<
وللتذكار هنا وظيفة يختلف المتذكرون في تحديد أهدافها ومراميها. إلا أنني أعتبر نفسي بحق الشاهد العربي الأول والأقدم لتلك الأحداث. أقول الأول والأقدم لأن جزءاً من تلك الأحداث شاركني فيها اثنان من أصدقائي العرب. الأول هو الشاعر العراقي كاظم السماوي. والثاني هو السوداني سعد عبد القيوم. غير أنني سبقت الجميع في وجودي في المجر في تلك الفترة. فقد ذهبت إلى بودابست في صيف عام ,1953 وبقيت فيها حتى خريف عام .1957 كنت أمثل الشبيبة العربية في قيادة اتحاد الشباب الديموقراطي العالمي الذي كان مقره في بودابست. وكنت مسؤولاً في الاتحاد عن العلاقات مع منظمات الشبيبة في بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وقد أتاحت لي تلك الإقامة الطويلة التعرف على تلك البلاد، وعلى تاريخها القديم والحديث، وعلى تقاليد شعبها، وعلى العناصر المكونة للطبيعة البشرية لهذا الشعب. وأقمت علاقات صداقة مع أنواع مختلفة من المجريين. وبعضهم لم يكن يحب الشيوعية. وبعضهم كان يخفي اعتراضه على نمط النظام الذي كان سائداً باسم الاشتراكية. أما بعضهم الثالث فكان من النوع الذي لا يقبل النقاش حول أي من عناصر الخلل التي كانت سائدة في هذا النظام، والتي كانت لأهل السلطة ولحاشيتهم، ممن يشكلون <الجهاز> في الحزب وفي الدولة، امتيازات مثيرة للنقد وللحقد المكبوت عند عامة الناس. لكنني كنت شيوعياً. وكان قد مضى على انتسابي إلى الشيوعية، في العراق أولاً ثم في لبنان بعد ذلك، خمس سنوات، عندما وصلت إلى المجر قادماً إليها من رومانيا، في أول دخول لي إلى عالم الاشتراكية. وكان ذلك بالنسبة إليّ امتيازاً في مثل عمري الذي كنت فيه على أبواب الرابعة والعشرين. كنت أعلم، بخلاف العديد من رفاقي الشيوعيين، أن النظام الاشتراكي في المجر وفي سائر بلدان أوروبا الشرقية، الذي كان يطلق عليه اسم <الديموقراطية الشعبية>، لم يكن يتطابق مع ما كنت قد قرأت عنه في الكراريس المعممة لماركس وانجلز ولينين وستالين، حول الشيوعية التي ستكون عندما تتحقق جنة الله على الأرض. ولذلك لم تفاجئني المظاهر السلبية التي صدمتني فور وصولي إلى كل من بوخارست وبودابست في بادئ الأمر، ثم في موسكو وبراغ وبرلين وفارصوفيا وصوفيا التي اختارت بلدانها الاشتراكية طريقاً لتطورها وتقدمها. فتعاملت مع تلك السلبيات بواقعية. لكن ما أذهلني وصدمني هو ما لم أكن أعرفه إلا لماماً وبكثير من الضبابية والغموض، عن بعض الأحداث السابقة على دخولي إلى عالم الاشتراكية الجديد. وما أخبرت به همساً كان فظيعاً. فأحدث ذلك في عقلي ووجداني صدمة كبيرة لم تفارقني على امتداد تلك الحقبة من وجودي في المجر، من دون أن تخلخل قناعاتي بقضية الاشتراكية التي كانت راسخة وغير قابلة للاهتزاز. قيل لي، بكثير من التفاصيل المذهلة، إن ستالين كان قد أجرى في مطلع خمسينيات القرن الماضي، قبل وفاته بأعوام قليلة، محاكمات لقادة أحزاب ودول أوروبا الشرقية كلها، المجر ورومانيا وبلغاريا وبولونيا وتشيكوسلوفاكيا وألمانيا. فحكم على بعض هؤلاء القادة بالإعدام ونفذت الأحكام فوراً وبدون إبطاء. وكان من بين هؤلاء الأمين العام للحزب الشيوعي المجري راجك، وعدد من رفاقه. وحكم على بعضهم بالسجن أعواماً طويلة، وأودعوا في السجن. وأخرج الكثيرون منهم من المواقع التي كانوا يحتلونها. ورغم أنني كنت أعلم اليسير عن تلك المحاكمات، كما قلت، وبقدر كبير من الغموض والضبابية، فإن ما أخبرني عنها الشيوعيون المجريون كان مذهلاَ. تمالكت نفسي. وكبتّ مشاعر الحيرة والمرارة والقلق. وقررت أن أخرج من كل تلك المشاعر قبل أن تتحكم بي. فبادرت إلى تبرير ما حصل، وفق ما كنت قد تعلمته في الحزب الشيوعي اللبناني، في أن ما كان يحصل من أخطاء وما كان يتخذ من تدابير ضدها في تلك البلدان كان كله في صالح الاشتراكية. ولم يكن أمام شاب مثلي، قادم إلى الاشتراكية في عقر دارها، خيار آخر، أو هكذا خيّل إليّ، واقتنعت به. وفي الواقع فقد كان تبرير ما كان يحصل، حتى في أبشع صوره، نهجاً سائداً في أحزابنا الشيوعية في تاريخها القديم. وكان ذلك نوعاً من الانضباط الشيوعي محلياً وأممياً. علما بأن ما كان يحصل، في ذلك الوقت، كان فظيعاً وفق ما أشارت إليه الوقائع اللاحقة ومنها تقرير خروتشوف أمام المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفياتي الذي أدان نهج ستالين الاستبدادي بعد أن قدم عرضاً وافياً للجرائم الكبيرة التي ارتكبها بحق رفاقه الشيوعيين قادة ومناضلين، وبحق الشعب السوفياتي بعامة.
كان راجك الأمين العام للحزب الشيوعي المجري، الذي أعدمه ستالين، شخصية تاريخية مرموقة في المجر. قاد المقاومة في الحرب العالمية الثانية، برغم الصعوبات التي واجهته وواجهت حزبه في بلاده التي كان يحكمها الدكتاتور هورتي حليف هتلر. وكانت المجر في مرحلة تاريخية سابقة جزءاً من الأمبراطورية النمساوية المجرية. أما يانوش كادار، رفيق راجك في قيادة الحزب، فكان وزيراً للداخلية. وقد حكم عليه بالسجن لأعوام عديدة. إلا أن كادار حظي، بعد موت ستالين، بعفو من قيادة خروتشوف، فأطلق سراحه في أواخر عام 1955 وسلّم مسؤولية القيادة الحزبية في منطقة بودابست الكبرى. وكان ذلك الإجراء من جملة إجراءات سبقت انعقاد المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفياتي (شباط 1956) وترافقت معه، وتلت انعقاده. ومعروف أن هذا المؤتمر قد أدان بوضوح سياسة ستالين في كل المجالات، وأدان نهجه الاستبدادي، وكشف عن الجرائم التي كان قد ارتكبها خلال عهده الذي استمر من عام 1924 حتى عام ,1953 العام الذي غادر فيه الحياة. وكان من أهم ما صدر عن هذا المؤتمر من قرارات هو أنه أطلق الفكرة التي تقول بتعدد طرق الانتقال إلى الاشتراكية. الأمر الذي كان يعني أن للأحزاب الشيوعية الحق في تحديد سياساتها بحرية، والحق في اختيار طرقها الخاصة بها وفق الشروط التاريخية لبلدانها للانتقال إلى الاشتراكية. وكان من بين ما اتخذ من قرارات في هذا المؤتمر، وحتى في الفترة السابقة على انعقاده، إعادة الاعتبار لكل الذين حاكمهم ستالين وأعدم من أعدم منهم وسجن وطرد وشوه تاريخ العديد منهم. وكان من بين هؤلاء تيتو، زعيم يوغوسلافيا، الذي اكتفى ستالين بطرده وطرد بلاده من أسرة الدول الاشتراكية، لعدم قدرته على محاكمته مثلما فعل في البلدان الأخرى. وكان من بين الذين أعيد إليهم الاعتبار راجك، زعيم الحزب الشيوعي المجري، ورفاقه ومن بينهم يانوش كادار.
وتبين لي في ما بعد أن أموراً كبيرة كانت تجري في خفايا النفوس وفي أماكن أخرى، ليس في المجر وحسب، بل في مجمل البلدان التي كانت تتشكل منها المنظومة الاشتراكية العالمية. إذ ظلت تلك الأحداث تحز في نفوس الناس العاديين في البلاد. وظلوا يكبتون مشاعرهم خوفاً من القمع، أو أملاً غير محدد في الزمان بنشوء وضع جديد أفضل. وكلما كانت تتوافر شروط ملائمة للتعبير عن تلك المشاعر الكامنة كانت تظهر حالات من الاعتراض والاحتجاج. وكانت تختلف، من حيث نوعها ومن حيث حجمها واستهدافاتها، باختلاف القائمين بها. وكنت شاهداً على ما كان يحصل في المجر، خصوصاً، وبالكثير من التفاصيل. وكنت أتابع ما كان يجري في البلدان الأخرى. وكانت تتراكم عندي الأسئلة على امتداد أعوام وجودي في المجر، منذ الأيام الأولى لوجودي فيها. وكنت أتبادل مع بعض أصدقائي الكثير من الهواجس همساً. وكان ينقل لي صديقي الهندي سردا مترا بعض أفكار جنينية كانت متداولة في الحزب الشيوعي الهندي، الذي كان يتزعمه أجوي غوش. وقد أتيحت لي فرصة اللقاء بهذا القائد الشيوعي في عام 1958 في نيودلهي، بواسطة صديقي مترا وبحضوره. وأشار لي هذا القائد الشيوعي في بعض أحاديثه إشارات عامة حول ما كان يجري وحول ما كان يحتمل حصوله في تلك البلدان. كما أتيحت لي، خلال زيارتي للهند، فرصة اللقاء برئيس جمهورية الهند وكذلك بشقيقة نهرو، التي كانت تعتبر من شخصيات الهند البارزة.
إذاً، بعد موت ستالين، ومع بداية التحولات في السياسة السوفياتية، التي أسّسها خروتشوف واتخذت شكلها الواضح في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفياتي، تفجرت الأسئلة في كل مكان في المجر، وفي سائر بلدان أوروبا الشرقية، وفي مجمل الحركة الشيوعية العالمية. وخرج المجريون في شكل مظاهرات بعضها عفوي والكثير منها كان منظماً تنظيماً دقيقاً لزيارة مقابر الزعماء الشهداء، وبالأخص قبر زعيم الحزب الشيوعي راجك. وكان من جملة القضايا التي كانت محور النقاش الأسئلة التي تتعلق بالأسباب التي أدّت إلى عبادة الفرد في شخص ستالين، والأسباب التي حوّلت الأممية الشيوعية من دورها كراعٍ لتطور الحركة الثورية إلى وصي عليها ومعيق لتطورها. وكان من بين تلك القضايا، أيضاَ، أسئلة تتعلّق بالتعميم القسري للنموذج السوفياتي على كل البلدان، بما في ذلك البلدان التي سبقت الاتحاد السوفياتي في التطور، ومنها بلدان في أوروبا الشرقية كانت تشكل جزءاً من المنظومة الاشتراكية العالمية، مثل تشيكوسلوفاكيا وألمانيا، على وجه التحديد. وطرحت، في الإطار ذاته، أفكار حول مفهوم التكامل بين الدول الاشتراكية في الممارسة العملية. فقد تبيّن في التجربة أن التكامل، الذي جرى الكثير من الضجيج حوله كنموذج جديد في العلاقة بين الدول، لم يكن عادلاً في الكثير من الحالات. إذ فرض على بعض البلدان من تلك التي كانت تتشكل منها المنظومة الاشتراكية في أوروبا الشرقية، أن تختص بنوع من الإنتاج لا تتوفر المواد الأولية الخاصة بإنتاجه في هذا البلد، حتى لو اضطرت السلطات لشراء تلك المواد بالنقد النادر من أوروبا الغربية. وفرض على بلدان أخرى أن تعطي الأولية في صناعاتها للصناعة الثقيلة، على حساب الصناعة الخفيفة التي تنتج المواد الاستهلاكية، في وقت كانت تلك البلدان خارجة من الحرب، وكانت بحاجة إلى تلبية الحاجات المادية الأولية للناس. وكانت قضية الديموقراطية تطرح من قبل المثقفين، في أشكال تراوحت بين الحدة أحياناً مترافقة مع القمع، وبين المرونة أحياناً، انطلاقاً من حرص القائمين عليها على الاستقرار في البلدان الاشتراكية، التي كانت لا تزال القوى المعادية للنظام الجديد موجودة فيها وتنتظر الفرص للانقضاض على منجزات الثورة وتحولاتها القائمة والمنتظرة. إلا أن المجر كانت أكثر تلك البلدان استعداداً لاحتمالات تفجر الاحتجاج ضد عناصر الخلل المشار إليها كما دلّت على ذلك التطورات. وبدأت تبرز تلك المؤشرات عشية المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفياتي. وكان مقر اتحاد الصحافيين ونادي <بتوفي> (شاعر المجر القومي) مركز النقاشات الحرة بين المثقفين حول مصاعب الاشتراكية وآفاقها. وكنت أزور مع بعض أصدقائي المجريين هذين المقرين. وكنت أتبادل الآراء مع المثقفين والصحافيين حول المواضيع المثارة. في تلك الفترة بالذات وقع الاختيار عليّ لكي أشارك في إحدى المناسبات الوطنية المجرية (أغلب الظن أن المناسبة كانت الاحتفال بعيد استقلال المجر في شهر نيسان) وأن ألقي كلمة في الاحتفال، باسم الأجانب المقيمين في المجر. وبعد أن ألقيت كلمتي علمت أن يانوش كادار كان حاضراً في الاحتفال. فطلبت من المترجمة التي كانت ترافقني أن تحدد لي موعدا لمقابلته، فوافق وحصل اللقاء. وكان لقاءً غنياَ بالبحث الصريح حول ما كان يجري في البلاد من نقاش وإرهاصات تحولات غير محددة الاتجاه. قلت له، يومذاك، إن النقاشات الجارية هي، في نظري، نقاشات تسودها الرغبة الحقيقية في التجديد والتغيير. لكنها، برغم جديتها، تخفي مخاطر كثيرة، بسبب حدتها، وبسبب الخلفيات السياسية والتاريخية عند بعض المساهمين فيها. وكانت تلك المخاطر تتمثل، في نظري، في عدم معرفة حدود التغيير الذي سينجم عن زخم الأفكار السائدة في تلك النقاشات. إذ من الممكن وكان ذلك في تصوري احتمالاً حقيقياً في تلك الظروف أن تتجاوز تلك الأفكار، واتجاهات التغيير المؤدية إليها، قضية الاشتراكية إلى شيء آخر مختلف تماماً. وكان كادار يشاركني المخاوف والهواجس التي عرضتها. وقد نقلت لقيادة حزبي في بيروت مخاوفي تلك. وظن بعض الرفاق أنني أبالغ في وصف ما كان يحدث. إلا أن نقولا شاوي، أحد قادة الحزب الأساسيين آنذاك، الذي زارني في صيف عام 1956 في بوادبست، في طريق عودته من بوخارست بعد قرار حل <الكومنفورم>، المركز الإعلامي الأممي الذي كانت تصدر عنه مجلة <في سبيل سلم دائم في سبيل ديموقراطية شعبية>، كان أكثر قلقاً من جراء ما أخبرته به وما أتيح له أن يشاهده بأم عينه. كانت البلاد تغلي. وكان يبدو للعيان أنها تتهيأ لأحداث لا يعرف أحد شكلها ومداها ونهاياتها. لكن أحداً لم يكن يتصور أن تلك الأحداث كانت ستصل إلى ما وصلت إليه. إذ كان الجميع ينتظر أن تنتهي الاحتجاجات بالطريقة ذاتها التي انتهت إليها الاحتجاجات في ألمانيا الديموقراطية وفي بولونيا. لكن الأمور في المجر كانت قد وصلت إلى مستوى صار من المتعذّر السيطرة عليها. وتحول النقاش من دعوة إلى تجديد الاشتراكية إلى حركة احتجاجية واسعة النطاق ضد الحكومة وضد النظام وضد أجهزة القمع التي تجاوزت كل الأصول في تدابيرها وإجراءاتها وممارساتها. وكانت المبررات المباشرة والمعلنة لانفجار الحركة الشعبية في أشكال متعددة من الاحتجاجات تتمحور حول فقدان بعض المواد الغذائية أو نقصانها. وكانت الاتهامات توجه إلى زعيم الحزب راكوشي، رجل السوفيات الأول الذي كان قد لجأ إلى موسكو خلال الحرب، وعينه ستالين مكان زعيم الحزب راجك، الذي أعدم بتهمة خيانة الاشتراكية، كانت توجه الاتهامات إليه بأنه كان يأتي بالمواد الاستهلاكية إلى مقره بالطائرة مباشرة من الخارج. لكن المطالبة بالإصلاحات الديموقراطية وبإجراء تغييرات أساسية في نظام الحكم كانت هي الأكثر بروزاً مع تطور حركة الاجتجاج، إلى أن أصبحت هي الشعار الأساسي للاحتجاج. وما لبثت تلك الحركة أن تحولت في ذات يوم مشمس إلى تظاهرة وصل عدد المشاركين فيها خلال سيرها المتواصل إلى ما يقارب النصف مليون شخص، اخترقت شوارع بودابست وصولاً إلى ساحة الأبطال في وسط العاصمة، حيث كان ينتصب تمثال ضخم لستالين. وقد رافقت التظاهرة من بدايتها حتى نهايتها. وكانت الشعارات تتحول تدريجياً من شعار إلى آخر إلى أن استقرت عند شعار واحد: أيها الروس عودوا إلى بلادكم! واختفت كل إشارة إلى الاشتراكية، أو حتى إلى الإصلاحات الديموقراطية. إذ صار الجو كله عدائياً بالكامل للحكومة وللحكم وللنظام الاشتراكي المرتبط بالنموذج السوفياتي وبالقيادة السوفياتية، بوصفه نظاماً تابعاً لهذه القيادة ولنظامها ولسياساتها بالكامل. وفي لحظة الوصول إلى تلك الساحة بدأت عملية اقتلاع تمثال ستالين بواسطة شاحنات ضخمة ربطت بحبال معدنية إلى التمثال. واستمر الشد إلى أن سقط التمثال سقوطاً مدوياً، وسقط معه النظام في اللحظة ذاتها. وكنت أشاهد ما يجري وأنا في حالة غريبة من الذهول والقلق والخوف. وظلت الجماهير تجر التمثال إلى أن استقر الرأي على وضعه أمام الفندق الذي كنت أقيم فيه مع زملائي من البلدان الأخرى. وظلت عملية تحطيمه وتفتيته قائمة في الليل والنهار خلال أسبوعين كاملين، إلى أن اختفت آثاره. وكان الذين يقومون بعملية التفتيت يكتفون بأخذ قطعة من التمثال كتذكار لتلك اللحظة التاريخية المتمثلة بانهيار صرح دكتاتورية داخلية وخارجية كانت مفروضة عليهم باسم الاشتراكية. وكان ذلك يشير إلى الحقد الدفين الذي كان يتفجر عند المجريين ضد ما كان قائماً من حكم وحكومة ونظام ومن ارتباط خاطئ في شكله وفي محتواه وفي استهدافاته بالمركز السوفياتي. وكان التعبير الفادح عن الخطأ في ذلك الارتباط قد دشن بإعدام قادة الحزب والبلاد بقرار من ستالين، واستبدالهم بآخرين موالين له، كما أشرت إلى ذلك قبل قليل.
"السفير"