأم حلب إلى القاهرة، اتقاءً لبطش السلطان عبد الحميد، وتوفي فيها بعد سنتين وهو لم يتجاوز 52 عاماً. وإذا كان كتاب "طبائع الاستبداد" يحمل في مضمونه الكثير من عواهن ولادة الفكر النهضوي العربي في ذلك الزمن، فإنه، وبعد أكثر من قرن على صدوره، لا يزال الأقرب إلينا من حيث راهنيّة بعض الأسئلة المتضمنة بين دفتيه، لاسيما قدرته على مقاربة آليات عمل الاستبداد في المجتمع وكيفية صناعة المستبد من لدن فساد البطانة وتزلف علماء الدين والجهل المتفشي بين الناس. لذا لم يكن غريباً، بعد قرن من الزمن، أن يتضمن تقرير "التنمية الإنسانية العربية" الثاني، الذي نشره برنامج الأمم المتحدة الانمائي والصندوق العربي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في العام 2003 وشارك في إعداده 30 مفكرا عربياً، مقاطع عدة تستشهد بفقرات من كتاب "طبائع الاستبداد" للكواكبي. أن يكون الكواكبي معاصراً لنا في بعض أفكاره حول الاستبداد، لا يعني أن نقع، في تعاملنا مع كتاباته، في مطب القراءة التراثية التبجيلية واللا تاريخية، التي تضفي على نصوص من سبقنا هالة نوستلجية من التقديس والانبهار، وتتغاضى عن القطائع المعرفية التي من المفترض أنها باتت تفصلنا عن طرائق التفكير وآلياته في ذلك الزمن. لكن هذا لا يمنعننا من أن نلحظ كيف أن راهنية أفكار الكواكبي في شأن الاستبداد تنبع أساساً من قدرة هذا الاستبداد على إعادة إنتاج نفسه، في أشكال مختلفة، في بنانا السياسية والثقافية والاجتماعية عبر تاريخنا الطويل، من دون أن تتوفر لنا القدرة الحقيقية على التصدي له والحد من جبروته و خلق التوازنات الكفيلة ردعه، حتى لا نقول استئصاله. أن يكون الكواكبي معاصراً لنا في بعض أفكاره، يعني أن نكون قادرين على قراءته أساساً داخل زمانه ومكانه المحددين وضمن الفضاء الفكري الذي ينتمي إليه، ويتشكل من لغة وأفكار ورجال ما أصطلح على تسميته بـ "عصر النهضة العربية" في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وتزامن مع أفول الإمبراطورية العثمانية وبداية الاحتكاك الفعلي مع الحداثة الأوروبية بوجهيها المتناقضين والمتكاملين كهيمنة استعمارية وكأفكار تنويرية. ولأن الكواكبي محكوم بهذا السقف، فسنجد في أفكاره الكثير من المثالب التي ولدت في فكر تلك المرحلة، ولا يزال الكثير منها، للآسف، حاضراً وفاعلاً في فكرنا العربي المعاصر، من مثل خلط الحقائق العلمية بالحقائق الدينية والبحث داخل القرآن عن دلائل إعجازه العلمي وتصوير دولة الخلافة الراشدية على أنها مثال الحكومة الصالحة لكل زمان ومكان، والقول بثنائية الشرق والغرب واختصارها في خصائص جوهرية كلانية خارج إطار مسار التطور والتاريخ والجغرافيا. عدا أن كل هذا لا يمنعنا من تلمس الجديد والخلاق الذي أتى به وأسس له هذا المصلح الكبير. ولادة المثقف لم تكن الثقافة العربية في زمن الكواكبي، قد شهدت بعد ولادة تسمية "المثقف" في معناها الحديث، والتي دخلت إلى لغتنا وفكرنا العربيين من الغرب على مراحل متتالية ومتداخلة، بدءاً من ترجمات مفكري التنوير والاحتكاك بقضية دريفوس وأميل زولا، مروراً بجان بول سارتر ومواقف المثقفين الفرنسيين من حرب الجزائر وترجمات الفكر الماركسي وولادة الأحزاب القومية والاشتراكية وحروب الاستقلال وظهور السلطات الوطنية وتحولها شيئاً فشيئاً إلى سلطات قمعية بامتياز ووصولاً إلى هزيمة حزيران 1967، و ما رافق ذلك من خضات عميقة عل مستوى الثقافة والمثقفين. لا بل أن عصر الكواكبي، لم يكن قد عرف بعد ولادة مهن وأجناس أدبية وفكرية، مكرسة ومعترف بها ومرتبطة ارتباطاً مباشراً بمفهوم "المثقف" ودوره، في المعنى الحديث، من مثل الروائيين والمسرحيين والنقاد الأدبيين والسينمائيين والفنانين التشكيلين والأساتذة الجامعيين..إلخ. فقد ظلت تطغى على الممارسة الفكرية في ذلك العصر مهن من مثل الكاتب الصحفي، التي أقبل عليها، هو والكثير من أقرانه، في ذلك الزمن. لكن عدم تبلور مفهوم "المثقف" وغياب هذه التسمية عن مجال التداول في فضاء الفكر العربي الأخذ في التشكل في تلك الفترة، لا يعني بتاتاً أن الكواكبي وبعض أقارنه في لبنان ومصر، لم تكن لديهم على صعيد الممارسة الفكرية الكثير من المواقف والآراء النقدية في مواجهة السلطات الحاكمة، والتي نالوا جزاءها الكثير من الويلات، وأسسوا من خلالها لدور المثقف قبل أن يولد هذا المفهوم ويتبلور في لغة الأجيال القادمة ووعيها. وأهمية الكواكبي في أساساً هذا المجال تنبع من أمرين اثنين: أولاً، قرّن الكواكبي في شخصه القول بالعمل، وترافقت أبحاثه الفكرية مع مواقفه السياسية الجريئة في مواجهة استبداد السلطان عبد الحميد وظلم ولاته الفاسدين، وظل مسكوناً إلى آخر يوم في حياته بالهم العام. وقد تحمل الكواكبي في سبيل ذلك الكثير من الظلم والتنكيل، دون أن يثنيه شيء عن قول كلمة الحق في وجه السلطان الجائر. فكل الصحف التي أنشأها الكواكبي تم إغلاقها، وجرت محاربته في لقمة عيشه وابعد عن شغل الوظائف الرسمية وصودرت أملاكه، وحوكم مرات عدة، وحكم عليه مرة بالإعدام قبل أن يبرّأ في الاستئناف أمام محكمة بيروت، وتعرض لمحاولة اغتيال بطعنة خنجر أثناء عودته ليلاً إلى البيت، ونجا بأعجوبة وقرر على أثرها ترك مدينة حلب والرحيل إلى مصر في العام 1900. ثانياً، كان الكواكبي سباقاً على صعيد الممارسة الفكرية في بلورة مفهوم الاستبداد في الفكر العربي، وتحليل آليات اشتغاله واستشراف الطرائق الممكنة للتخلص منه. كأنه في هذا قد أسس لمفهوم المثقف بالتضاد والنفي، من خلال بلورته لمفهوم الاستبداد، الذي بالصراع مع مدلولاته على أرض الواقع، سيتبلور وينشأ لاحقاً مفهوم المثقف. وإذا كان الكواكبي لم يذكر، ولا مرة واحدة، كلمة "ديموقراطية" في معرض كتابه عن الاستبداد (وهذا أمر مفهوم لأن هذا المصطلح كانت خارج مجال التداول في الحقل المعرفي الذي وجد فيه الكواكبي في ذلك الزمن)، فإنه ظل مع ذلك مسكوناً بهموم من مثل الحرية والعدل والترقي والمنفعة العامة وتوعية العوام والشورى الدستورية والحكومة المقيدة الصلاحية. أضف لذلك، أن الكواكبي كان لديه وعي مبكر لأهمية المعرفة الاجتماعية وللدور الذي يمكن أن يلعبه حاملها، أو ما نسميه اليوم بالمثقف، في مواجهة الاستبداد. فالكواكبي يدرك أن "المستبد لا يخشى علوم اللغة، تلك العلوم التي بعضها يقّوم اللسان وأكثرها هزل وهذيان يضيع به الزمان"، كما أن المستبد لا يخاف العلوم الدينية "المتعلقة بالمعاد المختصة ما بين الإنسان وربه، لاعتقاده أنها لا ترفع غباوة ولا تزل غشاوة"، وهو "لا يخاف من العلوم الصناعية محضاً لأن أهلها يكونون مسالمين صغار النفوس، صغار الهمم، يشتريهم المستبد بقليل من المال والإعزاز". ما يخيف المستبد هو ما يمكن أن نسميه اليوم بالعلوم الإنسانية في حال وجدت طريقها إلى الناس، يقول الكواكبي: "ترتعد فرائض المستبد من علوم الحياة مثل الحكمة النظرية، والفلسفة العقلية، وحقوق الأمم وطبائع الاجتماع، والسياسة المدنية، والتاريخ المفصل، والخطابة الأدبية، ونحو ذلك من العلوم التي تكبر النفوس وتوسع العقول وتعرف الإنسان ما هي حقوقه وكم هو مغبون فيها، وكيف الطلب، وكيف النوال، وكيف الحفظ. وأخوف ما يخاف المستبد من أصحاب هذه العلوم المندفعين منهم لتعليم الناس بالخطابة أو الكتابة".
لماذا الاستبداد؟ يعرف الكواكبي الاستبداد السياسي بأنه "تصرف فرد أو جمع في حقوق قوم بالمشيئة ولا خوف تبعة"، وهو "الحكومة التي يوجد بينها وبين الأمة رابطة معينة معلومة مصونة بقانون نافد الحكم". وإذا كان سؤال لماذا تقدم الغرب وتأخر الشرق؟ ظل في صميم تفكير رواد النهضة العربية منذ أواخر القرن التاسع عشر، فإن الكواكبي لا يخفي، منذ مقدمة "طبائع الاستبداد"، أن كتابه هذا يأتي في سياق محاولة الإجابة عن السؤال نفسه، وأنه بعد تمحص وبحث وجد أن سبب الانحطاط هو الاستبداد، وأن الخلاص منه لا يكون بغير الشورى الدستورية، يقول الكواكبي: "وجدت أفكار سراة القوم في مصر كما هي في سائر الشرق خائضة عباب البحث في المسألة الكبرى، أعني المسألة الاجتماعية في الشرق عموماً وفي المسلمين خصوصاً، إنما هم كسائر الباحثين، كل يذهب مذهباً في سبب الانحطاط وفي ما هو الدواء. وحيث أني قد تمحص عندي أن أصل الداء هو الاستبداد السياسي ودواؤه دفعه بالشورى الدستورية". قول الكواكبي بأن الاستبداد السياسي هو أصل الداء، يدفعه إلى تلمس مفاعيله في مختلف مناحي الحياة الاجتماعية، لذا نراه يتناول علاقة الاستبداد بالدين والعلم والمال والأخلاق والتربية، مع إدراكه التام أن تفشي الاستبداد السياسي يعزز في المجتمع أشكال أخرى من الاستبداد كالاستبداد الديني واستبداد الغني بالفقير والجاهل بصاحب العلم والرجل بالمرأة والقوي بالضعيف. وعي الكواكبي بالآثار المدمرة للاستبداد، لا يوازيه إلا إدراكه عجز الاستبداد عن إصلاح نفسه بنفسه، فهو إذا لم يواجه، يقود ذاته ومجتمعه إلى التهلكة. يقول الكواكبي في واحدة من عباراته البليغة: "الاستبداد الذي يبلغ في الانحطاط بالأمة إلى غاية أن تموت ويموت هو معها". من هنا فإن سؤال الاستبداد لدى الكواكبي مرتبط في الصميم بسؤال الترقي والانحطاط الذي لا يزال يشغل الكثير من مفكرينا المعاصرين. وبمعزل عن مدى الدقة والراهنية في الإجابات التي قدمها الكواكبي عن هذا السؤال، فإن استمرار الاستبداد، وإن في أشكال وطرق مختلفة، يبقي سؤال الكواكبي حاضراً بقوة في عصرنا الراهن. صناعة المستبد يرى الكواكبي أنه "ما من مستبد سياسي إلى الآن إلا ويتخذ له صفة قدسية يشارك بها الله أو تعطيه مقام ذي علاقة مع الله. ولا أقل من أن يتخذ بطانة من خدمة الدين يعينونه على ظلم الناس باسم الدين". فالاستبداد السياسي والاستبداد الديني عند الكواكبي صنوان يربطهما السعي إلى إذلال الإنسان. والتداخل بينهما قائم من "أنهما حاكمان أحدهما في مملكة الأجسام والآخر في عالم القلوب". لكن استعانة المستبد بالدين وإغداقه صفات الألوهية على نفسه منبعه في الأساس إدراك المستبد الدفين لصغره ووضاعته وحرصه على إخفاء ذلك خلف هالة التقديس وعبارات التبجيل. فمنشأ الاستبداد، لدى الكواكبي، أرضي لا سموي، وصناعة المستبد تقوم في الأساس على طرفين اثنين: فمن جهة هناك الأعوان والحاشية، ومن جهة ثانية هناك، ما يسميه، العوام وجهلهم. أما من جهة الأعوان، فإن الكواكبي يدرك أنه لولا الحاشية و القواد ورجال الدين المتزلفين والوزير المستبد لما قامة لاستبداد قائمة. يصف الكواكبي صناعة المستبد بعبارات حادة وجريئة يعجز عنها الكثير من مثقفي عصرنا: "المستبد لحظة جلوسه على عرشه ووضع تاجه الموروث على رأسه يرى نفسه إنساناً فصار إلهاً. ثم يرجع النظر فيرى نفسه في نفس الأمر أعجز من كل عاجز وأنه ما نال ما نال إلا بواسطة من حوله من الأعوان، فيرفع نظره إليهم فيسمع لسان حالهم يقول له: ما العرش وما التاج وما الصولجان؟ ما هذه إلا أوهام في أوهام، هل يجعلك هذا الريش في رأسك طاووسا وأنت غراب، أم تظن الأحجار البراقة في تاجك نجوما ورأسك سماء، أم تتوهم أن زينة صدرك ومنكبيك أخرجتك من كونك قطعة طين من هذه الأرض؟ والله ما مكّنك في هذا المقام أو سلّطك على رقاب الأنام إلا شعوذتنا وسحرنا وامتهاننا لديننا ووجداننا وخيانتنا لوطننا وإخواننا! فانظر أيها الصغير المكبّر الحقير الموقّر كيف تعيش معنا!" يبتدع الكواكبي في حديثه عن تزلف الحاشية والأعوان مصطلح "التمجد" وهو أن يصير الفرد "مستبداً صغيراً في كنف المستبد الكبير". فالمستبد "يتخذ المتمجدين سماسرة لتغرير الأمة ". معيار اختيار المستبد للمتمجدين من حوله، هو أن يكونوا أشد ظلماً منه للناس، ترتفع مراتبهم بزيادة وضاعتهم، فكلما "كان المستبد حريصاً على العسف احتاج إلى زيادة جيش المتمجدين العاملين له المحافظين عليه، احتاج إلى مزيد الدقة في اتخاذهم من أسفل المجرمين الذين لا أثر عندهم لدين أو ذمة، واحتاج لحفظ النسبة بينهم في المراتب بالطريقة المعكوسة وهي أن يكون أسفلهم طباعاً وخصالاً أعلاهم وظيفة وقرباً، ولهذا لا بد أن يكون الوزير الأعظم للمستبد هو اللئيم الأعظم للأمة". النتيجة التي يخلص إليها الكواكبي هي أن لا أمل يرتجى للتخلص من الاستبداد من طريق الحاشية والأعوان لأن "وزير المستبد هو وزير المستبد، لا وزير الأمة كما في الحكومات الدستورية. كذلك القائد يحمل سيف المستبد ليغمده في رقاب العباد بأمر المستبد لا بأمر الأمة...فكيف يجوز تصديق الوزير والعامل الكبير الذي قد ألف عمراً طويلاً لذة البذخ وعزة الجبروت في أن يرضى بالدخول تحت حكم الأمة ويخاطر بعرض سيفه عليها فتحله أو تكسره تحت أرجلها". أما من جهة ما يسميه الكواكبي بلغة عصره "العوام"، فإن المفكر الإصلاحي لا يقل بأساً في نقده لجهلهم وخوفهم اللذين يشكلان برأيه أهم دعائم الاستبداد. فالعوام "هم قوّة المستبد وقوته. بهم عليهم يصول ويطول. يأسرهم، فيتهللون لشوكته، ويغصب أموالهم، فيحمدونه على إبقائه حياتهم". عدا أن الكواكبي لا يألو جهداً وأملاً في الوصول إلى توعية "العوام"، لأن الخلاص هو في الأساس خلاصهم ولأنه لا يكون إلا من طريقهم، فالعوام هم: "أولئك الذين إذا جهلوا خافوا، وإذا خافوا استسلموا، كما أنهم هم الذين متى علموا قالوا ومتى قالوا فعلوا". من هنا لا يرى الكواكبي مخرجاً لإزاحة حاجز الخوف عن قلوب العوام وكسر التواطؤ القسري الذي يربطهم بالاستبداد ويقوي شوكته، بغير التوعية ونشر العلم: "العوام يذبحون أنفسهم بأيديهم بسبب الخوف الناشئ عن الجهل والغباوة، فإذا إرتفع الجهل وتنور العقل زال الخوف، وأصبح الناس لا ينقادون طبعاً لغير منافعهم كما قيل: العاقل لا يخدم غير نفسه، وعند ذلك لا بد للمستبد من الاعتزال أو الاعتدال". خوف المستبد في مقابل خوف العوام من المستبد، يبين الكواكبي أن أهم الصفات التي يراها في المستبد هي الخوف. فالمستبد يخاف من حاشيته لأن "أكثر ما يبطش بالمستبدين حواشيهم لأن هؤلاء هم أشقى خلق الله"، لكنه يخاف أيضاً من رعيته فـ "خوف المستبد من رعيته أكثر من خوفهم من بأسه، لأن خوفه ينشأ عن علمه بما يستحقه منهم، وخوفهم ناشئ عن جهل، وخوفه عن عجز حقيقي فيه، وخوفهم عن توهم التخاذل فقط". وأشد ما يخاف المستبد منه هم الذين يفوقونه علماً ومعرفة. يقول الكواكبي: "كما يبغض المستبد العلم لنتائجه يبغضه أيضاً لذاته لأن للعلم سلطاناً أقوى من كل سلطان، فلا بد للمستبد من أن يستحقر نفسه كلما وقعت عينه على من هو أرقى منه علماً. ولذلك لا يحب المستبد أن يرى وجه عالم عاقل يفوق عليه فكراً، فإذا اضطر لمثل الطبيب والمهندس يختار الغبي المتصاغر المتملق". ولأن المستبد يخاف فإنه يزرع الخوف في كل من حوله مداراة لخوفه الذي غالباً ما ينتهي به إلى جنون العظمة هرباً من مواجهة الحقائق، فـ "كلما زاد خوفه من رعيته وحتى من حاشيته، وحتى من هواجسه وخيالاته. وأكثر ما تختم حياة المستبد بالجنون التام". يستعير الكواكبي مما يسميه "أحد المحررين السياسيين" تشبيهاً بليغاً ما أشدنا اليوم حاجة إليه، حيث طغى الاستبداد وتجبر، وبنى لنفسه جمهوريات للخوف وإن سمية بمسميات أخرى كالجمهوريات الوراثية أو العظمى: "إني أرى قصر المستبد في كل زمان هو هيكل الخوف عينه: فالملك الجبار هو المعبود، وأعوانه هم الكهنة، ومكتبته هي المذبح المقدس، والأقلام هم السكاكين، وعبارات التعظيم هي الصلوات، والناس هم الأسرى الذين يقدمون قرابين الخوف. وهو (أي الخوف) أهم النواميس الطبيعية في الإنسان، والإنسان يقرب من الكمال في نسبة ابتعاده عن الخوف، ولا وسيلة لتخفيف الخوف أو نفيه إلا العلم بحقيقة المخيف منه، لينكشف للإنسان أن لا محل فيه للخوف منه، وهكذا إذا زاد علم أفراد الرعية أن بأن المستبد امرؤ عاجز مثلهم زال خوفهم منه وتقاضوه حقوقهم". من هنا فإن الخوف هو لبنة الاستبداد الرئيسية، في يومنا هذا كما في زمن الكواكبي، وإزاحة حاجز الخوف عن صدور الناس هو الوسيلة الأنجع لهدم هياكل الاستبداد والانتقال بهم من طور الرعية والعوام إلى طور المواطنية والشعب. لكن ما هي الطرق التي يقترحها الكواكبي لكسر شوكة الاستبداد؟ الخلاص من الاستبداد صاغ عبد الرحمن الكواكبي قبل قرن من الزمن سبل الخلاص من الاستبداد، وأوجزها في نقاط ثلاث لا تزال إلى يومنا هذا تحتفظ بالكثير من راهنيتها: أولاً، "الأمة التي لا تشعر كلها أو أكثرها بآلام الاستبداد لا تستحق الحرية". فالوعي بحقيقة الاستبداد وبضرورة التغيير، شرط أساسي للمضي قدماً في رفع الاستبداد. و إلا فإن الناس، غير الواعين لأهمية الحرية، إذا ثاروا انتقاماً من المستبد لا طلباً للخلاص من المستبد، فإنهم قد يستبدلونه بمستبد آخر، ويستبدلون مرضاَ مزمناً بمرض حاد آخر على قول الكواكبي. ثانياً، "الاستبداد لا يقاوم بالشدة إنما يقاوم بالحكمة والتدرج". فالكواكبي يعي ضرورة أن لا يقاوم الاستبداد بالعنف، لأن هذا يمكن أن يؤدي إلى فتنة. كما أن إقناع الناس بأهمية التغيير وبضرورة مغادرة صمتهم ولا فاعليتهم يحتاج إلى ثقة ووقت طويل. من هنا أهمية أن يتم التغيير سلمياً وبالتدريج. ثالثاً، "يجب قبل مقاومة الاستبداد تهيئة ماذا يستبدل به الاستبداد". فمعرفة الغاية، لدى الكواكبي، شرط طبيعي للإقدام على كل عمل. ومن هنا لا بد أن يكون البديل واضحاً وموافقاً لرأي الأكثرية، وفقاً للكواكبي. وبعد، قد يكون غاب عن الكواكبي الكثير من القضايا البيّنة لدراسة الاستبداد وفهمه وتهيئة الظروف الكفيلة الخلاص منه. لكن يكفي هذا المصلح الكبير أنه قرّن القول بالفعل، وكان أول من شرّح الاستبداد في فكرنا العربي، وأول من خرج عليه خروجاً واعياً، نال نتيجته الكثير من الظلم والعسف. يقول الكواكبي:"فما أن إلا فاتح باب صغير من أسوار الاستبداد. عسى الزمان يوسعه، والله ولي المهتدين". وإذا كان الكواكبي، هو في النهاية ابن زمانه ومكانه، فإن الاستبداد والظلم هما ابنا كل زمان ومكان، ومن هنا أهمية أن نؤسس على ما أتى به الكواكبي وأن نكمل توسيع الأبواب التي أحدثها، هو وجيله، في أسوار الاستبداد.