الحرب على لبنان اسقطت في اسرائيل
الفصل الاحادي وعد صناعة اسرائيلية بامتياز، كان اولى ضحايا الحرب لكن البديل لم ير النور بعد، والخيارات محددة: السلام الشامل على اساس الارض في مقابل السلام او اعادة احتلال الاراضي التي اخليت من جانب واحد. واذا كانت اعادة الاحتلال دونها حواجز ومطبات امنية وسياسية ودولية وكلفة اكبر بكثير من مكاسبها، فان السلام دونه ايضاً عقل اسرائيلي لا يعرف سوى منطق القهر والاذلال وهو متحكم ومتشبث بالسلطة وبالمجتمع، والا ما الذي يفسر تصدر اسوأ العنصريين الاسرائيليين افيغدور ليبرمان الواجهة؟ وما الذي يدفع بأسوأ المتشددين بنيامين نتنياهو الى قمة الشعبية؟
غياب الحل من داخل اسرائيل اعاد احياء الحل الدولي مجدداً وعادت "خريطة الطريق" للرباعي الدولي الى السطح.
قد يكون هذا الحل مستعصياً في ظل التجاذبات القائمة على الساحة الفلسطينية... لكن الطبخة السياسية الوحيدة الجاهزة للطهو طعمها دولي ونكهتها ايضاً!!
الحرب على لبنان، اسقطت ايضاً المفهوم الاسرائيلي القائم على الاعتماد المفرط للقوة الذي اذاقها اطيب الانتصارات في 1948 و1967 و1973 وجعلها اقوى طهاة السياسة والتحولات في المنطقة. الحرب الاخيرة بينت العورات الاستراتيجية والتكتيكية للمؤسسة العسكرية، واظهرت استحالة تحقيق مكاسب سياسية بالقوة العسكرية وحدها، بعد الحرب، الجيش الاسرائيلي قيادة واركاناً وضباطاً على مشارح لجان التحيق المختلفة، ومهمة صون امن اسرائيل والحماية من صواريخ "حزب الله" التي كانت موكلة اليه، ثمة محاولات حقيقية لايكالها الى قوة "اليونيفيل" المعززة وهي ايضا قوة دولية وقرارها دولي.
للمرة الاولى في تاريخها تسعى اسرائيل الى الاداة الدولية لتحقيق ما عجزت عن تحقيقه بادواتها الذاتية!
الحرب على لبنان، هزت تاليا احد المبادئ التي قامت عليها اسرائيل وهو اعتمادها على نفسها فقط، وها هي وزيرة خارجيتها تسيبي ليفني تصرح امام حلف شمال الاطلسي عن رغبة دولتها بالانخراط في الديبلوماسية المتعددة الجانب وفي المؤسسات الغربية والعالمية، وتتطلع الى ان يكون "التعاون" في لبنان اختبارا لهذه المقاربة الجديدة. بمعنى آخر ان اسرائيل لم تعد تمانع في ان تكون جزءا من نظام دولي سياسي وامني وديبلوماسي يشترك على غير العادة في تأمين حمايتها وضمان امنها!!
لقد كشفت الحرب على لبنان عن اسرائيل غير تلك التي ارسى اسسها وصنع اسمها وحنكتها السياسية ومجدها المحارب القادة الصهاينة الاوائل بدءا بديفيد بن غوريون وانتهاء باسحق رابين. اسرائيل الثانية بينت عن عورات في الاستراتيجية المعتمدة والرؤى العامة والتكتيكات على الصعد السياسية والعسكرية والعلاقات الدولية والعلاقة مع المحيط... وبدت عند اكثر من مفترق خلال الحرب انها مسيرة وليست مخيرة ولاسيما من الولايات المتحدة التي باتت تشاركها في مساحة الشرق الاوسط، كما باتت مثلها دولة اقليمية لها مصالحها الخاصة على حساب المصالح الاسرائيلية.
بعد الحرب ثمة اسرائيل ثالثة تحاول ان تنهض من اسرائيل الثانية، لكن اسرائيل الجديدة لن تكون تلك القديمة التي جعلت الاداة الدولية عصا في سياساتها للضرب بها، بل ستكون اكثر اتكالا على هذه العصا للاتكاء عليها ليس إلا.
"النهار"