التقرير السياسي للجنة المركزية

المقدّم إلى المؤتمر السادس

لحزب الشعب الديمقراطي السوري

فهرس

رقم الصفحة

مقدمة

5

الأوضاع السورية بين مؤتمرين

8

الفصل الأول: الأوضاع العامة بين عامي 1979 – 1982

9

"1- الظروف العربية والإقليمية والدولية

9

أ- المعاهدة المصرية الإسرائيلية

9

ب- لبنان والمقاومة الفلسطينية

9

ج- الثورة الإيرانية

10

د- معاهدة الصداقة السورية السوفيتية

10

هـ- الوضع الدولي

10

"2- الأوضاع الداخلية وتطوراتها

10

أ‌- الاستقطاب السياسي على المسرح السوري

11

ب- المجابهة مع السلطة وحسم الصراع لصالحها

11

1ً- مضاعفات مجزرة المدفعية

11

2ً- الحراك السياسي للنظام والمعارضة الديمقراطية

12

ً3- مجازر حماة شباط عام 1982

13

   

الفصل الثاني: الأوضاع العامة بين عامي 1982 - 1991

15

   

الفصل الثالث: الأوضاع العامة بين عامي 1992 - 2000

20

"1- الإفراجات الأمنية

20

"2- تعزيز الانفتاح الاقتصادي

21

"3- حصار العراق وانعكاساته على سورية

21

"4- مسيرة التسوية في المنطقة – أوسلو وما تلاها

22

"5- الأزمة الاقتصادية

23

   

الفصل الرابع: الأوضاع العامة بين عامي 2001 – 2005 رئيس جديد لنظام شائخ

24

   

الفصل الخامس: الوضع العربي والإقليمي

27

"1- إخفاق الحركة القومية العربية

27

"2- عجز العالم العربي عن التوافق على استراتيجية شاملة للصراع العربي الإسرائيلي

27

"3- إخفاق الدول العربية في مشاريع التنمية والسيطرة على الموارد النفطية

28

"4- إخفاق النظام العربي في تقييم مرحلة ما بعد الحرب الباردة وسقوط الاتحادالسوفييتي

28

"5- إخفاق العالم العربي في مواجهة العولمة

29

"6- تفسخ النظم الاستبدادية وفشل التحول نحو الديمقراطية وتفاقم الهجوم الاستعماري

29

   

الفصل السادس: الوضع الدولي

31

ً1- حقبة القطب الواحد والطموح الإمبراطوري للولايات المتحدة

31

2ً- آفاق التعددية القطبية ومقاومة الطموح الإمبراطوري الأميركي

32

3ً- العولمة وتحدياتها

32

4ً- تمزق حدود الدولة القومية

33

5ً- الطاقة وتأثيرها على الوضع الدولي

34

   

الفصل السابع: حال المعارضة السورية

35

ً1- المعارضة الإسلامية

35

ً2- المعارضة الديمقراطية

36

ً3- الحزب

38

المقدمة

يتناول هذا التقرير التطورات السياسية مابين المؤتمر الخامس ومؤتمرنا الحالي السادس 2005. إنها فترة طويلة جداً، عجز الحزب أو عجزت قيادته عن عقد مؤتمراته، الأمر الذي يدفعنا، مع الأخذ بعين الاعتبار الظروف التي سادت، إلى الاعتراف بافتقار قيادات الحزب وهيئاته الأخرى إلى الشرعية الحزبية أمام الرفاق والأصدقاء، وإلى الشرعية السياسية أمام الناس. فالمؤتمرات هي التي تسمح بتجديد سياساته وقياداته وتلافي أخطائه وعثراته.

ولصعوبة الإحاطة بتفاصيل هذه الفترة الطويلة ودقائقها، كان لا بد من الوقوف عند محطاتها الرئيسية. ولارتباط هذه الفترة بالمراحل التي أعقبت انقلاب الثامن من آذار سنة 1963، التي شكلت حجر الأساس للنظام الاستبدادي الفردي الذي أسسه حافظ الأسد، كان لابد من استعراض سريع، يساعدنا على رؤية أفضل.

1ً- جاء انقلاب الثامن من آذار كمحصلة للأزمة السياسية الحادة التي رافقت عهد الانفصال. فرغم الظروف الدولية الملائمة له ودعم الامبريالية والأنظمة العربية المحافظة، تمكنت القوى القومية المعارضة، المستندة إلى التحرك الشعبي الواسع الرافض للانفصال والداعي إلى إعادة الوحدة، من إسقاطه.

2ً- تميزت المرحلة الجديدة بإزاحة البرجوازية السورية الكبيرة عن السلطة، وغياب أحزابها وشخصياتها عن المسرح السياسي السوري، وكذلك غياب الطابع المدني للسلطة، ليحل مكانه حكم ذو طابع عسكري تمثله فئات وشرائح بينية غلب عليها أبناء الريف والمدن الصغيرة في الأطراف.

قاد الانقلاب عدد من الكتل العسكرية، بعضها ليس له انتماءات حزبية، لكنه كان يتطلع إلى دور في السلطة، وبعضها (الناصريون) سعى إلى إعادة الوحدة الفورية مع مصر؛ في الوقت الذي كان فيه الفريق الثالث (البعث) يخطط للإنفراد بالسلطة، دون الذهاب إلى الوحدة أو الذهاب إلى وحدة مشروطة، معتمداً في ذلك على تنظيمه العسكري الذي تشكل خلال أيام الوحدة، بإشراف "اللجنة العسكرية" التي لعبت دوراً خفياً ومهماً. لكن هذا الدور، سرعان ما تلاشى بُعيد انقلاب 23 شباط 1966.

3ً- بعد الإطاحة بالناصريين، إثر أحداث تموز الدامية سنة 1963، وملاحقة المعارضين، انحصر العمل السياسي بحزب البعث العربي الاشتراكي الذي أدخل إلى الحياة السياسية السورية مفهوم الحزب القائد. فلم يبق أمام المعارضين من خيارات إلا اعتزال السياسة، أو ممارسة العمل السري الذي كانت ضريبته باهظة، خاصة بعد إعلان حالة الطوارئ وتشكيل "الحرس القومي" وتقوية الأجهزة القمعية والقيام بإقصاءات واسعة من الجيش وإدارات الدولة؛ اتخذت بعداً طائفياً ومناطقياً أيضاً.

وهكذا تبدلت شروط الدخول إلى الحقل السياسي وتبدلت معها شروط اللعبة وطبيعة اللاعبين.

4ً- لكن الصراع السياسي على السلطة سرعان ما راح يحتدم داخل الجيش ومن ثم داخل الحزب. ولقد حمل هذا الصراع في طياته تناقضات متنوعة عكست، بشكل أو آخر، اختلافاً في الرؤى السياسية والاجتماعية، وحتى الأيديولوجية بين فئات وتيارات النظام الجديد. أدى استمرار الصراع وتنامي حدته إلى إقصاءات وتصفيات، كان أبرزها خروج البعث اليساري (حمود الشوفي شباط 1964) والقيادة القومية (23 شباط سنة 1966)، وتيار صلاح جديد (13 تشرين الثاني سنة 1970).

5ً- بعد أن وطدت السلطة سيطرتها على البلاد، وجهت ضربتها الثانية إلى البرجوازية وكبار الملاكين العقاريين (حزيران 1963)، فأصدرت مرسوم الإصلاح الزراعي وقامت بتأميمات واسعة للصناعة والبنوك (1964-1965). ومن ثم قامت باحتكار التجارة الخارجية، وصناعة وتجارة النفط.

أمسكت الدولة بمفاتيح الاقتصاد السوري الأساسية، وتحولت إلى قوة اقتصادية حلت محل الرأسمالية التقليدية، وتشكل القطاع العام الذي عبر بشكل أو آخر، عن رأسمالية الدولة. وراحت تتشكل بين الدولة والمجتمع علاقة مماثلة للعلاقة القائمة بين رب العمل والعمال.

ً6- أعطت السلطة الأولوية للفلاحين واهتماماتهم. فقلصت من جديد مساحة أراضي الملاكين المسموح بحيازتها، ووزعت قسماً من الأراضي المستولى عليها على الفلاحين الفقراء والمعدمين، وحررتهم من ثلاثة أرباع قيمتها. والقسم الآخر أجرته للفلاحين الميسورين والمتنفذين. وأنشأت اتحاد الفلاحين الذي ضم أكثر من "1500" رابطة وجمعية في القرى والأرياف.

ومع أن الإصلاح الزراعي قد ضرب بقايا الإقطاع، إلا أنه لم يسهم في حل أزمة الريف. لقد اهتمت السلطة بالتوزيع والشعارات الأيديولوجية، ولم تهتم بإنتاجية الأرض كعامل أساس في تنمية الريف وتقدمه. فشمل الإصلاح الاستثمارات الرأسمالية عوضاً عن تشجيعها. ولم تطرح أية آلية للاستثمار الزراعي الكبير وأبقت الملكيات الموزعة صغيرة ومفتتة، وقاصرة عن توسيع المساحات المزروعة وعن الإنتاجية والربح. ثم زاد الوضع سوءاًً حين احتكرت الدولة تسويق المنتجات الزراعية الرئيسية وتحديد أسعارها. فانحدر الدخل الزراعي مابين 66-73. كما لعب دوره الهام في هذا الانحدار الاضطراب السياسي وتهاوي سعر العملة وانخفاض تمويل المشاريع الزراعية. فتضاعفت هجرة الريف إلى المدينة وازدادت حاجة البلاد إلى استيراد المواد الغذائية.

وهكذا بقي النظر إلى الإصلاح الزراعي في عهد البعث على أنه إجراء اشتراكي، في الوقت الذي كان تاريخياً من أهم وسائل التراكم الرأسمالي. هذه النظرة الخاطئة كانت من أسباب فشله في سوريا.

لقد قلصت السياسة الاقتصادية الجديدة القاعدة الاقتصادية-الاجتماعية للبرجوازية السورية وأفقدتها مركز قوتها. ووسعت بالمقابل القاعدة الاجتماعية للسلطة الجديدة. وبذلك عدلت هذه السلطة موازين القوى لمصلحتها رغم استمرار الصراع داخل الجيش والبعث، بل رغم استمرار مقاومة الفئات المتوسطة المدينية للنظام التي عبرت عنها أحداث حماة عام 1964 بوضوح.

ولكن في الممارسة العملية، أظهرت إدارة الدولة للاقتصاد والقطاع العام والإصلاح الزراعي، الكثير من الجوانب السلبية، من أهمها:

أ- حلت الدولة محل الرأسمالي، وأخذت مراكز القوى تتصرف بهذا القطاع وكأنه إقطاع، تتمتع بامتيازاته، مستغلة إياه لمصالحها بمختلف الوسائل والأساليب المشروعة وغير المشروعة، وأبعدت العمال عن أي دور حقيقي في إدارة شؤونه.

ب- لم تُدِرْ الدولة هذه القطاعات على أسس اقتصادية سليمة، وهذا ما أدى إلى الهدر والتشغيل السيئ للآلات والتنظيم الرديء للعمل، وإلى إبقاء أجور العمال منخفضة، فتدهور الإنتاج، وارتفعت تكاليفه، وتردت شروط العمل، وتضخمت العمالة.

جـ - لم يخدم هذا النظام الاقتصادي مصلحة العامل، ولا مصلحة المستهلك، بل لم يخدم على المدى الطويل مصلحة رأسمالية الدولة. لقد فشل في تسيير عملية الإنتاج، وتأمين التراكم الضروري للتنمية الشاملة، وحرم العمال من حقهم في النضال المطلبي.

ً7- راحت سلطة 23 شباط تنحو منحى أيديولوجياً يسارياً. فوطدت علاقاتها العسكرية والسياسية والاقتصادية مع الاتحاد السوفييتي، وفي الوقت ذاته، كانت مصر تسير في المنحى نفسه. وكثر الكلام في كلا البلدين على التطور غير الرأسمالي والتقدم الاجتماعي والاشتراكية، وبتشجيع من المنظرين السوفييت وبعض الشيوعيين العرب. وكنا نحن من عدادهم. وفي الفترة ذاتها انبثقت بدايات المقاومة الفلسطينية وشُرع في إطلاق الشعارات حول تحرير فلسطين، وبدئ في تنفيذ مشروع تحويل نهر الأردن. وكان الجيش المصري منهمكاً في اليمن، والعلاقة مع السعودية ودول الخليج في أسوأ حالاتها.

في ظل هذه الظروف بدأت التحرشات العسكرية الإسرائيلية بسوريا التي أدت في النهاية لأن يطلب عبد الناصر سحب القوات الدولية من مضائق تيران تضامناً معها. ثم تندلع حرب الخامس من حزيران سنة 1967، التي انتهت بهزيمة تاريخية.

ً8- تلقت حركة التحرر القومي العربية، بعدوان حزيران أكبر ضربة خلال مسيرتها الطويلة. ورغم مرور قرابة أربعة عقود على هذه الهزيمة فمازلنا نعيش آثارها المدمرة. لقد شكلت مرحلة تاريخية طويلة من الانكفاء والانحدار والتمزق، لم تستطع حتى الآن تجاوزها.

لم يكن هذا الحدث مجرد هزيمة لجيشين عربيين فحسب، بل كان امتحاناً لنظامين وطنيين تنطحا لإجراء تغييرات ذات طابع جذري، وكان امتحاناً لسياساتهما العربية أيضاً.

من هنا لا يكفي الوقوف عند التآمر الذي خططت له الولايات المتحدة وإسرائيل بإعادة صياغة المنطقة على نحو يمكنهما من السيطرة عليها وتحقيق توسع جديد لمصلحة إسرائيل والوصول إلى منابع نهر الأردن. فلا بد من الوقوف أيضاً عند العوامل الذاتية الأساسية لهذا العدوان وهذه الهزيمة.

آ- من هذه العوامل الخطاب البعثي المتطرف (طبقياً وقومياً) وسياسة المزاودة على مصر الناصرية. والقلق الشديد الذي كان يساور السعودية ودول الخليج بسبب دخول الجيش المصري إلى اليمن، وخاصة بعد التحالف بين عبد الناصر وعبد السلام عارف (تشرين الثاني 1963).

ب- كان هناك نوع من الاستخفاف بالخطر الإسرائيلي على البلاد، فلم يدرك الحكام بالقدر الكافي الطبيعة العدوانية لإسرائيل، ومدى مخاطر التوسع الذي كانت تسعى لتحقيقه، وعمق العلاقة العضوية مع الولايات المتحدة، والدور الذي يمكن أن تلعبه في تنفيذ الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة العربية.

ج- لقد أظهر العدوان هشاشة البناء الفوقي الذي أسسته الدولة الاستبدادية، وبين قدراته المتواضعة في مختلف مجالات الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وخصوصاً القدرات العسكرية.

لقد دللت تجارب بلدان العالم الثالث، أن مهام الثورة القومية الديمقراطية، لا يمكن أن تتحقق إلا بالإسهام الفعال للقوى والفئات الاجتماعية، التي لها مصلحة في التغيير السياسي والاجتماعي. وهذا الأمر لا يتحقق من خلال الوصاية المفروضة عليها ولا بالقرارات والأوامر الآتية من فوق. فغياب الحريات الديمقراطية، وسيادة الأحكام العرفية، والحظر على الأحزاب السياسية، وغيرها من الممارسات التي سلكها النظامان المصري والسوري، جعلتهما خاسرين عندما واجها الاستحقاق الذي فرض عليهما في حزيران 1967، فعجزا عن المواجهة وهزما في هذه المعركة.

ً9- في عام 1968، انتقل الخلاف داخل سلطة 23 شباط إلى العلن. وقد احتدم هذا الخلاف في العامين التاليين (أزمة آذار 1969، ثم مؤتمر الحزب خريف 1970). لقد تميز هذان العامان الأخيران بازدواجية السلطة التي حسمتها في تشرين الثاني 1970 قمة المؤسسة العسكرية، التي استفادت من عزلة النظام وتخبطه، لمصلحتها. خصوصاً، بعد عدوان حزيران، ومن المرونة التي أبداها حافظ الأسد إزاء معالجة نتائج هذا العدوان، بقبوله قرار مجلس الأمن، والبحث في تسوية سلمية ما، يساعد عليها الاتحاد السوفييتي. وهكذا، حظي الانقلاب المذكور بدعم دولي وعربي. أما في الداخل فقد دعمته أوساط واسعة من التجار والبرجوازية السورية والقوى السياسية المعارضة. كما أيده حزبنا بضغط من السوفييت.

آ- مع استلام حافظ الأسد السلطة، تحول النظام من حيث الشكل إلى نظام رئاسي وفق ما نص عليه الدستور، الذي فصل على قياسه. وفي الممارسة العملية تمت شخصنة النظام وفق مقولة (القائد الفذ والملهم)، إلى جانب مقولة (الحزب القائد). فكانت هذه البدعة الناظم الرئيسي لآلية عمل واشتغال رجال الدولة، والحزب، والجبهة الوطنية التقدمية، و"المنظمات الشعبية". وهكذا تأسست قواعد جديدة تختلف عما سلكه رفاقه الذين انقلب عليهم، حيث كانت السلطة السياسية العليا شبه جماعية.

ب- في النصف الأول من السبعينات، تميز العهد الجديد بملامح مختلفة عما سبقه، حيث أريد لها أن تظهر كخروج من العزلة في الداخل والخارج. فقام بتأسيس الجبهة الوطنية التقدمية، والإدارة المحلية، ومجلس الشعب، والدستور الدائم، مع تركيز على إعادة بناء الجيش بالتنسيق مع مصر، وبمساعدة الاتحاد السوفييتي. ثم جاءت حرب تشرين 1973، وتدفقت الأموال النفطية، وبدأ بناء البنية التحتية، والعديد من المشاريع الاقتصادية، في فورة، انعكست فوائدها على التركيبة الاجتماعية والاقتصادية، وعلى مجمل التطور اللاحق للبلد. لكن ما لبث النظام الجديد أن شرع بالعمل على قوننة الاستبداد، فقام بتوسيع وتقوية الأجهزة الأمنية التي امتد أخطبوطها إلى كل مجالات الحياة في البلد، وبنى تنظيمات عسكرية خاصة ذات طابع طائفي. ومارس أيضاً سياسة التحكم الحزبي والطائفي داخل الجيش وإدارات الدولة والمؤسسات التعليمية وزركشها بالمؤسسات الشكلية للتمثيل الشعبي، ليتمكن من ضبط النشاط السياسي والاجتماعي والثقافي للمجتمع. فكان الترغيب والترهيب العلاج الأمضى لهذه السياسة وكفافُ العيش للمواطنين، والمغانمُ للموالين، والأجهزة القمعية والسجونُ والمنافي والمقابر للمعارضين.

ج- تميزت فترة السبعينات بنمو الدور الأمريكي في المنطقة، يقابله تقلص تدريجي لدور السوفييت بعد إخراج خبرائهم من مصر، فلم يلعب الأمريكان دورهم من خلال ما أفرزته هزيمة حزيران من نتائج وحسب، وإنما أضحى لهم داخل الأنظمة العربية وخصوصاً في مصر وسوريا ولبنان قوى اجتماعية، تستخدم كعنصر ضاغط ومروج لسياساتهم، أمسى هذا الدور مؤثراً في مجرى التحول الجديد للحياة السياسية والاجتماعية أيضاً. إن أهم ما يميز هذا الدور المؤثر للولايات المتحدة، هو مشاريع التسوية التي طرحت بعد حرب تشرين، وفك الاشتباك على الجبهتين المصرية والسورية، ودخول الجيش السوري إلى لبنان.

عربياً ظهر محور جديد من مصر والسعودية وسوريا، لعب دوراً هاماً في توجيه السياسات العربية. كان من نتائجه اندفاع السادات المنفرد نحو تسوية مع إسرائيل، بدءًا بزيارة القدس، مروراً باتفاقيات كمب ديفيد 1978، وانتهاءً بمعاهدة الصلح المصرية الإسرائيلية 1979.

ورغم أن حرب تشرين أكسبت النظام (مشروعية وطنية) أمام الرأي العام، إلا أن الاتجاهات اليمينية في السياسات القائمة، وبروز الوجه الاستبدادي والقمعي للنظام، جاء بالترافق مع ميول التسوية التي كانت في خطوطها العريضة، تسير لمصلحة إسرائيل، هذه الاتجاهات هي التي ميزت المسار العربي بمجمله، بما فيه المسار السوري.

لا تغيرُ من الأمر شيئاً تحفظات النظام على سياسات السادات التي كان من نتائجها انكفاء مصر وابتعادها عن العمل العربي المشترك. وهذا ما أكدته التطورات اللاحقة، عندما التحق الجميع بالسياسة المصرية وتوجهاتها. لكن النظام السوري، رغم المصاعب التي واجهها في النصف الثاني من السبعينات، حافظ على دوره الإقليمي عبر خط موازٍ للتسويات التي فرضت على مصر. وعبر تحالفه بعد ذلك مع إيران لتقوية مواقعه في صراعه مع النظام العراقي.

د- أخذت قوى سياسية وشخصيات ديمقراطية مستقلة بالابتعاد عن النظام. فانسحب الاتحاد الاشتراكي من الجبهة احتجاجاً على المادة الثامنة من الدستور، التي كرست حزب البعث (قائداً للدولة والمجتمع). فأخذت تتبلور معارضة ديمقراطية، عبرت عن وجودها بتأسيس التجمع الوطني الديمقراطي، الذي طرح فيما بعد برنامجه الداعي إلى التغيير الوطني الديمقراطي الجذري سلمياً. كما ظهرت احتجاجات من النقابات المهنية والشخصيات الوطنية الديمقراطية على اختلاف مواقعها على سياسات النظام الاستبدادية، داعية أيضاً إلى التغيير الديمقراطي.

وفي مقابل ذلك عارض الإخوان المسلمون السلطة احتجاجاً على الدستور وفيما بعد ظهرت تنظيمات مسلحة معارضة، كالطليعة المقاتلة، تبنت العنف طريقاً للتغيير. لكن سياسات السلطة القائمة على الاستئثار وعقلية الاستبداد والعنف، سدت الآفاق أمام المخارج السلمية العقلانية لأزمة البلاد المتفاقمة، والتي دخلت مرحلة العنف العاري خلال أعوام 1979 – 1982.

هـ- اتخذت في المجال الاقتصادي جملة من الخطوات، اتسمت بالانفتاح داخلياً على البرجوازية السورية (إلغاء المصادرات وتخفيف القيود على الاستيراد والقطع الأجنبي)، وعربياً على السعودية ودول الخليج. فسهلت على الرأسمال الخاص والرأسمال المغترب بعض جوانب نشاطه واستثماراته المالية والعقارية. وأسست للعلاقة بين برجوازية الدولة البيروقراطية، وبرجوازية السوق. لكنها أبقت هذا النشاط في دائرة هامشية وغير منتجة. ومع الفورة النفطية بعد حرب تشرين، شهدنا مرحلة من الازدهار الاقتصادي نتيجة لتدفق الأموال النفطية كمساعدات لسوريا. وبسبب التوسع في مجالات الاستثمار، وخاصة التعهدات في مشاريع بناء البنية التحتية، ارتفعت معدلات الربح، ورافق ذلك ارتفاع في الأسعار وتضخم نقدي كبير.

وبسبب إبقاء النشاط الاقتصادي يدور حول ميادين التجارة والاستيراد والتعهدات، نما النشاط الطفيلي الذي تغذى من أموال الموازنة الاستثمارية للدولة. وكان من نتائج هذه السياسة، نمو المضاربات والإثراء غير المشروع، خصوصاً في ميادين تجارة الأراضي والأبنية والسيارات واحتكار رخص الاستيراد والتهريب والسوق السوداء. وهكذا تعبد الطريق أمام الفساد.

لكن هذه الفورة الاقتصادية سرعان ما أخذت تخبو وتتعثر خصوصاً مع نمو التضخم النقدي وسياسة الاحتكار وإبقاء الأجور متدنية قياساً على ارتفاع الأسعار، ونمو المضاربات. فأخذت مظاهر الأزمة تشتد منذ 1977.

 

الأوضاع السورية بين مؤتمرين

انعقد المؤتمر الخامس (كانون الأول 1978) في ظروف بالغة التعقيد والتوتر. فالأوضاع العربية ازدادت تمزقاً وبعثرة، بسبب انكفاء مصر عن محيطها العربي بعد توقيع اتفاقيات كمب ديفيد. واشتداد لهيب الحرب الأهلية اللبنانية التي تورط فيها النظام السوري. فأخذت تتغير مواقع المتحالفين في هذه الحرب. كما امتدت الأصابع الإسرائيلية تتلاعب فيها أيضاً. لقد بدا واضحاً من مجرياتها أن تصفية المقاومة الفلسطينية وإخراجها من لبنان كانا من الأهداف الرئيسية لها. لقد جرت هذه الأحداث في أجواء صراع جديد بين مراكز القوى العربية، وإسرائيل أيضاً، لملء الفراغ الذي أحدثه الغياب المصري عن الساحة العربية. وهكذا اختلطت أوراق اللعبة وبالتالي تبدلت التحالفات وانفرط عقد التنسيق بين مصر والسعودية وسوريا. كما فشلت فيما بعد محاولات التفاهم والتنسيق بين سوريا والعراق مع تصاعد نجم صدام حسين آنذاك.

في الداخل: أخذ الصراع بين السلطة والمعارضة منذ أواسط السبعينات يتسع ويتعمق وينتقل إلى الشارع، كلما تنامت الأزمة العامة في البلاد واحتدمت. كان واضحاً تردد السلطة واعراضها عن إيجاد حلول لها، وعن ملاقاة المعارضة الديمقراطية وتلبية مطالبها.

في المقابل صعدت التنظيمات الإسلامية كالطليعة المقاتلة، وبعض قيادات وقواعد من تنظيم الإخوان المسلمين أعمالها المسلحة، التي اتخذت طابعاً طائفياً واضحاً استهدف مواطنين أبرياء من أبناء الطائفة العلوية. وهكذا زُجَّت البلاد في أتون صراع دام تجلى في عنف السلطة والعنف المضاد، أربك أوساط النظام ودوائر عديدة من السلطة.

إزاء هذه الحالة، كان لا بد من البحث عن مخارج سلمية لأزمات البلاد وإخراجها من أتون الصراع الدموي المتوحش، بعيداً عن ممارسات السلطة وطروحات وسلوك التنظيمات المسلحة التي ألحقت الأضرار الكبرى بالتحرك الديمقراطي والجماهيري آنذاك.

لا نبالغ إذا قلنا إن ((موضوعات المؤتمر الخامس)) قدمت تحليلاً معمقاً للأوضاع السورية مازال يحتفظ بصحته حتى الآن. كما طرح البرنامج مخارج لأزمات البلاد وحدد المهام الواجب انجازها كي تستعيد عافيتها.

على المستوى الحزبي: أعاد المؤتمر النظر بالبرنامج السياسي الصادر عن المؤتمر الرابع عام 1973، فهو رغم احتوائه على جوانب هامة، كالموقف من الامبريالية والوحدة العربية وفلسطين والتسوية الاستسلامية، لم يصمد قسمه الداخلي أمام التجربة الحية. ويمكن القول إن هذا القسم "جاء متعارضاً مع ما جرى على الساحة السورية، بل جاء متخلفاً ومقطوع الصلة بالواقع".

لقد شكلت الموضوعات من جانب آخر الإطار النظري للخط السياسي، فلم تكن وجهة نظر في السياسة، وإنما عبرت عن تصور استراتيجي بديل كلياً عما طرحه البرنامج السياسي السابق، وبهذا المعنى خطا المؤتمر خطوة متقدمة على طريق نضاله، واضعاً الأساس النظري للتوجه الديمقراطي بل أكثر من ذلك رابطاً نضاله من أجل التقدم الاجتماعي والاشتراكية بالديمقراطية.

كذلك استطاع هذا الطرح الجديد أن يزيل من أمامه العديد من العقبات التي ظهرت بعد خروج بعض الرفاق المعارضين لهذا الخط إثر المؤتمر. وبالاستناد إلى التفاف منظمات الحزب حول هذا الخط السياسي الذي جاء ملبياً لحاجات الواقع السياسي السوري، استطاع الحزب أن يصمد أمام آلة القمع الشرسة على مدى العقدين التاليين، ففشلت كل المحاولات لتمزيق صفوفه من جانب الحاقدين أو تصفيته من جانب السلطة الغاشمة.

على المستوى السياسي: كانت طروحات المؤتمر الخامس إسهاماً جاداً إلى جانب إسهام الأحزاب الوطنية والديمقراطية في حشد قوى المعارضة والناس حول رؤية سياسية واضحة وسليمة كان عنوانها المشترك ((التغيير الديمقراطي الجذري)) الذي عبرت عنه طروحات التجمع الوطني الديمقراطي في وثيقته البرنامجية التي صدرت عام 1979، والمطالب الديمقراطية المشروعة التي نادت بها النقابات المهنية والأوساط الاجتماعية والثقافية الأخرى.

الفصل الأول

الأوضاع العامة

بين عامي 1979 – 1982

وصلت الأزمة العامة في البلاد إلى ذروتها في أعوام 1979- 1982. فاكتوى بسعيرها المجتمع بأسره، ولم ينج من شظاياها وآثارها المدمرة أحد. لقد بلغ عنف السلطة مستوىً عالياً من الوحشية لم تشهد سوريا مثيله في تاريخها الحديث.

وتجلت قمة هذه الوحشية في مجازر حماة التي استبيحت لبضعة عشر يوماً. فدمرت الأحياء ونهبت البيوت والمحلات وقتل وجرح عشرات الألوف من السكان. لقد كانت هذه المجازر ترقى بحق إلى مستوى الجرائم الموجهة ضد الإنسانية.

لا يبرر عنفَ السلطة الحديثُ عن العنف المضاد الذي سلكته تنظيمات مسلحة كالطليعة المقاتلة أو سواها، والتي كانت على صلة ما بهذه الدرجة أو تلك بجماعة الإخوان المسلمين. صحيح أن الأعمال الإرهابية التي مارستها تلك التنظيمات حملت طابعاً طائفياً وطالت جرائمها العديد من أبناء الطائفة العلوية، إلا أنه كان بالإمكان درء الفتنة وتطويقها بالأساليب السياسية وبما لدى الدولة من قوة ردع بموجب القوانين النافذة التي تطال الجناة.

كان على السلطة أن تستجيب لصوت العقل الداعي لحل أزمات البلاد بأسلوب ديمقراطي وسلمي، سبق للمعارضة الديمقراطية أن طرحته. لكن السلطة التي بنت نظامها الاستبدادي بمعزل عن أي دور للشعب وقواه الحية والفاعلة، فضلت العنف العاري لحسم الصراع. كما وسعت دوائره التي طالت الأحزاب المعارضة ومنها حزبنا وكذلك النقابات المهنية والشخصيات الوطنية والديمقراطية، وهكذا وجدت السلطة نفسها شيئاً فشيئاً تواجه أغلبية المجتمع.

وما لبثت البلاد أن عاشت في أجواء من الرعب والخوف فخيم ظلام دامس طوال عقد الثمانينيات فالإرهاب الدامي جعل المجتمع يبتعد عن الشأن العام. ولا نبالغ إذا قلنا أن عشرات الألوف من العائلات ما زالت تئن تحت وطأة تلك الأحداث. التي كان من نتائجها تمزق النسيج الوطني وتنامي النعرات الطائفية واتساع الهوة بين النظام والمجتمع وتعمقها.

إن الأحداث التي جرت خلال هذه الفترة، سواء على المستوى العربي أم الإقليمي أم الدولي، لعبت دوراً مؤثراً في الأوضاع الداخلية السورية، لعل من مظاهرها تلك التجاذبات بين الأنظمة وتبدل المواقع والمواقف والتحالفات.

1ً- الظروف العربية والإقليمية والدولية

أ- المعاهدة المصرية الإسرائيلية:

كانت المعاهدة المصرية الإسرائيلية الحدث الأهم على المستويين العربي والإقليمي. فهي أولى ثمرات التسوية السياسية للصراع العربي الإسرائيلي. وبصرف النظر عن ردود الأفعال المصاحبة لها سلباً أو إيجاباً، تبقى اتفاقاً بين منتصر ومهزوم. هذا المهزوم فضل استرداد أرضه، بسبب عجزه، منفرداً ومتخلياً عن مطلب "الحل الشامل والعادل" وعن ربط قضيته بالقضية الفلسطينية، كشرطين من شروط التسوية المطروحة عربياً آنذاك.

من الجانب الآخر، عُقدت المعاهدة برعاية الولايات المتحدة وضمانتها وبغياب الاتحاد السوفييتي، الذي عبر هذا الحدث عن بداية أفول نفوذه عربياً، بعد أن أضحى دوره في حل أزمة الشرق الأوسط ثانوياً.

لم تكن مقررات ونتائج مؤتمر القمة العربية الذي انعقد في بغداد1978، في أجواء واضحة من الرفض، نقيضاً للنهج الذي آل إلى تلك المعاهدة. بل كانت محاولة لتشكيل خط موازٍ يرشح نفسه للتعامل مع القرارات الدولية، برعاية الولايات المتحدة وبدور محدود للاتحاد السوفييتي. كذلك كان الأمر في قمة تونس 1979.

أخذت الأنظمة العربية التي ماانفكت تعلن حربها الكلامية على اتفاقات كمب ديفيد والمعاهدة، تعمل على تهيئة الظروف لملاقاة الأهداف الخفية لتلك الاتفاقات، وتعيد النظر في سياساتها على ضوء ذلك الحدث الذي قصم ظهرها، ولعل أبرز ما نلاحظه هو ظاهرة التفكك العربي الذي آل إلى قيام محاور عربية عديدة. أبرز هذه المحاور هو المحور الخليجي المتمثل في "مجلس التعاون الخليجي"، ومحور الصمود والتصدي (سوريا وليبيا والجزائر واليمن وفلسطين)، والمحور "العراقي – الأردني" الذي غرق في حرب الخليج الأولى. ففي هذه الأجواء أعادت الولايات المتحدة خلط الأوراق لإضفاء مزيد من التردي على الوضع العربي.

لعل أكثر المتضررين من تلك المعاهدة كان النظام السوري الحليف الأساسي لمصر والشريك الأول في حرب تشرين /73/، مما جعل مواقعه محفوفة بالمخاطر، الأمر الذي دفعه أيضاً إلى ترتيب أوضاعه وإعادة النظر بسياساته عربياً وإقليمياً ودولياً، بما يخدم صموده أمام المتغيرات الجديدة التي أقلقته كثيراً.

ب- لبنان والمقاومة الفلسطينية:

كذلك أظهرت أحداث تلك الفترة بطلان الأوهام حول استخدام لبنان والمقاومة الفلسطينية كورقتين ضاغطتين لتحسين مواقع النظام السوري في التسوية والصراع الإقليمي، خصوصاً بعد تبدل التحالفات وانقلاب الجبهة اللبنانية عليه (الكتائب وشمعون). كما أظهرت أيضاً بطلان الدعاية السورية التي أصرت على اعتبار التدخل في لبنان قد استهدف الحفاظ على الأرض والشعب.

ولم يعد خافياً على أحد، أن السلطة السورية لعبت دورها المشبوه في إضعاف المقاومة الفلسطينية تمهيداً لإخراجها من لبنان، ولتعيش في منفى بعيد عن موطن نضالها. وهذا ما أكده تتالي الأحداث وتضافرها منذ غزو إسرائيل لجنوب لبنان عام 1978، ثم وصولها إلى بيروت عام 1982، وعجز الجيش السوري عن التصدي للأهداف الحقيقية للغزو، وأخيراً معركة طرابلس عام 1983 التي أخرجتها نهائياً.

إن أحداث لبنان العاصفة، (الحرب الأهلية اللبنانية وضرب منظمة التحرير وشقها ثم إخراجها من لبنان) دللت كم هي وثيقة العلاقة بين أزمة لبنان والوضع في الشرق الأوسط وعملية التسوية مع إسرائيل.

وعلى الصعيد الفلسطيني، تطورت رؤية الحزب ومواقفه من الصراع العربي الإسرائيلي وقضايا التسوية، تبعاً لتطورات الصراع وموازين القوى الفعلية على الأرض. فكان موقفه داعماً ومؤيداً للقرار الوطني المستقل، باعتبار منظمة التحرير الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني، رافضاً كل أشكال الهيمنة والاحتواء التي حاول عبرها النظام العربي عموماً والسوري على وجه الخصوص، مصادرة الإرادة والقرار الفلسطينيين. وقد تميز بموقفه المؤيد لإعلان الدولة الفلسطينية في العام 1988، والذي جاء تتويجاً لنضال الشعب الفلسطيني وانتفاضته الباسلة.

ج- الثورة الإيرانية:

جاءت الثورة الإيرانية بقيادة الخميني عام 1979 لتعيد خلط الأوراق في المنطقة وتقلق بالتالي العراق والسعودية ودول الخليج الأخرى وتخل بالتوازن الإقليمي في الشرق الأوسط. فالتقارب بين العراق وسوريا لم يدم سوى بضعة أشهر. ولا شك أن الأحداث الإيرانية سرعت في انهياره. فوجدت سوريا في إيران الخمينية سنداً لها، لكن الدول الخليجية ازدادت قلقاً، خصوصاً وأن إيران قد طرحت نفسها ليس كدولة خليجية أساسية فحسب، وإنما كلاعب رئيس على المستويين العربي والإسلامي.

بتحريض من الدول الخليجية والدوائر الاستعمارية، وتحت دعاوي قومية في مواجهة أطماع "الفرس" وحماية "بوابة العرب الشرقية"، شن العراق في أيلول من عام 1980 حربه الظالمة ضد إيران التي أخذت أوساط مؤثرة فيها ترفع شعار "تصدير الثورة". فعادت أوراق اللعبة تختلط من جديد. ومهما قيل عن دوافع هذه الحرب، فإن المسألة الطائفية كانت في خلفيتها، عدا عن سعي الأوساط الاستعمارية لمنع إيران من لعب دور مؤثر في موازين القوى على صعيد المنطقة. كذلك ينبغي القول إن هذه الحرب قد أضعفت العراق وأبعدته عن أن يلعب دوره، بصفته أحد المراكز الأساسية في الصراع الطويل بين العرب وإسرائيل.

د- معاهدة الصداقة السورية السوفيتية:

في تشرين الأول عام 1980 وقعت سوريا معاهدة صداقة وتعاون مع الاتحاد السوفييتي. كان الغرض الأساس لهذه المعاهدة الحصول على دعم سوفييتي صريح لمواجهة تطور الأحداث التي تعصف بالنظام داخلياً وعربياً. وليتمكن النظام من إعادة التوازن الذي اختل وسار في غير صالحه، خصوصاً بعد التطورات التي أعقبت التسوية السياسية بين مصر وإسرائيل، ومواجهة المصاعب الناجمة عن دعم الأردن والعراق التنظيمات المسلحة بالمأوى والسلاح والتدريب. وكذلك مواجهة محاولات ملء الفراغ الذي سعت إليه بعض الأنظمة كالسعودية والعراق، وكذلك إسرائيل التي ركزت نشاطها على الساحة اللبنانية مقدمة الدعم المتنوع للقوى الانعزالية ولدويلة سعد حداد وجيشه الذي مولته ودربته لإيجاد عازل بينها وبين المقاومة اللبنانية التي تصدت لأعمالها العدوانية واحتلالها للجنوب اللبناني.

هـ- الوضع الدولي:

اتسم الوضع الدولي في السبعينات بشيء من الانفراج. لكن التوتر سرعان ما عاد قبيل استلام ريغان الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية 1981. ثم أخذ في التصاعد، خلال فترة الثمانينات تحت شعار"إحياء وتجديد تفوق الولايات المتحدة وقيمها التقليدية". فدفعت الإدارة الأمريكية سباق التسلح إلى درجاته القصوى، حين وضعت مشروعها "مبادرة الدفاع الاستراتيجي" الذي سمته "حرب النجوم". ولتعلن أيضاَ أنها لن تتورع عن استخدام السلاح النووي. كما حاولت خلق أجواء نفسية لدى أوربا والحلف الأطلسي للقبول بحرب محدودة، كوسيلة لمواجهة رجحان ميزان القوى العسكرية التقليدية لدى دول حلف وارسو.

ولعل الاندفاع بهذه السياسة الطائشة يعود إلى ما كانت تعانيه الولايات المتحدة بعد هزيمتها في الهند الصينية، وإلى أزمتها الاقتصادية التي تجلت في البطالة المتفاقمة والتضخم وأزمة الدولار، وأزمة الرهائن في طهران بعد سقوط شاه إيران. وهكذا عادت الإدارة الأمريكية إلى سياسة حافة الحرب وعسكرة الاقتصاد وإنتاج الأسلحة الاستراتيجية (قنابل النيوترون والقاذفة ب2)، وزيادة الاعتمادات المالية العسكرية بأرقام خيالية.

بالإمكان القول أن النظام السوري استطاع أن يحافظ على دور إقليمي ما رغم مصاعبه التي واجهها هنا وهناك، والاستفادة من التناقضات الدولية والإقليمية المستجدة (إيران الخمينية، احتدام الصراع بين إدارة ريغان والاتحاد السوفيتي، الوضع اللبناني).

2َ- الأوضاع الداخلية وتطوراتها

لعل مساوئ البنيان الاستبدادي الشمولي للسلطة والدولة، الذي أشرنا إلى بعض ملامحه في الصفحات السابقة، لم تظهر بجلاء إلا في النصف الثاني من السبعينات. ومع أن أحزاباَ وشخصيات ابتعدت عن النظام، بما في ذلك القسم الأهم من كوادر حزبه الذي شكل فيما بعد البعث الديمقراطي. لكن التذمر السياسي والاجتماعي أخذ يتسع مع بوادر الأزمة التي بدأت تلوح، خصوصاً بعد دخول الجيش السوري إلى لبنان عام 1976. لكنها سرعان ما أخذت تنفجر حتى وصلت أوجها خلال هذه المرحلة.

أ‌- الاستقطاب السياسي على المسرح السوري:

شهد المسرح السوري ثلاثة استقطابات أساسية مختلفة في مناهجها وسياساتها وسلوكها. مثل الاستقطاب الأول: السلطة وحزبها وجبهتها "الوطنية التقدمية". أما الاستقطاب الثاني فقد مثله التيار الإسلامي المتصالح مع النظام في البداية. لكنه ابتعد بعد صدور الدستور. كانت جماعة (الإخوان المسلمون) القوة السياسية الأساسية المعبرة عن هذا التيار. لكن التنظيمات المسلحة التي تكونت بموازاتها أو على حوافها بتشجيع من بعض قيادييها، سلكت طريق العنف المسلح كتعبير رئيسي لمعارضتها النظام، خصوصاَ بعد أن حصلت على الدعم المتنوع من بعض الأنظمة العربية كالأردن والعراق والسعودية. كما شجعتها بعض الأوساط في الطبقة الوسطى. أما الاستقطاب الثالث، فعبر عنه التيار الوطني الديمقراطي الذي أخذ في التشكل التدريجي من قواه الأساسية: البعث الديمقراطي المزاح من السلطة بعد انقلاب تشرين الثاني 1970، والاتحاد الاشتراكي الخارج من التحالف بعد احتدام الخلاف حول الدستور. أما الطرف الثالث فكان حزبنا ، الحزب الشيوعي السوري بعد الانقسام النهائي الذي تكرس في عام 1973. كما ضم هذا التيار حزبين معارضين هما الاشتراكيون العرب وحزب العمال الثوري الذي عارض النظام منذ عام 1964.

كانت هناك لقاءات خاصة مع تنظيم البعث القومي المعارض الذي سبق أن خرج من السلطة عام 1966. أشرف عليها ممثلا الحزب الشيوعي والاتحاد الاشتراكي عبر المركز الذي أسسه حزبنا عام 1976 في باريس. كما كانت تجرى في الداخل حوارات مع الأحزاب المشار إليها بغرض الوصول إلى جبهة معارضة، خصوصاَ وأن الأجواء السياسية والتحرك الشعبي المتنامي وحاجة البلاد إلى التغيير الديمقراطي كانت تتطلب الوصول إلى قواسم مشتركة وتوحيد الطروحات السياسية وصياغة برنامج للنضال من أجل إجراء تغييرات جوهرية في حياة البلاد.

لكن البعث القومي المرتبط عضوياَ بالقيادة السياسية في العراق، كانت طروحاته صدى للموقف السياسي العراقي من السلطة السورية. بمعنى آخر لم يستطع هذا التنظيم أن يأخذ الخصوصية السياسية للوضع السوري بعين الاعتبار. لذلك أصر على شعار إسقاط النظام السوري واستخدام العنف تحقيقاَ لهذا الهدف. فخلال الحوار الذي دام بضع سنوات لم نستطع إقناعهم أن الشعار الأسلم، حسب الظروف التي تمر بها سوريا، هو التغيير الديمقراطي الجذري والسلمي. ومع ضغط الأحداث المتسارعة، حزمت الأحزاب الخمسة أمرها وأسست التجمع الوطني الديمقراطي وصاغت الميثاق الذي وقعه ممثلوها وأعلنوه أواخر عام 1979، بعد أن وافقت هيئاتها القيادية عليه. وقد أعلمنا البعث القومي بالأمر، عبر مركز باريس وطلبنا من ممثلينا هناك قطع الحوار إذا رفضوا التوقيع على ذلك الميثاق. ومن المعروف أن البعث القومي أقام فيما بعد تحالفاَ بينه وبين الإخوان المسلمين وفريق المرحوم أكرم الحوراني أوائل الثمانينات باسم (التحالف الوطني لتحرير سوريا).

صحيح أن التجمع الوطني الديمقراطي شكل العمود الفقري للتيار الوطني الديمقراطي في سوريا آنذاك، إلا أن دوائر هذا التيار كانت أوسع من ذلك بكثير. فقد لعبت النقابات المهنية دوراَ بارزاَ في الحراك السياسي، مضافاَ إليها أوساط واسعة من المثقفين وطلبة الجامعات التي نزلت إلى ساحة المعركة مدعومة من الفئات الشعبية وأوساط هامة من الطبقة الوسطى. فنالت نصيبها من المضايقة والملاحقة والسجن والاغتيال، كما حلت السلطة بسبب ذلك هيئاتها النقابية وغيرت أنظمتها بما يمكنها من السيطرة عليها سيطرة تامة. وما زالت هذه النقابات تعاني من تسلط حزب السلطة والأجهزة القمعية على مقدراتها حتى الآن.

ب- المجابهة مع السلطة وحسم الصراع لمصلحتها:

لعل أهم ما يلاحظه المرء منذ بداية الاحتجاج الشعبي أن المعارضتين الديمقراطية والمسلحة سارتا بخطين متوازيين. فلم تلتقيا طوال فترة الصراع مع السلطة على قواسم مشتركة. فكان كل طرف يغذي منفرداً حركة الاحتجاج ويوسع دوائرها، على طريقته، ويوجه ضرباته إلى النظام، بهذه القوة أو تلك، ويساهم في إضعافه وإدخال البلبلة والإرباك إلى صفوفه.

لكن المعارضة المسلحة، من خلال أعمال القتل العشوائي، كانت مرفوضة شعبياً، إلا أنها حققت بعض النتائج في إدخال الرعب والهلع لدى أوساط النظام والعديد من مؤسساته القمعية التي عجزت عن المواجهة، وهذا ما جعلها تزداد غروراَ. وبدا لها أنها قادرة على إسقاط النظام وحدها، مهملة دور الشعب الضروري والحاسم في معركة حادة كهذه. وهذا ما دفعها إلى التصعيد منتقلة إلى مرحلة أعلى من العنف، كالقتل الجماعي الذي بدأته بمجزرة مدرسة المدفعية بحلب التي راح ضحيتها عشرات من طلاب الضباط في حزيران 1979.

لكن الناس الذين أبدوا تعاطفهم واستعدادهم للحراك مع الوسط الديمقراطي، لم يكونوا على استعداد بقبول التغيير القائم على العنف. فأبدوا قلقهم من تلك الأعمال التي تثير الفوضى والضغائن لدى أوساط واسعة من المجتمع وتهدد الوحدة الوطنية. نتيجة لذلك لجأت أوساط اجتماعية واسعة إلى الانكماش والارتداد عن المساهمة حتى في النشاطات السلمية المعارضة. من هنا كان التغيير الديمقراطي السلمي يتلاءم مع ما وصلت إليه الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في البلاد، ويتناسب مع قدرات الناس واستعدادهم لمواجهة قضاياهم.

1ً- مضاعفات مجزرة المدفعية:

دخلت البلاد، بعد مجزرة مدرسة المدفعية حزيران 1979، طوراً جديداً اتسم بالتصعيد والقتل بالجملة. وقد شجب الحزب تلك المجزرة، بأنها مدانة قومياً وإنسانياً، في رسالة داخلية علق عليها في جريدته "نضال الشعب" أيضاً. وقد حللت تلك الرسالة الأسباب العميقة لأحداث العنف، رافضة تذرع السلطة بالأعداء (امبريالية، صهيونية، رجعية)، مؤكدة أن شعبنا قادر على مواجهة المؤامرات وإحباطها شرط توفر الظروف الداخلية التي توحد الشعب والوطن.وتوقفت عند "نهج السلطة القائم على ركيزتين هما الاستبداد والطائفية" فهي تمارس "الدكتاتورية والإرهاب والنهب ودوس القانون وإلغاء الحرية ومنع المواطنين من ممارسة السياسة وإلغاء حقهم في تقرير مصير وطنهم ومجتمعهم من جهة، ومن جهة أخرى توجه طائفي مستتر في البداية ثم واضح ومكشوف. والمواطنون يواجهون فساد رجال السلطة دون محاسبة... المواطنون يعيشون في بلاد محكومة... بقانون الطوارئ... أي بإرادة رجال السلطة والأجهزة. البلاد تتحدث إذاعتها عن الوحدة العربية ويكشف واقعها وسياسة نظامها عن الابتعاد عنها والولوغ في الإقليمية والطائفية والعشائرية... وتتحدث إذاعتها عن الاشتراكية ويكشف واقعها كيف أن الأغنياء يزدادون غنى والفقراء يزدادون فقراً. في البلاد لا تزال آثار الهزيمة بادية عليها والنظام يدفع قضيتها الوطنية من مأزق إلى مأزق... المواطنون يواجهون التمييز من خلال مؤسسات الدولة... التي تحولت باسم الحزبية والعقائدية إلى مؤسسات اختلت فيها المعادلة الوطنية، من خلال مراكز القرار السياسي والاقتصادي والعسكري... النهج الطائفي للسلطة أحد أشد الأخطار... ولا بد حين معالجة هذا النهج من التمييز بينه وبين الطائفة العلوية. فهذه الأخيرة لا تحكم البلاد، والطائفة السنية لم تكن تحكم البلاد في الماضي. الذي يحكم البلاد هو طبقات وفئات اجتماعية وأسر. أما الطوائف ففيها الفقراء والكادحون والشرفاء وهم الأكثرية، وفيها الأغنياء والمستفيدون من مواقعهم في السلطة، ومن مواقعهم في الإنتاج وهم الأقلية... نهج السلطة هو الذي يؤول إلى تسعير الروح الطائفية وإلى التوتر الطائفي، بل يمكن أن يؤدي... إلى وضع طائفة بمواجهة طائفة أخرى...".

لعل أهم الملاحظات على الوضع بعد المجزرة، وكردود فعل عليها، ارتفاع مستوى إرهاب السلطة وزج الجيش في الصراع، وإرسال قطعات منه إلى حلب وحماة وادلب وجسر الشغور. وإعدامات سجن القلعة التي ذكرت الناس بإعدام العديد من عناصر المنظمة الشيوعية العربية في أواسط السبعينات، إثر تحركهم ضد السلطة بأسلوب عنفي، ومحاصرتها المدن والأحياء وتفتيشها بيتاً بيتاً، وأجراؤها تسريحات في الجيش ومؤسسات الدولة بدعوى "استئصال العناصر المندسة"، وإقدامها على تطهير جهاز التعليم من غير الموالين للبعث والسلطة.

كذلك تأججت المشاعر الطائفية نتيجة تلك المجزرة، وأسهم المسئولون في التحريض من أعلى المستويات مدعين أن الطائفة العلوية هي المستهدفة. وبهذا المعنى يمكن أن نفسر أحداث اللاذقية التي جرت أواخر آب وأوائل أيلول 1979، إثر مقتل الشيخ يوسف صارم وما تلا هذه الجريمة من ردود أفعال طالت العديد من الطائفة السنية، وسقوط العديد من القتلى والجرحى. كذلك ازدادت أعمال العنف والقمع إلى درجة كبيرة في دمشق وحماة وحلب وريف ادلب.

بصرف النظر عن مستوى التصعيد العالي، وجدت السلطة نفسها في وضع حرج، إذ ظهر بوضوح ضعفها في التحكم بالأمور أمنياً وسياسياً وتردت هيبتها داخلياً وعربياً ودولياً.

لعل أبرز انتقام أقدمت عليه السلطة، كان بعد محاولة اغتيال الرئيس عام 1980، في المجزرة التي خطط لها السفاح رفعت الأسد بواسطة سرايا الدفاع، وراح ضحيتها حوالي ألف سجين في سجن تدمر كانت أغلبيتهم من الإخوان المسلمين. وقد صاحب هذه المجزرة موجة من الاستنكار لدى المجتمع السوري. أصدر الحزب حينها بياناً يدين تلك الجريمة البشعة.

2ً- الحراك السياسي للنظام والمعارضة الديمقراطية

خلال عام 1979 وأوائل عام 1980، شهدت البلاد حركة سياسية نشطة، أسهم فيها أغلب القوى السياسية، بما فيها قوى السلطة في البعث وجبهة النظام. كما انجذبت إليها دوائر اجتماعية وشعبية واسعة. وحظيت هذه الحركة باهتمام خارجي.

ومع انهماك السلطة في استخدام أجهزتها القمعية، للسيطرة على الأمن، سعت أيضاً لاحتواء التحرك الشعبي. وكانت تتهرب من مطالب الجماهير ومن الكشف عن جرائم القتل ومثيري الفتن. باختصار أضحت كل قوة، بما فيها قوى النظام، تعيد النظر في حساباتها وتسعى للتأثير على الأحداث بما يخدم مصالحها وسياساتها.

فالسلطة نشطت في أكثر من اتجاه وعلى عدة مستويات. من جهة قامت باتصالات مع ممثلي الأحزاب وشخصيات سياسية واجتماعية مؤثرة. سعت من خلالها إلى تحييد البعض ولجم البعض الآخر. وقدمت تبريرات لعنفها المتصاعد واتهام الطرف الآخر في إثارة الفتنة. كما أطلقت الشائعات عن عقد مؤتمر لحزب السلطة وإجراء تغيير وزاري ومناقلات في الأجهزة. وكانت تعتبر أن ما يجري إن هو إلا مؤامرات آتية من معسكر كامب دايفيد، واعتبار سوريا البلد الوحيد الصامد ونقطة الضوء والأمل في الوضع العربي المتردي. وكانت تحرص على رفع المسئولية عن قمة السلطة، تجاه إجرام أجهزة القمع.

لكن بعض أوساطها كان يقر بوجود مصاعب وتجاوزات ناشئة عن الممارسة، وعن أخطاء محض شخصية. والبعض الآخر يقر بفساد أفراد غرقوا في جني الثروة والمكاسب على حساب الدولة وأنه لا بد من وضع حد لهذه الأعمال الطغيانية.

بعد مجزرة حلب وأحداث اللاذقية، عقد اجتماع مشترك للقيادة القطرية وجبهة النظام، صدر عنه بيان فيه اعتراف بالتقصير في مجالات عديدة. وأكد على ضرورة احترام المؤسسات الديمقراطية وإطلاقها. وطرح سبعة وثلاثين بنداً شكلت وعداً بالإصلاح لأجهزة الدولة والاقتصاد ومجلس الشعب والإدارة المحلية. لكنها في مقدمة بيانها لم تنس كيل المديح للحركة التصحيحية. كما أكدت ارتباط الأحداث الداخلية بالمخطط الامبريالي الصهيوني الساداتي.

أما على جبهة التيار الديمقراطي فكان التحرك واسعاً جداً. فقد صدرت بيانات مختلفة عن منظمات شعبية نذكر منها رابطة الدفاع عن حقوق الإنسان في سوريا، ورابطة الحقوقيين، ومنظمات نقابية، وأصدرت رابطة العمل الشيوعي بياناً احتجاجياً أيضاً. هذه البيانات طالبت بالحريات العامة والإفراج عن المعتقلين من حزبنا ومن جماعة 23 شباط. وبعضها طالب برفع حالة الطوارئ، وأكدت على الإصلاحات الديمقراطية.

بعد إذاعة بيان جبهة السلطة، صدر قرار بتشكيل "لجنة تطوير الجبهة". هذه اللجنة عقدت اجتماعاً في جامعة دمشق ضم الأدباء وممثلي الإعلام وأساتذة الجامعة وبعض ممثلي الهيئات النقابية. كان الحضور يمثل اتجاهات سياسية متنوعة بما في ذلك شخصيات مدافعة عن السلطة. كانت حصيلة النقاش الذي أداره محمود الأيوبي رئيس تلك اللجنة، ليس في مصلحته. وكان المدافعون عن النظام في الموقع الضعيف. لقد عرّاه الحضور فدانوا سياساته وأجمعوا على ضرورة إطلاق الحريات العامة.

ورداً على ما جرى أوقفت السلطة الحوار الذي كان مقرراً إجراؤه في باقي المدن. واتخذت تدابير بحق المنتقدين كالإيقاف عن الكتابة في الصحف والتهديد والتسريح.كما شنت حملة إعلامية مسعورة ضدهم. وكان كتّاب السلطة يقولون إما نحن وإما الإخوان المسلمون.

كما عقدت مؤتمرات لنقابات المهندسين والصيادلة والأطباء. وخرجت تلك المؤتمرات بقرارات تطالب باحترام الدستور وسيادة القانون ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب، بصرف النظر عن معتقده الفكري، واحتجت على الاعتقالات التي طالت الكثير من النقابيين والنشطاء من هذا الوسط. وأرسلت برقيات احتجاج إلى رئيس الجمهورية.

وفي تشرين الثاني 1979، أضرب خمسة آلاف عامل في الرميلان يطالبون بتعويض السكن وتعويض طبيعة العمل وبتوزيع عادل للمكافآت. كذلك أضرب (450) عاملاً في شركة الرصافة. طالبوا أيضاً بالتعويض العائلي والضمان الصحي.

كما أصدر المثقفون بياناً تحت عنوان "الوطن في خطر" تضمن أيضاً مطالب ديمقراطية. وهكذا دفعت الأحداث الوسط المثقف لأن يقول كلمته وليبرز كقوة طبيعية إلى جانب القوى الديمقراطية المعارضة.

في تلك الأجواء أصدر التجمع الوطني الديمقراطي ميثاقه أواخر عام 1979، ومطلبه الأساسي الداعي إلى التغيير الديمقراطي الجذري والسلمي. وبعد أن حلل الأوضاع في البلاد وأظهر طابع السلطة الاستبدادي والطائفي طرح سبعة عشر مطلباً لإنقاذ سورية من أزمتها.

وفي آذار 1980، وعلى أثر اتساع الإضرابات التي شملت العديد من المدن، أصدر التجمع أيضاً بيانه الشهير. وقد أخذ منحى الصراع، بعد أن فشلت محاولات الإضراب في بعض المدن بسبب تدخل السلطة، كدمشق وحمص، وتردد الأوساط التجارية في حلب، يميل شيئاً فشيئاً لمصلحة السلطة. ففي خطوة جديدة شنت حملات اعتقال واسعة ضد قادة النقابات المهنية والشخصيات الوطنية والديمقراطية، وضد حزبنا، منذ آذار على نحو ضيق، لكنها سرعان ما اتسعت في تشرين أول 1980. ثم تتالت الحملات على مدى الثمانينات، وقليلاً خلال فترة التسعينات. وطالت تلك الحملات أيضاً قياديين من أحزاب التجمع. وفيما بعد وسعت حملتها ضد حزب العمل الشيوعي. وقد ترافقت هذه الحملات بأعمال تعذيب وحشية سقط من جرائها العديد من الشهداء. لكن قمة إرهاب السلطة تجلى في أحداث مدينة حماة التي رغب السفاحون، كما كانوا يرددون أنهم "ربّوا المجتمع السوري بهذه المدينة" لقد تعرضت لأبشع المجازر التي ترقى إلى مستوى المجازر ضد الإنسانية.

ً3- مجازر حماة شباط عام 1982

إن ما يميز أحداث أوائل الثمانينات، منذ نيسان عام 1980 وحتى شباط عام 1982، "بروز ظاهرة قمع الناس بالجملة دون تمييز بين مواطن وآخر، تحت دعاوى البحث عن الإخوان المسلمين... فجندت السلطة حملات عسكرية ضخمة لسحق التحرك الشعبي إثر الإضرابات التي عمت معظم المدن السورية في شباط – آذار 1980. كان عماد هذه الحملات سرايا الدفاع وسرايا الصراع والوحدات الخاصة والعديد من الميليشيات التي تشكلت من أعضاء من حزب البعث وبعض قواعد أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية. وأسهمت أيضاً بعض فرق الجيش في أعمال القمع.

اندلعت أحداث حماة في 2 شباط عام 1982 عندما داهمت مجموعة من سرايا الدفاع أحد المقرات الرئيسية للإخوان المسلمين في حي الحاضر. فسرعان ما وجدت هذه المجموعة نفسها مطوقة. فاستغاثت بنجدات. ثم دارت على إثرها معركة طاحنة، تمكن المقاتلون بعدها من الانتقال إلى المدينة واستولوا على مستودعات الجيش الشعبي، ودعوا الناس إلى حمل السلاح وذكروهم بمذابح "بستان السعادة" و"باب البلد" التي جرت في السنة السابقة عام 1981.

في اليوم الثاني حاولت قطعات الجيش التي كانت تحاصر المدينة الدخول إليها، ولكنها لم تفلح إلا في اليوم الثالث 4/2/1982، وبعد استخدام مختلف صنوف الأسلحة (دبابات – صواريخ – مدفعية ميدان – هاون – آر ب ج – قنابل عنقودية). كما استقدمت السلطة وحدات من حلب ودمشق ولبنان ولواءين من الفرقة الثالثة، أحدهما قصف مخيم تل الزعتر عند دخول الجيش السوري إلى لبنان عام 1976.

ما بين اليوم الثالث والسابع قامت مجموعات من سرايا الدفاع والوحدات الخاصة بإعدامات جماعية هائلة جنوب وشمالي الملعب، علماً أن هذا الحي لم يشهد أية مقاومة.

ومنذ اليوم الخامس ولأيام ثلاثة تلته تمكنت قوات الجيش من احتلال الحاضر بعد تدمير الأحياء على رؤوس ساكنيها. فدمرت الكيلانية الأثرية بالكامل، إضافة إلى مناطق مجاورة لها. وقد استخدم في هذه المعارك الطيران والغازات السامة القابلة للانفجار في الأنفاق والأقبية التي لجأ إليها المقاتلون (أنفاق القلعة والكيلانية)، كما فجر العديد من المساجد والكنائس، واستبيحت المدينة (سلب – نهب – قتل – اغتصاب – تمثيل – إعدامات جماعية)، ولم تنج المناطق المسيحية من التدمير والاستباحة. كما لم ينج حتى البعثيون وعملاء السلطة من القتل، إذ عوملوا كباقي المواطنين. وكذلك جرت إعدامات لأعداد كبيرة من الضباط وضباط الصف والجنود الذين رفضوا تنفيذ الأوامر أو تلكأوا في تنفيذها.

كان التدمير كبيراً جداً، إذ وصل في بعض المناطق كالكيلانية إلى 100% والحاضر إلى 70% وباقي المناطق بنسب أقل. و النزوح إلى خارج المدينة كان صعباً بسبب تطويقها، ورغم ذلك تمكن ألوف المواطنين من الهرب باتجاه حمص والسلمية. ويقدر العارفون أن عدد القتلى تجاوز العشرين ألفاً".

إن الوصف الجزئي لأحداث حماة يظهر هول الوحشية التي انصبت على مدينة بطلة مشهود لها بالنضال ضد المستعمر، مدينة أنجبت قادة كباراً على المستوى السوري كان لهم دور كبير في تاريخنا الحديث، مدينة تعتز بكرامتها وبتقاليدها، مثلها مثل باقي المدن، لمواطنيها حق الحياة والوجود. إن استفراد السلطة الغاشمة بها واستباحتها بأسلوب سادي وفاشي لا يلجمه أي رادع وطني أو قومي أو إنساني، يدلل كيف أن النظام الاستبدادي الطائفي قد قطع حبل السرة مع المجتمع، وترك جرحاً من الصعب أن يندمل على مر الأيام والدهور. إن أحداث حماة عار على جبين هذا النظام، الذي لم يستطع، ولن تستطيع آلته الإعلامية وكل من تستر على جرائمه داخلياً وعربياً ودولياً من تبريرها و لا حتى السكوت عنها. إنها إحدى جرائم العصر المرتكبة ضد الإنسانية.

إن الاستنتاجات التي يمكن أن تستخلص من هذه الأحداث كثيرة، يصعب في هذه الوقفة السريعة تحديدها. لكن أهم ما يمكن قوله أن النظام، وإن حقق انتصاراً أمنياً حاسماً، لم يستطع حتى بعد مرور حوالي ربع قرن أن يحقق انتصاراً سياسياً لا على المجتمع ولا على المعارضة. فالمعركة معه مازالت مستمرة وإن خبت جذوتها ولو إلى حين. إن النضال من أجل سورية متحررة من الاستبداد والطائفية، يبقى الهدف الأساسي الذي يجمع كل الطيف الاجتماعي. وسوف يتوحد الشعب وقواه الحية لدحرهما، وإعلاء صرح الوطنية والديمقراطية. ولسوف يستعيد المجتمع وحدته التي مزقتها سياسات النظام المعادية لأمانيه وتطلعاته في الحرية والكرامة والديمقراطية.

الفصل الثاني

الأوضاع العامة

بين عام 1982 - 1991

أولاً- إن التردي الذي أخذ يسم الوضع العربي في ذلك الوقت من مطلع ثمانينات القرن الماضي، كان بمثابة المقدمات الموضوعية التي سهلت الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، والنتائج التي ترتبت عليه.

فلقد قامت إسرائيل باجتياحها بعد خمس سنوات من زيارة السادات إلى القدس، وبعد أن توصلت، بمساعدة من الولايات المتحدة الأمريكية، حليفها الاستراتيجي، إلى إبرام "معاهدة السلام" المصرية الإسرائيلية التي أدت، عمليا، إلى إخراج مصر، رافعة العمل القومي، من الصراع العربي الإسرائيلي.

ومن وقائع هذا الاجتياح، يمكن الاستنتاج أن مسار العنف الدامي والعاري الذي اعتمدته السلطة في ذلك التاريخ، كخيار وحيد في مواجهة تطورات الوضع الداخلي السوري، وتوجته في المأساة الرهيبة التي شهدتها مدينة حماة في أواخر شباط 1982، وما آل إليه ذلك من شلل وعطالة أصابا المجتمع السوري في مناحي حياته كافة..الخ، هذا المسار جعل الأبواب مشرعة في وجه الاجتياح الذي اختارت إسرائيل أن يكون في أوائل حزيران من عام 1982.

ومن المعلوم أن إسرائيل قامت عشية الاجتياح بتسخير دبلوماسيتها عبر العالم ووسائل إعلامها، لتأكيد أنها لا تهدف من وراء إدخال جيشها إلى لبنان سوى إلى "إبعاد المقاومة الفلسطينية" عن جنوبه من أجل تأمين "سلامة الجليل". وهو بالتالي، لن يتجاوز مسافة الأربعين كيلو مترا من الحدود اللبنانية -الإسرائيلية. وكذلك فعلت الولايات المتحدة الأمريكية.

والمأساة أن الحكام العرب عامة، وفي سوريا على وجه الخصوص،التي يهيمن جيشها على لبنان ويعيش شعبها في وضع داخلي منهك، انطلت عليهم الحيلة، أو بالأحرى، وصل تخاذلهم إلى الحد الذي دفعهم إلى ترك "المقاومة الفلسطينية" تواجه مصيرها بنفسها.

لكن "إسرائيل"، ولأول مرة في تاريخها، تمكنت عبر مواصلة اجتياحها من محاصرة بيروت، وتدميرها وإخراج "المقاومة الفلسطينية" بعد صمود بطولي استمر أكثر من سبعين يوما دون أن ترف له جفون العرب أو العالم. وارتكبت، بعد ذلك، بالاشتراك مع "القوات اللبنانية" الفاشية، أبشع مجازر في التاريخ (صبرا وشاتيلا)، ذهب ضحيتها الآلاف من أوساط الشعبين الفلسطيني واللبناني العزل تحت أنظار الجميع، وكشفت عورة "الرفض" العربي وهتكت كل مقولات "الصمود والتصدي" و "التوازن الاستراتيجي".

تمكن الاجتياح الإسرائيلي للبنان من تحقيق مراميه في دفع "المسألة اللبنانية" إلى أبعاد أكثر خطورة، بالعمل على تعميق الانقسامات الطائفية والنعرات المذهبية التي عمقت التقاتل، ووصلت إلى مستوى الحي والشارع والزاروب. و"إسرائيل" التي سحبت بعد ذلك جيشها من العمق اللبناني إلى الشريط الحدودي، تركت مواصلة الأمر للسوريين.

سعى "النظام" في سوريا إلى تعويض ما خسره من أوراق، نتيجة الاجتياح الإسرائيلي، بالعمل على تطويع الوضع الفلسطيني، بما يعني له ذلك من معادلات الصراع، وفي المعادلة الأمريكية تحديدا، من خلال تفجير منظمة "فتح" كبرى الفصائل الفلسطينية، والتهديد بتفجير غيرها، ومطاردة المقاتلين في البقاع ومحاصرة المخيمات، وصولا إلى معارك طرابلس وتعطيل القرار الوطني الفلسطيني بتعطيل "منظمة التحرير" وشل مؤسساتها ووضعها في تصرفه.

ترافق ذلك مع تنفيذ الغارة الإسرائيلية المعروفة على مقر قيادة منظمة التحرير الفلسطينية في تونس، والمحصلة في النهاية كانت دفع الوضع العربي إلى مزيد من الإخضاع والتطويع.

لقد عمل النظام، من خلال تشديد قبضته على المجالين اللبناني والفلسطيني، على تثبيت وتوسيع دوره الإقليمي مستندا إلى تضليله الإعلامي عبر مقولة (التوازن الاستراتيجي)، متجاهلا أن (التوازن) يتطلب بنية غير البنية القائمة، ونهجا مختلفا جذريا عن النهج المتبع.

ثانياً- لم تأت مأساة مدينة حماة (شباط 1982) خارج السياق العام. فقد أريد لهذه المدينة أن تكون عبرة للمدن السورية الأخرى وللشعب السوري بشكل عام، لكي يدرك الثمن الذي سيدفعه إذا ما تجرأ واندفع أكثر في المطالبة بتغيير الأوضاع القائمة المفروضة عليه.

لقد كانت مأساة حماة المروعة نهاية الفصل الدامي في سحق محاولة الشعب السوري في التطلع نحو التغيير والحرية والديمقراطية. فبات الحيز المتاح للنضال الديمقراطي أضيق مع عملية نزع السياسة من المجتمع. وكان نمو قدرات الدولة التسلطية، والآليات التي انتهجها النظام في مرحلة التأسيس، على حساب إضعاف المجتمع وتهميشه وتقليص حقله السياسي.

غير أن النتائج التي قاد إليها "نصر النظام الأمني" لم تكن قليلة الشأن. فقد تركت آثارها الكبيرة على حاضر ومستقبل البلاد. ولم ينج النظام نفسه من تبعاتها، إذ انكشفت بناه على حقيقتها، وبات بعدها أسير خياره الفاشي، وبالتالي، وقع في إسار مراكز ا لقوى العسكرية والأمنية التي راحت تتنافس في ممارسة سلطاتها غير المحدودة، وتتوازع مراكز النفوذ والسيطرة.

وجاء مرض الرئيس ودخوله في غيبوبة في نهاية عام 1983 ليفجر الصراع بين الطامعين في التركة، الذي بلغ حد تهديد بنية النظام بالتصدع. وجاء التدخل المباشر من قبل رأس النظام، بعد تجاوز الأزمة الصحية، ليحسم الأمور وينزع فتيل الانفجار. ويعيد ضبط هذه المراكز وإحكام السيطرة عليها من جديد دون أن تفقد هذه المراكز امتيازاتها ونفوذها.

وكما هو معروف، قام النظام على ابتزاز الوضع الداخلي بالوضع الخارجي، وتعطيل الحياة السياسية في المجتمع وتغذية الانقسامات العمودية فيه، والسماح فقط للنشاط الديماغوجي المسخر لخدمته من خلال تزييف الحقائق والتعمية على الأضرار والأذى اللذين يلحقهما نهجه بالبلاد.

إلا أن سياساته هذه أخذت تبدو مع الزمن عاجزة عن تلبية هذا البرنامج بنفس الوسائل والأساليب التي كانت تستخدمها.فوحدة القرار السياسي والعسكري والأمني التي شكلت ركيزة النظام الأساسية أصابها الخلل منذ تفجر أزمة البديل بين مراكز القوى، وأصبحت ضمانات هذه الوحدة هشة ومثلومة.

غير أن اللافت للانتباه أن وسائل الإعلام التابعة للعديد من الأوساط الدولية، وبصورة خاصة الأمريكية منها، كانت تشير، وهي تتعرض للأوضاع العربية وأوضاع المنطقة، إلى "لاستقرار" الذي تنعم به سورية.وتذهب في تحليلاتها إلى أن مثل هذا "الاستقرار" قد أتاح للنظام القائم ممارسة دور إقليمي مميز!! كما أنها لم تكن تخفي أن طبيعة هذا الدور الذي جاء ملبيا لسياسات وتوجهات دولية معينة، هي التي منحت النظام هذا "الاستقرار" وهذا الاستمرار. ولقد تجاهلت تلك الأوساط، بعد أن احتدم الصراع بين أعمدة النظام ومراكز القوى فيه حول البديل، جوهر هذا الصراع. وعملت على إخفاء نتائجه الوخيمة على مجمل المسائل الاجتماعية والوطنية والقومية. وشرعت، تحت مقولة استمرار " الاستقرار " في العمل على احتوائه بما يلبي حاجات تلك المرحلة التي أخذت ترتسم ملامحها في الأفق الدولي في ذلك الوقت.

وكان يبدو واضحا أن أحد أهم المحاور الأساسية في تحرك النظام تجلى في إعادة ترتيب الأوضاع الداخلية في الاتجاه الذي يعيد إنتاج صورة ذلك "الاستقرار" بالمعنى الذي يلبي السياسات الدولية وشروطها في إنتاج جملة السياسات المنسجمة معها. وهنا يبدو كم كان ضروريا الحفاظ على أشكال وأدوات هذا "الاستقرار" التي تجلت في تعبئة ونشر الأجهزة الأمنية، وفي إعادة صياغتها لتمكينها من الاستمرار في إحكام القبضة على المجتمع وضبط حركته وإطلاق يدها في مزيد من التحكم بمصائر البشر وبمستقبلهم.

ثالثاً- اتسم الوضع الداخلي السوري خلال سنوات الثمانينات، بالتأزم الشديد على مختلف المستويات. فمع انسحاق الحركة الشعبية وشل الحياة السياسية، وبروز أزمة مراكز القوى، ومع تكلس النظام عند الآليات والقواعد التي أرساها خلال مرحلة السبعينات ظهرت أزمة اقتصادية حادة في أواسط الثمانينات، وأخذ الاستثمار في السياسة الخارجية يفقد قدرته على تمويل الإنفاق الداخلي، في الوقت الذي بدا فيه أن الموارد الداخلية لا تفي بحاجات هذا الإنفاق، إثر تقلص المعونات والمساعدات من دول الخليج، وتضخم إنفاق الدولة، وتعاظم سياسة الفساد والإفساد التي استشرت في أوصالها، وتدني نسبة الإفادة من الطاقات الإنتاجية القديمة والجديدة، وتجلي النتائج السلبية للسياسات التنموية المنفذة خلال عقد السبعينات التي كانت قائمة على مبدأ التمويل من خلال القروض والتضخم المترافقة مع النهب وقبض العمولات وتهريب الأموال.

لقد انعكست الأزمة الاقتصادية بشكل مباشر على الأوضاع المعاشية للمواطنين، وحولت حياتهم إلى كابوس حقيقي. وانحدرت العملة الوطنية إلى عشر قيمتها خلال سنوات معدودة. وتدهورت بشكل مريع القدرة الشرائية لأصحاب الدخل المحدود. ولم تستطع زيادات الأجور التي حصلت في نفس الفترة وما تلاها من ردم ولو جزء يسير من الفجوة المتباعدة بين الأجور وتكاليف المعيشة.

أخذت وتيرة التدهور في الوضع الاقتصادي تتسارع بين شهر وآخر، وباتت شاملة لكل جوانب الحياة الاقتصادية، ابتداء من شلل النظام الاقتصادي، إلى فقدان المواد من الأسواق، وتدهور الإنتاجين الصناعي والزراعي (في عام 1984 بلغت قيمة المستوردات الغذائية من القمح 700 مليون ليرة والدقيق 200 مليون، والذرة 175 مليون، والسكر 280 مليون، أي ما مجموعه 1،335 مليار ليرة سورية ويعادل في حينه 334،1 مليون دولار)،والارتفاع الشديد في نسبة البطالة بشكليها المقنع والسافر إلى ارتفاع الأسعار المستمر.

وهكذا انحدرت قطاعات واسعة من المجتمع إلى ما دون خط الفقر، وتحمل الشعب وخاصة فئات الدخل المحدود وزر الأزمة الاقتصادية التي كان من مؤشراتها أيضا تراجع معدلات النمو الاقتصادي، (تراجعت من 11%عام 1981 إلى 3% عام 1982 إلى الصفر عام 1983 إلى – 2% عام 1984، وتضاعفت الكتلة النقدية المتداولة بين أعوام 1970 – 1984 بمقدار 14 مثلا، بينما تضاعف الناتج المحلي الصافي، الذي يعبر عن النمو الحقيقي، بمعدل ثلاث مرات فقط وفقا لمصادر النظام الإحصائية ). كشفت هذه الأزمة مآل سياسات النهب اللاعقلانية والسير في طريق التبعية في ظل نهج التسلط والاستبداد والغياب الفعلي للرقابة والمحاسبة.

ولم تجد السلطة أسلوبا لمواجهة الأزمة الاقتصادية غير ما أنتجه عقلها البيروقراطي التسلطي من إجراءات وقرارات ذات طابع تعسفي تحمل المجتمع التبعات دون أن تمس بامتيازات الطبقة السائدة.

ومن أجل وضع حد لتدهور العملة الوطنية والتخفيف من حدة الخلل في ميزاني التجارة والمدفوعات، لجأت السلطة إلى إصدار القانون رقم 24 لعام 1986 لقمع المتعاملين بالعملة الصعبة في السوق السوداء، متوهمة أن تدبيرها هذا سيؤدي إلى صمود سعر صرف الليرة السورية بالنسبة لباقي العملات. كما أقدمت على فرض القيود على عمليات الاستيراد ووقفها في ميادين عديدة بشكل تعسفي دون النظر إلى النتائج المترتبة على سير الإنتاج، وعلى الاحتياجات الأساسية للمواطنين بما فيها الغذاء والدواء. كذلك كان للإجراء الذي اتبعته بعد ذلك بالسماح بإصدار (إجازة استيراد بضائع بطرق تحويل غير نظامية) دور كبير في ارتفاع جديد وباهظ في الأسعار، أدى إلى مزيد من الهبوط في القيمة الشرائية لليرة السورية التي جرى طرح كميات كبيرة منها في السوق المحلية وفي الأسواق المجاورة للحصول على القطع الأجنبي.

كما سارعت في إصدار القانون الأساسي للعاملين في (الدولة) الذي بوشر بتنفيذه في بداية عام 1986، والذي قيدت من خلاله فرص العمل والتوظيف في الدولة والقطاع الاقتصادي إلى حد كبير، (ازداد عدد عمال قطاع الدولة الصناعي خلال الأعوام 1985 – 1989 /3432/ عاملا فقط، في الوقت الذي كان يدخل سوق العمل بشكل فعلي /120/ ألف عامل جديد سنوياً). كما أكسبها هذا القانون حق تسريح العامل تعسفيا وتجريده من حق الاعتراض والتقاضي بموجب المادة / 138/ التي شكلت تعديا صارخا على حق العامل، وتجاوزت في خطورتها المادة /85/ السيئة الذكر من قانون الموظفين الأساسي التي استغلت في مراحل مختلفة لتطهير مؤسسات الدولة من عناصر المعارضة السياسية.

لم تمر هذه السياسات دون مضاعفات. لقد ظهر في حينه التململ الشعبي منها، وأخذ يظهر الارتباك في أوساط أجهزة السلطة التي راحت تستخدم سلاحي القمع والإرهاب، بالإضافة إلى سلاح الديماغوجيا الرخيص، للجم أي بادرة تحرك مضاد. كما أنه عمل، انطلاقا من نهجه الطائفي البغيض، على توظيف نتائج سياساته في أوساط الطائفة العلوية من خلال بث الإشاعات والادعاءات بأنها مستهدفة من ورائها، بهدف العودة إلى أجواء الاستنفار، الطائفي بعد التململ الملحوظ الذي أخذ يعم أوساطا واسعة من أبنائها، كغيرهم من أبناء الشعب، تجاه نهج النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

مع استفحال الأزمة، أدركت السلطة أن التعويل على المساعدات والقروض الخارجية لدعم الاقتصاد لم يعد ممكنا الركون إليه، وبالتالي، لا بد من الاعتماد أكثر فأكثر على الموارد المحلية، الأمر ا لذي دفعها إلى توجيه سياستها منذ منتصف الثمانينات وفق الاتجاهات التالية:

أ– التركيز على استثمار الثروات الباطنية بأسرع السبل وأقصر الأوقات.

ب– العمل على وضع حد لتدهور الإنتاج الزراعي ولتفاقم مسألة استيراد الغذاء. وجرى تنفيذ بعض الخطوات التي عملت على تحسن نسبي أخذ يشهده القطاع الزراعي بالتدريج. غير أن المحاولات التي جرت لجذب الرساميل للاستثمار في ميدان الزراعة بالمرسوم التشريعي رقم /10/ الصادر عام 1986 الذي قضى بإحداث شركات زراعية مشتركة، أفضت إلى نتائج مخيبة للآمال.

ج– اعتماد برنامج للتصحيح الاقتصادي، هدف إلى التخفيف من حدة الاختلالات في معادلات التوازن الاقتصادي، دون الاكتراث بالأضرار الاجتماعية التي ترافقت مع تنفيذ هذا البرنامج.

د– الاستمرار في مد الأيدي إلى جيوب الناس من خلال التضخم النقدي الذي جرت تغذيته باعتماد أسلوب تمويل موازنة الدولة عن طريق العجز، ومن خلال سياسة رفع الأسعار التي كانت تلجأ إليها السلطة بين الحين والآخر (المحروقات، السلع التموينية، الدخان، الدواء.. ألخ).

لقد أدى العمل وفق التوجهات السابقة إلى التخفيف من حدة الاختلالات الاقتصادية، لكن مع تحميل قطاعات واسعة من المجتمع السوري أعباء إضافية فاقمت في تدني مستواها المعيشي المتدني أصلا. وفاقمت أيضا من ظاهرة التوزيع غير العادل للدخل الوطني ا لذي جعل التمايز الطبقي أكثر حدة. وهذا بدوره أدى إلى بروز ظاهرة الركود التضخمي التي تجلت في الكساد الذي ما انفكت تواجهه الأسواق رغم الانخفاض المستمر للقيمة الفعلية للنقد الوطني.

باختصار، ظهر واضحا أنه قد ولى عهد "الازدهار " الذي عرفته البلاد بين أواسط السبعينات ونهايتها، وحل محله عهد الأزمة والبؤس. وهو واقع ستكون له نتائج بالغة الخطورة على مستقبل البلاد.

رابعاً- حين اندلعت شرارة الحرب العراقية - الإيرانية في أيلول من عام 1980، وحتى حملة الاعتقالات الواسعة التي طالت الحزب وغيبت قيادته، لم تكن قيادة الحزب قد اتخذت موقفا محددا من هذه الحرب.

لقد اندلعت هذه الحرب بعد سنة ونصف تقريباً من انتصار الثورة الإسلامية في إيران، التي كنست نظام الشاه الإمبراطوري، الذي كان من أكثر الأنظمة رجعية وارتباطا بالخارج في المنطقة كلها.

وسرعان ما أخذ النظام الجديد في إيران، بعد أن استتبت له مقاليد الأمور، برفع شعارات تصدير الثورة إلى بلدان المنطقة التي أخذ ينتابها قلق شديد من النظام الجديد، خاصة العراق السعودية وبلدان الخليج.

ولم يتأخر الوقت كثيرا ليتكشف الأمر ويظهر جلياً أن قرار الحرب، وقرار استمرارها أيضا، كان قرارا دوليا, أمريكيا على وجه الخصوص، دفعت إليه ومولته بسخاء أطراف عربية وتولى تنفيذه النظام العراقي.

وعلى رغم صدور أكثر من قرار عن مجلس الأمن الدولي بوقف هذه الحرب، إلا أن استمرارها كان يعكس حقيقة موقف الأطراف الدولية والإقليمية منها. فطالما بقيت في إطار استنزاف البلدين المتحاربين، ولا تتعدى مصالح الدول والأطراف الأخرى، الدولية والإقليمية، وطالما بقيت توظف مضاعفاتها وتناقضاتها في رفع نسبة صادرات الأسلحة وزيادة المستهلك منها، كان أوارها يشتد، ونزيف شعبي البلدين وقدراتهما يظل مفتوحا.

لقد عملت أميركا وإسرائيل على استغلال هذه الحرب، ورأتا فيها فرصة ذهبية لإضعاف المنطقة وإخضاعها وفرض مخططاتهما عليها.

ولقد آل ذلك إلى رضوخ حكام دول النفط الخليجية لنشر المظلة الأمريكية فوق بلدانهم وموافقتهم على التدخل العسكري المباشر لحماية منابع النفط، بما يعني عودة المنطقة إلى الاستعمار المباشر، والحصول على مزيد من التنازلات في مسألة الصراع العربي - الإسرائيلي.

كما جاءت فضيحة الأسلحة الأمريكية- الإيرانية - الإسرائيلية، أو ما عرف وقتها بـ "إيران- غيت"، لتؤكد معطياتها أن استمرار هذه الحرب كان من المسائل الكبرى في السياسات الأمريكية في ذلك الوقت. وكان يجري العمل على توظيفها في دفع الوضع العربي إلى مزيد من التدهور، عبر الإبقاء على تناحر نظمه، وربطها بعجلة سياسات القوى الخارجية، ولتؤكد أيضا أن كل الذين عملوا من العرب على تغذيتها ومدها بأسباب الاستمرار، إنما كانوا يخدمون تلك السياسات انطلاقا من مصالح آنية وأنانية ضيقة لا يربطها رابط لا بالوطنية ولا بالقومية ولا بالتقدم. ويستوي في هذا النظامان السوري والليبي "التقدميان" "أو الرجعية السعودية التقليدية".

الأمريكان، والإسرائيليون على وجه الخصوص، ومعهم بعض الحكام العرب، لم يكونوا يرغبون برؤية نهاية سريعة لهذه الحرب المأساوية التي أخذت الاحتفالات بذكراها السنوية تجري عبر شن هجمات جديدة عملت على تبديد المزيد من الثروات والطاقات، وكان يذهب وقودا لها عشرات الآلاف من البشر.

من جانب آخر فإن الرؤوس الحامية في إيران لم تكن ترغب بوقف هذه الحرب. فعلى رغم الفشل الذي آل إليه الهجوم الإيراني الكبير الذي جرى في مطلع العام1987 والنتائج المدمرة التي انتهى إليها، لم تصغ إيران إلى كل الدعوات الصادقة التي كانت تطالب بوقفها. ومن بينها كانت الدعوة السوفييتية الرسمية والعلنية التي جرى إبلاغها (1987) لوزير الخارجية الإيراني والتي جاء فيها: "إنه، لمعالجة شؤون هذه الحرب، ليس مفيدا النظر إلى الماضي. المفيد هو النظر إلى الحاضر والمستقبل. وخمس سنوات على طاولة المفاوضات أفضل بكثير من حرب ولو ليوم واحد".

ولقد جاء قرار مجلس الأمن الدولي (598) الذي صدر في /20 /7/1987 بشان هذه الحرب معبرا عن درجة الاحتقان العالية في الرؤية الدولية لمجرياتها. وإذا كان إجماع الدول الكبرى، كما تجلى في إصدار القرار، لم يخف التباينات التي أملت عليها توافقها في إصداره، فإن مجرد إقراره كان مناسبة ثمينة لكي يصار إلى قطع الطريق على كل ما كانت تضمره الإدارة الأمريكية في سعيها لإطالة أمدها أكثر فأكثر.

ومع غياب أية إرادة دولية كافية لفرض تطبيق هذا القرار، الذي لم يوضع في حيز التنفيذ إلا بعد عام من صدوره، ظهر الفارق بين القبول العراقي به والتعنت الإيراني ضده فارقا بين مبدأ توفير فرص السلام لحرب لم تكن ذات معنى ومبدأ إبقاء الأبواب مشرعة للتدخلات الخارجية ولمزيد من الكوارث التي طالت شعبي البلدين المتحاربين ولفحت شعوب المنطقة بأسرها.

لقد رأى النظام السوري في الحرب العراقية - الإيرانية فرصة سانحة للعمل على عزل العراق وإشغاله بها، وعلى ابتزاز الوضع العربي عامة وبلدان الخليج خاصة، من خلال سياساته التي دفعت إلى استمرارها، متغاضيا عن كل المخاطر التي ترتبت عنها على صعيد الوضع العربي، وعل صعيد الصراع العربي – الإسرائيلي، وعلى الأخطار الكبيرة التي هددت المنطقة من جراء استمرارها.

إن حزبنا الذي دان هذه الحرب منذ العام 1981، ودان استمرارها، كان يرى أن الحل العملي والعقلاني هو في الوقف الفوري لها، والتوجه للعمل على حل جميع المشاكل التي كانت عالقة بين البلدين المتحاربين بعيدا عن الأحقاد التي ورثتها، من خلال المفاوضات على أساس الاحترام المتبادل لاستقلال كل منهما وسيادته على أراضيه، وعدم التدخل في تطوره المستقل وفي شؤونه الداخلية، ووقف التدمير الفظيع واللامعقول للموارد البشرية والمادية الهائلة، وتوجيهها، من ثم، لإعادة إعمار ما خلفته من خراب ودمار.

وكان يرى أن مصلحة شعوب المنطقة تكمن في وقف هذه الحرب الطاحنة والدخول في مفاوضات تضمن حقوق الطرفين وتوقف مسلسل الدمار الذي أطاح بقدرات البلدين معا. وهذا، بالتالي، يقطع الطريق على كل التدخلات الخارجية التي تعمل على تمرير مشاريعها العدوانية في المنطقة.

وقد استمر على موقفه هذا إلى أن وضعت الحرب أوزارها في العام 1988.

خامساً- لكن لم يمض وقت طويل على طي صفحة هذه الحرب المدمرة، حتى آلت تعقيدات الوضع العربي إلى توليد أزمة كبرى حين أقدم النظام العراقي على اجتياح الكويت في الثامن من آب عام 1990، كرد فعل على ضغوط السعودية وبلدان الخليج التي طالبته برد الديون الضخمة التي أغدقتها عليه خلال حربه الطويلة مع إيران، وعلى تضرره من سياساتها النفطية التي عملت على إغراق السوق النفطية العالمية بالنفط وآلت، بالتالي، إلى انخفاض أسعاره إلى الحدود الدنيا.

هذه الأزمة التي لم يتمكن الوضع العربي العاجز من احتوائها، واجتراح الحلول المناسبة لها، دفعت المنطقة على مسار، جعل أبوابها مشرعة في وجه تدخلات خارجية لم يسبق لها مثيل.. وآلت إلى اندلاع حرب الخليج الثانية في كانون الثاني من عام 1991.

وإذا كانت المتغيرات الدولية في أواخر عقد الثمانينات وبداية التسعينات جاءت لتسحب من النظام السوري هامش المناورة الذي كان يستثمره لمصلحته في ظل الحرب الباردة والاستقطاب الدولي، فإن أزمة الخليج الثانية في عام 1990 جاءت لتضعه أمام خيارين: إما موقف ينسجم مع المصلحة الوطنية والقومية بالتمسك بالحل العربي لهذه الأزمة ومعارضة تدخل القوات الأجنبية وتجنيب العراق العدوان المبيت له، وإما الانضواء تحت لواء السياسة الأمريكية. ولقد أخذ النظام بالخيار الثاني الذي جاء محمولا بوعد إطلاق يديه في لبنان وبتسوية مسائله الشائكة مع العدو الإسرائيلي.

في هذا السياق، كان اتفاق الطائف الذي احتاج في عام 1989 إلى قابلة دولية وعربية لولادته فرصة محفوفة بالمخاطر. لكنها كانت الأوفر حظاً في ذلك الوقت لترميم الدولة اللبنانية ورأب الشروخ الحادة في المجتمع اللبناني، وإعادة الاعتبار- ولو جزئيا- للمسألة اللبنانية بوصفها مسألة لبنانية – لبنانية، وإعادة الاعتبار للصراع السياسي الديمقراطي السلمي وتهدئة أصوات المدافع.

على أرضية هذه الحقائق، وفي ظل قراءة التطورات التي فرضتها أزمة الخليج الثانية، كان النزوع الأمريكي واضحاً لادعاء عكس ما كان قائماً بالفعل، وذلك بتأكيد فصل ظاهري، مفتعل وقسري، لأزمة الخليج عن أزمة الصراع العربي الإسرائيلي والأزمة اللبنانية، وبالتالي، ساعدت اللحظة السياسية في حينه كي يلعب الأمريكان دورا فاعلاً، بالتنسيق مع الدور السوري، لبعث الحياة في اتفاق الطائف، ولإظهار أن مسيرة الحل في تقدم، الأمر الذي أخذ يلقي ظلالاً من الشكوك على خلفية إطلاق اليد السورية في لبنان، وعلى التطور الملحوظ في العلاقات الأمريكية-السورية التي تنامت مع أزمة الخليج، وحيال موقف النظام السوري من هذه الأزمة التي لقيت من الإدارة الأمريكية أشد الترحيب، ونقلت أشكال التشاور والتنسيق بين الجانبين الأمريكي والسوري إلى أعلى المستويات.

ولعل إحدى أهم المسائل التي تبرز اليوم بالذات إلى الواجهة، في خضم الأحداث التي يشهدها لبنان، تلك المتعلقة "بالتفويض" الأمريكي للبنان، كي يستدعى الجيش السوري لضرب القصر الجمهوري، حيث كان يعتصم الجنرال عون، والإستحصال من إسرائيل على الأمان الجوي للطيران السوري حتى يحلق في الأجواء اللبنانية، ويقصف بعبدا، أو غيرها من المواقع. كل ذلك لأن سوريا كانت قد وافقت على الاشتراك العسكري الرمزي إلى جانب أمريكا في الحرب الأولى على عراق صدام حسين.

ولقد طُوِي مع سقوط حكومة الجنرال عون، فصل من فصول الأزمة اللبنانية التي ظلت متفجرة طوال خمسة عشر عاما، وأزيحت إحدى العقبات الهامة أمام تنفيذ المراحل الأولى من اتفاق الطائف، الذي كان مضى عليه عام ونيف. ودخلت الأزمة اللبنانية طوراً جديداً أخذ يُفرض على الأطراف المحلية اصطفافاً يتناسب مع الدور السوري المباشر فيها بعد أن بات يحظى في حينه باعتراف ودعم وتغطية دولية وعربية لم يصل إليه من قبل، في الوقت الذي ظلت فيه أمريكا تحتفظ لنفسها بالدور الأهم في إدارة هذه الأزمة والإمساك بخيوطها الأساسية، مع سيطرة إسرائيل المباشرة على الشريط الجنوبي، واستباحتها للجنوب اللبناني بين الحين والآخر، واستمرارها عاملا مؤثرا في الوضع الداخلي اللبناني.

لقد كان هناك شيء من الغموض أحاط باتفاق الطائف، وما دار حوله من صراع مع سوريا للقبول به لجهة دورها العسكري في فترة تنفيذه، وإلزامها فترة سنتين، بعد إنجاز الإصلاحات الدستورية المطلوبة، لإخراج جيشها من بيروت إلى البقاع، تمهيدا لبرمجة عودته إلى ثُكُن داخل حدودها.

وظل النظام السوري يلعب على هذا الغموض بغية إبقاء هيمنته في لبنان مفتوحة على الدوام.

وإذا كان الحزب أكد في ذلك الوقت، أن المخرج الجدي للأزمة اللبنانية، يرتبط برفع الوصاية السورية عنه، وبتغيرات تطال الوضع العربي، فإنه كان يؤكد أيضاً، أن أي أفق ممكن لوضع حد للحرب العبثية الدائرة على الساحة اللبنانية، مسألة تلقى ترحيب كل الغيورين على القضية الوطنية وعلى المصلحة القومية.

سادساً- لقد جاءت مواقف الحزب من الأحداث الدولية ومعالجاته لها خلال الفترة المعنية، معبرة عن استقلالية الحزب في رسم سياساته التي دشنها المؤتمر الرابع وكرسها المؤتمر الخامس. من هذا المنطلق عارض الحزب التدخل السوفيتي في أفغانستان ودان التدخل الفييتنامي في كمبوديا، والتدخل الصيني في فييتنام. كما لم يخضع في معالجته الأزمة البولونية للإرهاب الفكري الذي اختصر أسباب هذه الأزمة بالعامل الخارجي، بل نظر إلى جذور هذه الأزمة، ورأى أنه من غير معالجة الأسباب العميقة لها، فإنها ستعاود الظهور مرة أخرى .. وسوف تعمل القوى المعادية في الخارج على استغلالها ودفعها بالاتجاه الذي يخدم مصالحها ويحقق أهدافها.

من جانب آخر، فإن التطورات المتسارعة والكبيرة التي شهدها الوضع الدولي في السنوات الأخيرة من الثمانينات، بعد ومع المتغيرات التي حصلت في الاتحاد السوفيتي وبلدان أوروبا الشرقية، على إثر وبفعل البيروسترويكا التي أطلقت بعد العام 1985، لم تأخذ في تحليلات الحزب ومواقفه الحيز الكافي والاهتمام المطلوب. غير أننا نستطيع القول: إن الحزب بادر إلى إعلان موقفه المبدئي، الواضح والمحدد، من البيروسترويكا وعملية التجديد التي أطلقتها، منذ عام 1987. وهو لم يتخذ من العملية حينذاك موقفا إيجابيا فحسب، بل رأى فيها أيضا مدخلا طبيعيا لإعادة تأسيس الوعي من جديد، من خلال إعادة الاعتبار للفكر بعد تخليصه من الدوغمائية والجمود العقائدي اللذين لازما هيمنة الستالينية على الماركسية عالميا، وتحريره من القيود التي كانت تكبله وتحول بينه وبين الإبداع الإنساني الذي هو أساس كل تقدم بشري، ولتخليصه من الشوائب والانحرافات التي ألحقتها به التجربة العملية على مدى عقود من الزمن، ولإعادة الاعتبار للإنسان كقيمة عليا في المجتمع وكهدف أسمى في هذا الوجود.

وبالاستناد إلى جوهر رؤيتنا التي بنينا عليها موقفنا الإيجابي تجاه البيروسترويكا في لحظة انطلاقها، فإننا لم نتخل عن نظرتنا الانتقادية في التعامل مع التطورات التي أعقبتها خلال السنوات التي تلت. غير أن الحزب كان حذرا من الوقوع في مطب التفسير المؤامراتي، دون أن يعني هذا غض النظر عن التدخلات المرتبطة بالمصالح العديدة والمختلفة التي تسعى، مستغلة الواقع الموضوعي، إلى التأثير في الظواهر والأحداث، وإلى العمل على دفعها في هذا الاتجاه أو ذاك يما يخدم تلك المصالح وينسجم معها.

وفي محاولة لاستخلاص الدروس، رأى الحزب أن حرب الخليج الثانية التي وقعت مع مطلع العام 1991، كانت نصيب شعبنا وأمتنا من نتاج المتغيرات الدولية و" النظام الدولي الجديد ". ونظر إلى أن هذا لم يكن مجرد قدر محتوم، بل نتيجة موضوعية للواقع الاجتماعي السياسي، ولوضع قوى المعارضة الديمقراطية أيضا.

لقد كانت أزمة القوى الوطنية والقومية والديمقراطية على امتداد الوطن العربي قائمة منذ ما قبل الحرب، كما أنها جزء من الواقع الذي أعطى لنتائج الحرب طبيعتها الكارثية التي لم تجد مقاومة لها.

ولقد أكد الحزب أن هذه المتغيرات تجعل المهمة التي يفرضها الواقع على رأس جدول الأعمال هما مفروضا على الجميع: التغيير الجذري للأوضاع مدخل لا بد منه للإنقاذ من الهاوية التي يدفعنا إليها التسلط والاستبداد والتخلف والتفكك. ولا بد، من ثم، من وضع أساس لسيرورة حقيقية وواقعية تتبدى وتترابط مع تعميم الديمقراطية.

والصدمة التي أحدثتها هذه المتغيرات في الوعي ينبغي تجاوزها. وهذا يستدعي مراجعة شاملة للمسلمات الفكرية والإيديولوجية دون تردد أو خوف من الضياع. كما أن مراجعة البرامج وتدقيق خطوطها الأساسية أمر ملح في المرحلة الحالية، حتى لا تضيع احتمالات وحدة القوى بين متاهات هذه البرامج، أو تبتعد عن تحديد أولوياتها، مع التخلص من المخططات الجاهزة والمسبقة والاقتراب أكثر من الواقع والمعطيات التي يفرضها بروح من العقلانية النقدية والتجديد والانفتاح.

الفصل الثالث

الأوضاع العامة

بين عامي 1992 - 2000

مثّل العقد الأخير من القرن المنصرم بداية حقبة جديدة عنوانها: هيمنة القطب الواحد على الساحة الدولية، بعد انهيار المعسكر الاشتراكي المثقل بأزماته، وسقوط جدار برلين، وتبدل الخريطة السياسية على الصعيد العالمي.

خرجت الولايات المتحدة كمنتصر وحيد من الحرب الباردة، وسعت سريعاً إلى ترجمة انتصارها تفرداً، بإعادة ترتيب الأوضاع الدولية بما يخدم مصالحها، ويمهد السبيل أمام مشروعها الإمبراطوري الجامح لقيادة العالم. وعلى الرغم من السعي الأوروبي لمقاومة هذا التفرد، والحد من اندفاعه، والمحاولات العديدة التي بذلت دفاعاً عن المصالح الأوروبية للإفلات من القبضة الأمريكية، أو التمييز عنها في المواقف والتحالفات والعلاقات، تجاه عدد من القضايا الدولية، إلا أن المنحى العام بقي في إطار الهيمنة الأمريكية.

ربما شكلت حرب الخليج الثانية المحطة الأهم في هذا السياق. فرسمت بداية التحولات الكبرى عالمياً، وبداية الانهيارات العربية على كافة الصعد والمستويات، والتي كان من أهم نتائجها انهيار النظام العربي، وتعطيل دور الجامعة العربية وفشلها في تأمين الحد الأدنى من التنسيق بين الأعضاء. وأصبح الانخراط في الاستراتيجية الأمريكية والتقرب منها موضع تسابق مكشوف أو مضمر لدى الأنظمة العربية، الأمر الذي مهد الطريق أمام انطلاق مسيرة التسوية وفق المنظور الأمريكي – الإسرائيلي، وفرضها على الوضع العربي، في ظل خلل غير مسبوق في ميزان القوى ليس في مصلحة العرب.

وضع النظام السوري نفسه ضمن الاستراتيجية الأمريكية في حرب الخليج. وأرسل جيشه للحرب تحت قيادتها، وانخرط في مشروعها للتسوية من خلال مؤتمر مدريد. وصارت تطورات الوضع الداخلي السوري، وآفاق الدور الإقليمي لسورية محكومة بشكل أساسي بهذا الخيار، وبالتالي بمسار التسوية مع إسرائيل. وأدرك النظام أن مقايضة "الأرض مقابل السلام" وفق الشروط الأمريكية – الإسرائيلية، تتطلب استحقاقات لا تطال موقعه ودوره الإقليمي فحسب، بل تتعدى ذلك إلى الأوضاع الداخلية في سورية حاضراً و مستقبلاً.

فعلى المستوى الداخلي، حاول النظام إدخال بعض التعديلات، بما يتلاءم مع هذه الاستحقاقات الدولية والإقليمية، التي تفرضها المتغيرات من جهة، ومتطلبات التسوية المطروحة من جهة أخرى. وبدأت عملية التكيف التدريجي تأخذ طريقها على الصعيد الاقتصادي، رغم الصعوبات الكبرى التي واجهتها، في ظل وضع تتشابك فيه البنية السياسية الاستبدادية المتيبسة وتتناقض مع حاجة الاقتصاد إلى مزيد من المرونة والانفتاح والتغيير، في نموذج من الدولة الأمنية الشمولية مثقل بالفساد والبيروقراطية، وقائم على ريعية الموقع والدور، استطاب الاعتماد على الخارج كمصدر رئيس يستمد منه قدرته على الاستمرار في الدعم والتمويل. وكانت الأزمة الاقتصادية الحادة في النصف الثاني من الثمانينات دافعاً كبيراً في هذا الاتجاه.

أما على الصعيد السياسي، فقد استمر النظام، دون تغييرات تذكر، وفق بنيته الشمولية المتكلسة في القواعد والآليات، مع السعي إلى التلاؤم مع بعض المتطلبات من حيث الشكل دون أن تطال المضمون.

تجلت الأزمة العامة التي تعيشها البلاد بوضوح في هذا المنعطف الهام، ولم تجد السلطة أمامها كي تتجنب مفاعيلها التي تؤثر على البقاء والاستمرار إلا الهروب إلى الأمام، عبر التمترس خلف "الثوابت الوطنية والقومية".

وأدرك النظام أن التسوية المطروحة سوف تؤول إلى إعادة صياغة أوضاع المنطقة، وإعادة النظر بالأدوار السياسية لمختلف أطرافها، على حساب دوره ومصالحه ووجوده. فصار يتطلع للخروج من حبائلها بموقع يحافظ من خلاله على استمراريته وعلى شيء من دوره الإقليمي. وكانت الورقة اللبنانية هي الأهم في هذا الإطار، بعد أن حظي طوال السنوات الماضية بالغطاء "الشرعي" عربياً ودولياً، من خلال اتفاق الطائف 1989، الذي أمن له الوكالة اللبنانية دون منازع، حيث عمل على استمرار ربط المسار اللبناني بالمسار السوري التفاوضي، ومتابعة ضبط الوضع الداخلي اللبناني على الطريقة السورية، مع إحكام الهيمنة على الحياة السياسية فيه والتعدي الممنهج على الحريات العامة، والتدخل السافر في حياة اللبنانيين بالتنسيق مع الأطراف الإقليمية والدولية ذات التأثير في المعادلة اللبنانية (الولايات المتحدة – فرنسا – إيران)، وتابع توظيف ورقة المقاومة اللبنانية وحزب الله في تقوية موقعه التفاوضي في أي مشاريع تسووية تطرح في المنطقة.

لقد أمنت له المشاركة في الحرب على العراق والانخراط في التسوية السياسية، استمرار الرضى الدولي والعربي عن امتداد هيمنته السياسية على لبنان، ومكنته من خلق بنية سياسية وأمنية هناك قادرة على لجم أي توجه داخلي للمطالبة برحيله ونزع هيمنته. وشكل ذلك اعترافاً دولياً وعربياً بالدور السوري في لبنان.

"1- الإفراجات الأمنية:

في إطار محاولات السلطة للتكيف مع المتغيرات الدولية والإقليمية، وانكشاف الداخل السوري أمام استحقاقات التسوية المطروحة، بدأ النظام بإجراء بعض التكيف على الصعيد الاقتصادي باتجاه الانفتاح أكثر فأكثر على آليات اقتصاد السوق. إلا أنه سرعان ما وجد نفسه وجهاً لوجه أمام أزمته البنيوية الخاصة والناجمة عن التركيبة السياسية والاقتصادية المتشابكة. وأصبح واضحاً أن الانفتاح يحتاج إلى خطوات تطال البنية السياسية وأسلوب إدارة الحكم، قد تحدث خللاً في إحكام سيطرته الشمولية، وما يمكن أن ينجم عنها من إضعاف لقبضته الأمنية على المجتمع. وفي الوقت الذي بدأ فيه بعض الإجراءات الاقتصادية المنفتحة، فإنه عجز عن إحداث تحولات في البنية السياسية والأمنية، وارتفعت نبرة التأكيد على "الجبهة الوطنية التقدمية" كصيغة منجزة للتعددية السياسية والاقتصادية ونموذجاً للممارسة "الديمقراطية"، وبدأ يظهر مبدأ "سيادة القانون" وصون "حرية المواطن وكرامته" على لسان كبار المسؤولين رداً على التهم التي وجهت لسورية بانتهاك حقوق الإنسان، وتمويهاً على استمرار حالة الطوارئ والأحكام العرفية القائمة في البلاد منذ عام 1963. في هذا السياق أطلق النظام حوالي /2000/ من المعتقلين السياسيين عام 1991 من مختلف الاتجاهات السياسية، لكن غالبيتهم من الإخوان المسلمين. حيث صدر خبر الإفراج عن مصدر رسمي، وبلغ لوكالات الأنباء العربية والعالمية، في شبه احتفالية توحي بانفراج سياسي عام. طال هذا الإفراج عدداً من رفاقنا وبعض الأحزاب الأخرى. وتم تحويل بقية المعتقلين حينها إلى محكمة أمن الدولة العليا، لتشهد سورية بعد ذلك في عامي 1993 – 1994 مجزرة للأحكام السياسية هي أبشع ما شهدته في تاريخها الطويل، طالت المئات وبينهم رفاقنا، وامتدت الأحكام إلى 22 سنة. ثم جاء العفو الذي صدر نهاية عام 1995 وشمل بين من شملهم بعض السجناء السياسيين، حوالي 1200 سجيناً من اتجاهات مختلفة. طال هذا الإفراج عدداً من رفاقنا الذين أمضوا فترات حكمهم الطويلة. كما جرى في دمشق الإعلان عن عفو خاص عن المراقب العام السابق للإخوان المسلمين عبد الفتاح أبو غدة، إثر التماس خطي قدمه لرئيس الجمهورية.

وبالرغم من هذه الإفراجات، بقي سلوك الأجهزة الأمنية على حاله، واستمر تجريم العمل السياسي المعارض ومنعه، مما يدل على أن النظام مازال بعيداً عن عقلية الانفراج السياسي التي تحتاجها سورية.

من أجل إعطاء هذه المرحلة شيئاً من الزخم والأبعاد الشعبية، ومن أجل تحسين صورة النظام، جرى العمل على صياغة وطرح شعارات تلقى تجاوباً من قبل قطاعات واسعة من الناس، من نوع "محاربة الفساد" و "الإصلاح الإداري" والتي أصبحت من التعابير المتداولة بين الناس وعلى صفحات الجرائد، بالإضافة لعدد كبير من الشائعات التي تبشر بقرب حدوث تغيير ما هنا أو هناك، بهذه القضية أو تلك. كما بدأ الإعلان عن نشاطات الجهاز المركزي للرقابة المالية، والكشف عن اختلاسات وتزوير وهدر للمال العام في بعض الشركات والإدارات العامة (ساد كوب)، وجرى فضح بعض المسؤولين على خلفية استغلال مناصبهم، كما جرت التضحية ببعض الرؤوس الكبيرة كان أشهرها رئيس الوزراء محمود الزعبي.

"2- تعزيز الانفتاح الاقتصادي:

تحت شعار التعددية الاقتصادية، وتعزيز الانفتاح الاقتصادي، تم إنشاء شركات مشتركة للإنتاج الزراعي. وقدم قانون الاستثمار رقم 10/ لعام 1991 للمستثمرين كثيراً من الإغراءات والامتيازات كالإعفاء الجمركي والضريبي والاستثناء من قانون العمل، وتسهيلات في مجال القطع والتصدير، دون أن يضع البنية القانونية والإدارية اللازمة للاستثمار، ومن غير أن يوفر المناخ السياسي الضامن لذلك. لم تؤد هذه الإجراءات لإنعاش الاقتصاد. واستمر تقاسم المغانم واقتصاد الفساد بين الفئة الحاكمة والشريحة الكمبرادورية والطفيلية في السوق. حيث نمت في العقدين الأخيرين ظاهرة غير صحية للعلاقة مع الخارج في إطار الانفتاح. هي نوع من العمل خارج إطار القوانين، أي عبر اقتصاد غير شرعي مواز أسهم إلى حد كبير في تنمية ثقافة الفساد وتعميمها. فنشأت برجوازية جديدة لا يمكن المراهنة عليها كقوة انفتاحية ليبرالية لأنها لا تعرف قيم العمل والإنتاج، ولم تتعود على العمل ضمن القانون أو وفق مبدأ السوق أو أخلاق المجتمع.

أجمع المختصون على أن قانون الاستثمار رقم /10/ شكل اندفاعة سريعة في مجال تحرير الاستثمار وتشجيعه، أعقبه اتخاذ إجراءات ملموسة في زيادة دور القطاع الخاص، وتوجه متدرج لتوحيد سعر الصرف، وتحرير جزئي للتجارة الخارجية وتشجيع التصدير ورفع المنتجات الزراعية الرئيسة. ولقد رعت السلطة في إطار "الإصلاح" وتعزيز مناخ الانفتاح ورشات عمل لنخب ومجموعات من الخبراء والمختصين لدعم التوجه الجديد ومنها تجربة "الإدارة بالأهداف" كبديل عن الإدارة الأوامرية. حققت بعض النتائج المحدودة ثم انطفأت لأن الإصلاح الاقتصادي في البلاد أبعد بكثير من مشكلة "إدارة". إنه قضية سياسية أولاً وأخيراً. وتتالت محاولات السعي والتجريب بتشكيل "لجنة التنمية الاقتصادية والاجتماعية" و "لجنة 18" ثم "لجنة 35" دون أن يلمس المجتمع أي أثر لهذه المحاولات، أو تنعكس إيجابياً على الاقتصاد الوطني. فبقيت البطالة في معدلات مرتفعة جداً تهدد بانفجار اجتماعي، رغم إطلاق "مشروع البرنامج الوطني لمكافحة البطالة" والذي شارف على نهايته في أيلول 2005 دون طائل يذكر. وبقي الاقتصاد السوري في تراجع مستمر، بنسبة نموه، أسيراً للكساد وجمود الأسواق. وبدأت تظهر فضائح الخسائر الفاجعة في قطاع الدولة الاقتصادي والتي تجاوزت (80) مليار ليرة سورية. إلى جانب هدر المليارات الأخرى في مشاريع فاشلة ذهبت إلى جيوب السماسرة والوكلاء والمتنفذين من رجال النظام وحاشيتهم.

"3- حصار العراق وانعكاساته على سورية:

اندرجت المسألة العراقية منذ بداياتها الأولى (قبل وبعد حرب الخليج الثانية)، في إطار التحضيرات البعيدة المدى والاستعدادات الدولية القائمة لربط نتائجها بمجريات التسوية الأمريكية للصراع العربي الإسرائيلي، ضمن المشروع الأكبر وهو إعادة ترتيب الأوضاع في المنطقة بأسرها، الأمر الذي مهد الطريق لانطلاقة قطار " مدريد".

فأخضع العراق لأكثر من عشر سنوات من أقسى وأطول حصار عرفته البشرية، والذي بدأ يهدده بتآكل بعديه السياسي والاقتصادي بشكل مسبق الأهداف والنتائج.

أورثت سنوات الحصار الطويلة وسياسة الاحتواء المزدوج المتناقضة والتي استخدمتها أمريكا كعصا غليظة لتشديد الحصار، تعاظم المآسي التي أصابت الشعب العراقي بما فيها موت عشرات الألوف من الأطفال، وأكثر من مليون مواطن بريء كانت شكلاً من أشكال حرب إبادة للشعب العراقي بكل معنى الكلمة. تم ربط رفع الحصار بسقوط صدام حسين. ثم تأكد عدم جدوى وجدية الحصار في إنهاء النظام.

أرسلت لجنتان بمهمة " نزع أسلحة الدمار الشامل " وبعد ثماني سنوات لم تقدم اللجنتان أي دليل عليها ولا على نزاهة تطبيق قرارات الأمم المتحدة. وباعتراف لجنة بتلر بأنها كانت أداة للتجسس لمصلحة أمريكا وإسرائيل.

وبعد عملية " ثعلب الصحراء " ك2 98، وطرد العراق لجان التفتيش، شهدت الفترة اللاحقة تراجعاً نسبياً بأعمال القصف الأمريكي البريطاني للعراق، بسبب مجريات الحرب على البلقان، وظهور اعتراضات جدية من قبل باريس وموسكو وبكين على استمرار القصف والمطالبة بتعليق العقوبات.

لقد دعا الحزب وقتئذ ( إلى التعامل بمنتهى الجدية والمسؤولية لتحويل شعار " كسر الحصار عن العراق ووقف العدوان المستمر عليه " من حيز المطالبة إلى حيز التنفيذ العملي. وهذا يحتاج لإرادة سياسية عربية لم تكن متوفرة ضمن معطيات الوضع الراهن ).

كانت نتائج الحصار على العراق الذي أخذ أشكالاًً متنوعة من العقوبات الاقتصادية إلى الضربات الجوية إلى العقوبات الذكية، إضافة إلى سياسة " النفط مقابل الغذاء " بإشراف الأمم المتحدة، غلالاً وفيرة بالنسبة للنظام السوري، الذي أخذ يتعامل مع كل محطة منها بما يمكنه من كسب سياسي واقتصادي.

فكما استثمر وقوفه إلى جانب إيران في الحرب الأولى، فقد استفاد من حصار العراق عبر التجارة غير المنظورة والتي كانت تدر عليه أرباحاً طائلة، ولاسيما بعد تطبيق قرار النفط مقابل الغذاء. فكانت سورية أكبر المستفيدين من عمليات التهريب ومن المبادلات التجارية المباشرة ومن الشراء الرخيص الثمن للنفط العراقي الذي يتم استيراد قسم كبير منه باسم المعونات المجانية من العراق لدول الجوار. بلغ حجم الفائدة السنوية لسورية حوالي ( 2 ) مليار دولار سنوياً.

وجرى تسيير رحلات القطار بين الموصل وحلب والإعلان عن بدء ضخ النفط العراقي عبر الأنبوب السوري وتسيير رحلات تجارية بين البلدين.

ولقد تداولت بعض وسائل الإعلام الخارجية المقروءة والمسموعة في الأشهر الأولى عام 996 معلومات عن حركة واتصالات غير معلنة بين الطرفين السوري والعراقي تهدف لتطبيع العلاقة بينهما ووقف التدهور نظراً للظروف الخارجية.

أبدى الحزب تشككاً وعدم تفاؤل حيال هذا التطور نظراً لعدم جدية الطرفين في إنهاء خلافاتهما ولأن ذلك لن يدخل في صلب الحل الذي يلبي الحاجة الوطنية لوقف التدهور.

"4- مسيرة التسوية في المنطقة - أوسلو- وما تلاها:

أثمرت العملية (السلمية) الجارية بعد انطلاقة مدريد 1991، على المسارين الفلسطيني والأردني (أوسلو ووادي عربة) على التوالي، وكادت أن تصل إلى نتيجة على المسار السوري قبل أن تتوقف في شباط 1996.

حصر اتفاق أوسلو (أيلول 1993) حل القضية الفلسطينية بين الطرفين (إسرائيل ومنظمة التحرير) دون أي مرجعية عربية، قدم خلالها الطرف الفلسطيني التنازل تلو التنازل ولم يستطع عرفات انتزاع وعد بإيقاف المستوطنات عن أراضي الضفة والقطاع إذ بقيت موضع تفاوض في مباحثات الحل النهائي.

شكل هذا الاتفاق مع اتفاقات كامب ديفيد وما سوف تسفر عنه المفاوضات اللاحقة من اتفاقات توثيقاً رسمياً للهزيمة العربية الشاملة، والتي تعود بجذورها لعام 67. فهو يطوي مرحلة من الصراع العربي الإسرائيلي، ويدشن مرحلة جديدة... وينفتح المستقبل على مسارات أخرى مختلفة لم نعهدها من قبل.

استشعر الأردن الخطر القادم إليه من أعماق القضية الفلسطينية وأبدى قلقاً من خطورة النتائج المترتبة عليه لجهة نظامه ومملكته. أما في بيروت فقد اتسمت ردود الفعل بالغضب والاستنكار وأبدى الحكم في لبنان مخاوفه من مشاريع توطين اللاجئين (حوالي 400 ألف).

أما في سورية فقد أخذ رد الفعل شكل انتقاد مرير وحاد طاول شكل الاتفاق دون مضمونه وعبرت السلطة السورية عن ردة فعلها بالقول: إنه اتفاق مفاجئ، وقد دمر جدار التنسيق العربي، وأن كل بند فيه يحتاج إلى مفاوضات خاصة واتفاق خاص الخ...

اضطر النظام إلى تليين موقفه عبر إعادة الاتصال مع الأمريكان واستقبال عرفات في دمشق، واعتماد تكتيك دفاعي محض مع احتفاظه بحق انتقاد الاتفاق واحتضان معارضيه من الفلسطينيين، واستنفار الجهود في لبنان لإحكام القبضة السياسية عليه والإمساك بآخر ورقة بقيت له. ورفع مستوى التنسيق والإلحاح على وحدة المسارين السوري واللبناني، وبقي يدعو لاستئناف عملية السلام والالتزام بتعهداتها وفقاً لصيغة مدريد التي يجري العمل الآن لتجاوزها ولإكمال التفاوض. لكن بوادر الأزمة الضاغطة على السلطة السورية جراء اقتراب استحقاق التسوية بدأت تتوضح بسبب صلتها الوثيقة بالأوضاع الداخلية للبلاد.

وقد سجل الحزب موقفه بموضوع دعوة السلطة الفلسطينية للتهديد بإعلان الدولة الفلسطينية في 4 أيار 1999 بالقول: إن موضوع الدولة هدف استراتيجي، لا يجوز استخدامه كورقة ضغط تكتيكية من أجل تنشيط المفاوضات. وقد يكون الرد الأنسب في سياق مجمل الظروف القائمة هو إعلان الجانب الفلسطيني تنصله من جميع الالتزامات المفروضة بموجب اتفاق أوسلو والاتفاقات اللاحقة بسبب عدم إيفاء الجانب الإسرائيلي بالتزاماته. ودعا إلى حوارات في أوساط "التجمع الوطني الديمقراطي" وفي أوسع دوائر مجتمعنا من أجل وعي جديد يتصل مباشرة بالنتائج التي سوف تتمخض عنها الاتفاقات المرتقبة لعملية التسوية والترتيبات الخاصة بمستقبل المنطقة التي يعمل الأمريكان على إنجازها بعيداً عن الأنظار.

"5- الأزمة الاقتصادية

شهدت السنوات الأخيرة من عهد الأسد / الأب / تطوراً متسارعاً لتجليات الأزمة الاقتصادية وأصبح بإمكان أي متابع لأوضاع سورية الداخلية أن يلاحظ عمق واتساع حالة الركود الاقتصادي السائدة في البلاد منذ بداية عام 1995 ودخولها في أطوار نوعية بدأت تضغط بأثقالها على مختلف مجالات الحياة واشتداد وطأتها على معيشة المواطنين التي وصل تدهورها إلى مستويات أخذت تهدد بالخطورة، وترافق ذلك مع خلل غير مسبوق بإعادة توزيع الثروة الوطنية الذي تفاقم في السنوات الأخيرة مخلفاً مساحات من البؤس والعوز وتاركاً الأكثرية الساحقة من الشعب ترزح تحت وطأة المعاناة والحاجة.

وتظهر الأرقام السورية الرسمية انكماشاً في الناتج المحلي بنسبة 4,4% عام 1997 مع تسجيل عجز في ميزان المدفوعات هو الأول من نوعه منذ عام 1989. على الرغم من الازدياد الكبير في عائدات البلاد من النفط في السنوات الأخيرة حيث يشكل النفط 55% من صادرات سوريا، وتراجعت قيمة الصادرات السورية بنسبة 30% بين عامي 1997- 1998 كما تشير التقديرات الفعلية إلى وجود نحو 60% من السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر في مناخ بلغت فيه نسبة البطالة أكثر من 20% من قوة العمل.

شكل الفساد ومستعمراته المافيوية باستيلائها على المال العام واستباحة أملاك وأموال الشعب والتعامل مع قطاع الدولة كبقرة حلوب لجمع الثروات، شكل مع غيره من الانحرافات والتشوهات الآفة الرئيسية التي وضعت البلاد في مأزق لا سبيل إلى الخروج منها والذي بدأ يأخذ ذرا جديدة، فشلت المعالجات في حلها. وفي ظل الغياب الكامل للمحاسبة والإفلات من رقابة المجتمع، اتخذ الفساد في سورية أبعاداً خطيرة ليس لأنها تزيد كثيراً من الهوة بين الطبقات الاجتماعية وحسب، بل لأنه التوأم الحقيقي لزيادة الاستبداد. وظهرت استحالة الإصلاح بسبب الارتباط العضوي لمتلازمة الفساد والاستبداد.

في الأعوام الأخيرة من عهد الأسد الراحل كانت تتركز الأسئلة عن قدرات هذا النظام السياسي الذي بني على أسس خاصة واستثنائية في بعض وجوهها.

ومن هذه الأسئلة: مدى قدرة هذا النظام المتكلس على إنجاز التحديد النهائي لموقع سوريا الإقليمي والخارجي عبر خطر مسألة مصير التسوية مع إسرائيل التي طرحت على البلاد ملفات كثيرة كان أهمها

- التسوية ومتطلباتها السياسية والاقتصادية.

- الملف اللبناني ومستقبل الدور السوري فيه في ضوء المتغيرات والتسوية السياسية.

- انعكاسات الملفين السابقين على الأوضاع الداخلية ومن ضمنها عقبتي الاقتصاد – الخلافة.

أقدمت السلطات السورية في منتصف التسعينات على اقتحام أحد قصور رفعت الأسد في اللاذقية وخلفت المعركة أعداداً من القتلى والجرحى والمعتقلين والمسرحين وقد عكست هذه الحادثة أولى عقبات الخلافة ومظهراً من مظاهر الصراع على السلطة.

وكان تقدير الحزب أن ورقة رفعت قد تستخدم للضغط على السلطة واستخدامها من قبل الأمريكان أو بعض العرب عند اللازم، أما إذا سارت المفاوضات مع إسرائيل فإن مصير هذه الورقة سلة المهملات.

استجابت السلطة السورية لمطلب استئناف المفاوضات مع إسرائيل 6/12/1999 نتيجة جملة من التطورات، كما كان للراعي الأمريكي الباع الأطول في التحضير والاتصالات، ولقد مورست ضغوط على السلطة السورية بلغت حد التحذير فيما يتعلق بقرار إسرائيل الانسحاب من جنوب لبنان في أيار 2000 ولقد رأت السلطة السورية واللبنانية والمقاومة في إعلان الانسحاب من جنوب لبنان نوعاً من الضغط لإجبار سوريا على قبول المفاوضات للوصول إلى اتفاق على المسار اللبناني، وأن يضمن السوريون والسلطة اللبنانية أمن شمال إسرائيل.

شهد عام 2000 تغيرات كبيرة في سوريا ولبنان وفلسطين فلقد تحرر الجنوب اللبناني 26/5/2000 وخرجت القوات الإسرائيلية دون قيد أو شرط بعد احتلال دام /22/ عاماً مترافقاً مع الوجود السوري في لبنان، وتم في سوريا الإفراج عن دفعتين من المعتقلين السياسيين في نيسان وتشرين ثاني من العام نفسه رافقها تدشين ما عرف ( حملة على الفساد ) سلطت الضوء على درجة الفساد المذهلة في المراتب العليا من أجهزة السلطة والتي بلغت ذروتها بالإطاحة برئيس الوزراء ( الزعبي ) ثم تم إيقافها لأن سيرورة استمرارها تتجاوز كثيراً المعادلة الإصلاحية القائمة، إصلاح قاعدته "الاستقرار" وسياقه "الاستمرار".

لقد فتح الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان أول ثغرة في جدار الحضور السوري المفروض على لبنان وشكل أول منعطف نحو مرحلة جديدة نوعيا. فلقد تراجعت إسرائيل إلى ما وراء الحدود في لبنان وتراجعت معها مبررات الوجود السوري الذي كان أحدهما حجة للآخر. لقد أفسحت فترة المفاوضات الطويلة لسورية و إسرائيل على الانسحاب من لبنان مجالاً رحباً لديمومة الوجود السوري فيه وكم كان مفاجئاً ومربكاً إعلان نهاية الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان، فهو اعتراف إسرائيل بالهزيمة تحت ضربات المقاومة التي كانت سورية طرفاً فيها وطويت صفحة الجنوب لتبقى صفحة الجولان الذي بلا مقاومة محتلاً لأزمان مرهونة باستعداد أحد للتطوع للمقاومة فيه.

الفصل الرابع

الأوضاع العامة

بين عامي 2000-2005

رئيس جديد لنظام شائخ

شهد العام 2000 إلى جانب وفاة الرئيس حافظ الأسد تطورات إقليمية ودولية هامة، ما زالت تلقي بظلها على الوضع السياسي الداخلي والإقليمي لسورية. مثل انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان (أيار 2000) بعد 22 عاماً من صدور القرار/425/ الذي اندرج ذلك الانسحاب في سياقه. وفشل قمة كامب ديفيد الثانية في تحقيق اختراق على الجبهة الفلسطينية، وتصاعد التجاذبات الدولية والعربية لحصار العراق المستمر منذ عشر سنوات. وتوج ذلك بقدوم إدارة أمريكية جديدة متطرفة يقودها اللبراليون الجدد.

في هذه الأجواء وصل بشار الأسد إلى سدة الرئاسة، بعد أعوام من الإعداد المدروس والمباركة الدولية. وكان قد باشر بعض المهام الخاصة في السنوات الأخيرة من حكم والده تحت عناوين مثل "مكافحة الفساد" و "الإصلاح الاقتصادي والإداري". ففي نصف ساعة تأمن الغطاء الدستوري لترشيحه للرئاسة، عبر تعديل المادة /83/ من الدستور، واستصدار مرسومين أحدهما بترقيته إلى رتبة فريق، والآخر بتعيينه قائداً عاماً للقوات المسلحة. ثم قام المؤتمر القطري لحزب البعث بانتخابه أميناً قطرياً، ورشحته القيادة القطرية لمنصب الرئيس. ثم تحدد يوم 10/7 موعداً للاستفتاء، الذي كانت نتيجته 97,29%. وجرى في 17/7 تنصيب الرئيس الجديد، وأدى القسم الدستوري.

بنفس العقلية ونفس الأساليب، استدعيت الآلة الدعائية للنظام بحشود في الشوارع، تهتف بنفس الشعارات التي استهلكت في عهد والده، في إشارة واضحة إلى أن القديم باق على قدمه. وحشدت جهود الحزب والجبهة والنقابات والمنظمات الشعبية وغرف التجارة والصناعة تعبيراً عن المباركة والتأييد، قبل أن يظهر أي جديد في برنامج الرجل. وكان للدور الأمريكي أثر واضح في إضفاء الشرعية على النظام الجديد، وعلى حسم تردد بعض القوى الداخلية والخارجية حياله. وبدا الشعب السوري كمن يتفرج على صنع مصيره، تتقاذفه مشاعر الإحباط واللامبالاة وانعدام الحيلة.

ابتعد خطاب القسم عن الشعارات الفضفاضة الصاخبة من إرث الماضي، لكنه تمسك بصيغة "الجبهة" داخلياً، وبالسلام كخيار استراتيجي خارجياً. وتضمن بعض الإيحاءات ذات الدلالة الإيجابية بحديثه عن "دور المؤسسات" والاعتراف "بالرأي الآخر"، ودعوته إلى "الشفافية" و "نقل الديمقراطية إلى حيز الممارسة"، مقرناً كل ذلك باشتراطات خاصة، تظهر بوضوح أن السلطة خط أحمر، وأن لهذه المفاهيم معنى آخر في ذهن الرجل. لكن هذا الخطاب سوف يشغل الحياة السياسية في البلاد، ويحرفها عن محور جهدها الرئيس، ويهدر بعض طاقتها بما حمله من إشارات متناقضة ومضللة، إلى أن حسم الأمر صاحبه عندما صرح بأن "البعض أساء فهم خطاب القسم"، مما أتاح للواهمين أن يخرجوا من وهمهم، في مناخ تسوده الدعايات والتسريبات والرغبات المنعكسة، ويتسم بالضبابية وعدم اليقين.

وفي هذا الوقت الذي بدأت تظهر فيه تناقضات أطراف النظام من أصحاب المصالح القديمة والجديدة المختلفة، وتعبر عن نفسها هنا وهناك، فترتفع أسماء وتغيب أخرى بارتجال بارز، دون أن يعبر عن رؤية واضحة أو نهج مجدد، كان عامة الناس يحضنون مشاكلهم الخاصة، وينتظرون تحسناً بأوضاع المعيشة. في حين بدأ بعض المثقفين ورجال الأعمال بتجاوز حاجز الخوف والانخراط بنشاطات وحوارات وطنية عامة، تثير الأسئلة المشروعة والحقيقية للبلاد، والتي بقيت لأربعة عقود في دائرة الممنوعات.

شهد العام الأول من عمر النظام القديم/الجديد انبعاث حركة نشطة في أوساط الأحزاب المعارضة، وبدأت تظهر ملامح الحيوية الإيجابية من قبل بعض الفعاليات الثقافية والاجتماعية للتعبير عن احتياجات الشعب، وإعلان مطالبه في الإصلاح السياسي والتغيير الديمقراطي، عبر الكتابة وعقد الندوات وإصدار البيانات مثل بيان 99. وتم إطلاق فعالية اجتماعية ثقافية لإحياء المجتمع المدني، وتأسيس المنتديات وجمعيات حقوق الإنسان سميت "ربيع دمشق". وكرد سريع على ما يجري، قامت السلطة بتسميم هذه الأجواء، عبر تحريك الأدوات والأتباع للاعتراض والإرباك وصولاً إلى التخوين الذي تكرر على لسان أكثر من مسئول في أعلى هرم السلطة، ووصل الأمر أخيراً، إلى اعتقالات أيلول 2001، التي وضعت حداً للتكهنات حول نوايا النظام. فتم إغلاق المنتديات وكبحت النشاطات إلا أقلها.

تقدمت السلطة بعدها إلى رفع شعار "الإصلاح" وتفريعاته، الاقتصادي أو الإداري أو الحزبي، لكن صحف النظام وحدها كانت المروج والمستهلك لهذه البضاعة الكاسدة.

كبيرة هي أعباء التركة التي آلت إلى الرئيس الشاب، أهمها جمود الحياة السياسية في البلاد وتعطيلها. إلى جانب تهميش الدور الإقليمي لسورية، وخسارة أوراقها واحدة بعد الأخرى. وبروز صعوبات في العلاقات مع دول الجوار. إلى جانب تعمق الركود الاقتصادي، واشتداد الضائقة المعيشية للشعب، وتراجع في الموارد العامة للدولة. وقد بدا واضحاً أمام النظام أنه لم يعد بإمكانه أن يسوس البلاد كما فعل في عقدي الثمانينات والتسعينات وبنفس الوسائل والأساليب. فهو يواجه تحديات تتطلب إجراءات مؤلمة، وتوجهات متباينة وأحياناً متناقضة. وفي كل الحالات تفرض عليه الحركة في محيط غير ملائم ومليء بالمخاطر. يأتي في أولها إعادة تحديد علاقاته بالخارج على ضوء المتغيرات الإقليمية والدولية، وإعادة ترتيب البيت الداخلي الذي تآكل بفعل الشيخوخة والعطالة، حيث تهتكت مؤسسات الدولة وسمعتها، واستفحلت الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وعم الفساد بشكل غير مسبوق. وفي نفس الوقت فهو يواجه مهمة تأمين استمرار سيطرته وإحكام قبضته على المجتمع في ظروف مختلفة، وفي مناخات صار التغيير وتقديم التنازلات اتجاهاً وحيداً فيها.

أصدرت الرئاسة سيلاً من القوانين والتشريعات التي تعمل على تحرير الاقتصاد وخاصة القطاع المالي والمصرفي، وفق توجهات تهم الخارج، وتلبي متطلبات الأوساط التجارية والاستثمارية في البلاد. فتم تعديل قانون الاستثمار لعام 1991 وإلغاء المراسيم السابقة المتعلقة بالقطع الأجنبي، وإصدار نظام النقد الأساسي وقانون مصرف سورية المركزي، والقانون الذي أجاز تأسيس مصارف خاصة ومشتركة، إضافة إلى قوانين الإيجارات واعتماد الخطة الخمسية التاسعة والبرنامج الوطني لمكافحة البطالة، واعتمدت توجهات لتخفيف الأعباء الضريبية، وتخفيض رسوم التركات.

تميزت هذه المرحلة باعتراف السلطة مباشرة أو عبر إعلامها ب:

1- وجود الأزمة العامة في البلاد.

2- المشاكل البنيوية للاقتصاد السوري.

3- تردي أوضاع القطاع العام وخسارته التي وصلت إلى /75/ مليار ليرة عام 2001.

4- الإخفاق في جذب الاستثمارات العربية والأجنبية.

5- استفحال مشكلة البطالة وعجز الدولة عن الإنفاق الاستثماري.

6- تراجع الموارد العامة للدخل الوطني.

وهنا بدا الارتباك والتردد واضحين على برامج السلطة "الإصلاحية" العامة والجزئية، نتيجة لاضطرارها إلى اعتماد إجراءات وأساليب تتناقض كلياً مع خطابها الإيديولوجي وتوجهاتها السياسية التي تجاوزها الزمن، وتبتعد بهذا القدر أو ذاك عن الدستور وميثاق الجبهة وكثير من القوانين الاقتصادية والإدارية الناظمة لعمل الدولة.

شكلت الحكومة أولاً لجنة /18/ ثم لجنة /35/ وفي تموز 2002 "برنامج الإصلاح الاقتصادي" الذي لم يثر اهتمام أحد، لأنه أقرب إلى برنامج حكومي فاشل منه إلى مشروع إصلاح اقتصادي، ليس فيه إلا الوعود. وخلال هذه الفترة، بدأ يتبلور تياران بشأن الإصلاح الاقتصادي- داخل السلطة وخارجها-.

الأول: ليبرالي يهتم بالنمو الاقتصادي والربح، ويدعو للوصفات العالمية للإصلاح، دون الاهتمام بالآثار الاجتماعية لبرنامجه.

الثاني: تنموي يزاوج بين المهام الاقتصادية والاجتماعية، يتمسك بالقطاع العام مع الدعوة لإصلاحه والمحافظة على الدور الحمائي والتدخلي للدولة.

وهناك اتجاه تجريبي، يدعو لإعادة هيكلية القطاع العام من أجل الخصخصة والبيع، تلبية لمصالح أصحاب المناصب الريعية وشركائهم من المافيات الذين اغتنوا من المال العام ويريدون الاستيلاء على الاقتصاد. وأخيراً حسمت الحكومة موقفها في نهاية 2004 بالتوجه نحو اقتصاد السوق بإعلان رسمي.

كانت مواقف القوى متباينة إزاء الطروحات الإصلاحية للسلطة. ففي حين التزمت أطراف النظام "الجبهة، بخيارات السلطة مع بعض التباينات الجزئية، استندت المعارضة إلى موقف التشديد على المسألة السياسية كمدخل للخروج من الأزمة الاقتصادية والسير بطريق الإصلاح، ولم تقدم عبر وثائقها غير الملاحظات والانتقادات والتوجهات العامة. أما حركة المثقفين فقد خلت وثائقهم من أي تصور لمستقبل الوضع الاقتصادي في البلاد.

جاء احتلال العراق في نيسان 2003 ليعري النظام السوري، ويضعه مكشوفاً أمام شعبه ودول المنطقة والقوى العالمية. ولأول مرة يستشعر النظام خطراً حقيقياً يهدد وجوده بالكامل. فانهيار النظام الاستبدادي المثيل في بغداد كان بالنسبة لكثيرين في الداخل والخارج"بروفه" لما يمكن أن يتكرر في دمشق. وبدا أن النظام الذي فقد مقومات استمراره بدأ يترنح. فالوضع الجيوسياسي الجديد في المنطقة أحكم الخناق حوله، والوجود الأمريكي المباشر عطل أدوار الوكالة والاستنابة التي عاشت عليها السياسة السورية طوال عقدين من الزمن، وانطفأت الأضواء الخضراء أمام سياسة النفاق واللعب على الحبال التي أتقنها النظام، ولم تعد دروب المقايضة سالكة، إذ لم يعد لدى النظام ما يقايض عليه فالهيمنة الأمريكية – الإسرائيلية على المنطقة انتزعت كل الأوراق أو كادت، وصار النظام في مرمى المدى المجدي.

ولم يكن تصريح الرئيس الأمريكي أن "الحرية سوف تمتد من طهران إلى دمشق" غير إعلان لاتجاه الضربة القادمة. ثم تتالت رسائل العنف الإسرائيلية – الأمريكية عبر الإغارة على عين الصاحب، واغتيال القادة الفلسطينيين بالسيارات المفخخة في قلب دمشق، لتفضح في العلن ما هو معلوم علم اليقين من تهتك النظام ومؤسساته وعجزه عن حماية البلاد والشعب، وانعدام قدرته على الدفاع عن نفسه أيضاً، في وقت ينعدم فيه وجود أي ظهير له عربياً وعالمياً. قدم النظام قدراً كبيراً من الاستجابة للمطالب الأمريكية على الصعيد الأمني في برامجها لمحاربة "الإرهاب" في العراق وعلى صعيد المنطقة. وحاول التلويح بالورقة اللبنانية التي يمسكها، مشيراً إلى أهمية دوره هناك وقدرته على الفعل. كما حاول الاستفادة من الغطاء الأوروبي الذي يمكن أن تقدمه اتفاقية الشراكة المتوسطية مع أوروبا، من أجل التخفيف من الضغط الأمريكي الكبير وقد تصاعد عبر قانون محاسبة سورية في مجلس الشيوخ الأمريكي. إضافة إلى القيود التجارية والمالية التي فرضتها الإدارة. وبقي النظام في عزلة، لأن جعبته فارغة، فلم يستطع أن يقدم داخلياً غير زيادة طفيفة على الرواتب، ومنحة هزيلة لم يكن لهما أثر يذكر في نيل رضى الناس، أو التأثير في حركة السوق. ولم تستطع التغييرات الحكومية المتتالية، واستبعاد بعض القادة العسكريين والأمنيين المزمنين عن مواقعهم، وإطلاق سراح بعض السجناء السياسيين، والإعلان عن إصلاح في الحزب والجبهة، أن يعطي انطباعاً بولادة أي جديد في البلاد. كما لم تنفع الحركة النشطة ومسلسل الزيارات الرسمية العربية والدولية أن تخفف من أثر العزلة.

وخلال أحداث القامشلي آذار 2004، وما تلاها، برهن النظام أن لا شيء يتغير في سورية، وذلك عبر إصراره على اعتماد الحلول الأمنية فقط لمعالجة القضايا السياسية والاجتماعية، واستمراره في تجاهل هذه المشاكل ونكران وجودها أصلاً، ومحاولته تأليب بعض الفئات الاجتماعية ضد بعضها الآخر، دون إدراكه لمخاطر سلوك كهذا على الوحدة الوطنية. وإذا أضفنا محاكمات نشطاء حلب الأربعة عشر، وعقوبات الفصل من الجامعة في صفوف طلبة كلية الهندسة ومحاكمة بعضهم، إلى التصدي الصارم للاعتصامات والتظاهرات السلمية وتفريقها بالقوة، ومنعها من التعبير عن تضامنها مع المعتقلين السياسيين وقضايا حقوق الإنسان في البلاد، واستمرار النظام في تجاهل المطالب الشعبية التي ترفعها القوى الوطنية والديمقراطية نكتشف بوضوح المحور الأساس لتوجهات النظام وهي تقديم التنازلات إلى الخارج فقط والإصرار على إبقاء البلاد في حالة الاحتقان السياسي تعيش مع أزماتها المتعددة في حالة استعصاء. في الوقت الذي يقدم فيه تنازلات ملموسة للأمريكيين على الجبهة العراقية، والتساوق مع مشروعهم للشرق الأوسط الكبير. ويقدم عروضاً من جانب واحد للقاء مع الإسرائيليين في مفاوضات غير مشروطة من أجل التسوية. نقول: في هذا الوقت، ما زال يوصد الأبواب أمام الانفتاح على الشعب، وإتاحة إمكانية الحوار مع المجتمع وقواه الحية لتحقيق انفراج ديمقراطي،تحتاجه البلاد كمقدمة من أجل التغيير. ولم تكن مغامرته غير المحسوبة جيداً على الصعيد اللبناني، والتي أدت إلى استصدار القرار الدولي /1559/ غير عمل طائش زج نفسه والبلاد فيه نتيجة حسابات خاطئة، ومحاولة يائسة لاستعادة دور مفقود.

راهن النظام على المصاعب الأمريكية في العراق، وعلى قدوم إدارة أمريكية نتيجة انتخابات 2004 في استمرار كبحه لإرادة التغيير، لكنه خسر الرهان. ويراهن الآن على دور مصري يبعده عن دائرة الاستهداف، وعلى استجابة إسرائيلية لمفاوضات ترعاها الولايات المتحدة وتنال رضاها. ويعمل في نفس الوقت على خلط الأوراق وتبديد جهود الطيف الديمقراطي المعارض الذي يعمل على إثبات استحقاق التغيير وراهنيته، معلناً أنه قوة الفعل الوحيد في سورية.

الآن، وبعد أربع سنوات لا حصيلة لها من حكم بشار الأسد، تبدو السلطة كمن يدير الأزمات، يراكمها ويفاقمها، ولا يستطيع مقاربتها بحلول جديدة وجادة، لأن ذلك يمس مباشرة بنية النظام وطبيعته وطرائق عمله ومصيره. فهذا النظام وما يمثله صار نشازاً غير قابل للاستمرار في حياة السوريين وفي المنطقة، وقد أصبح شيئاً من الماضي. إنه لا يريد التغيير، أو أنه عاجز عن فعل ذلك، في الوقت الذي يشكل فيه التغيير قدر سورية القادم.

لقد وقع النظام في أخطاء فادحة بسياسته الخارجية، وهو لا يزال يمارس تقريباً السياسة الخارجية نفسها من أيام الحرب الباردة. ولم يستوعب العلاقة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وأوربا، إذ أعطى الخلاف بين الطرفين بعد حرب العراق وزناً لا يتفق مع الواقع؛ وهذا ما أدى لأن يفاجأ بالموقف الفرنسي خصوصاً والأوربي عموماً في الأزمة اللبنانية والقرار 1559. فالنظام لا يزال يستخدم في سياساته الخارجية سياسة اللعب على الحبال كما كان يستخدمها الرئيس الأب أيام الحرب الباردة، في الوقت الذي تغير فيه الواقع الدولي جذرياً من واقع معسكرين إلى قطب واحد.

الفصل الخامس

الوضع العربي والإقليمي

العالم العربي في المرحلة التي نعيشها، و لزمنٍ قادم لا يمكن تحديده، هو في حالٍ من التمزق والتبعية وانعدام الوزن لم يمرَّ بها من قبل. فهنالك انهيار شبه كامل في العمل العربي المشترك، وانحدار هائل في العلاقات البينية السياسية، ومراوحة في المكان إن لم نقل تراجعاً في العلاقات البينية الاقتصادية والفكرية والثقافية. هذا الانكفاء المخيف ينعكس بشكل مكثف في تلك المواقف العربية المتهالكة، إزاء ما يحدث من مآسٍ وكوارثَ وتجزئة في كلٍ من فلسطين والعراق والسودان...إلخ. ولاتتنافى هذه النظرة إلى الأوضاع العربية، مع ملاحظة بعض الإيجابيات، كالحراك الديموقراطي في مصر ولبنان، أو حتى في الجزائر والسعودية وسورية.

هذا الوضع العربي هو محصلة عوامل رئيسية لا تزال تتحكم بممارساتنا السياسية، وتشكل محددات لها. من أهمها:

"1- إخفاق الحركة القومية العربية؛

لقد أخفقت البلدان العربية، خلال ربع القرن الماضي الذي شهد تبلور التكتلات الدولية الرئيسية الفاعلة اليوم، في التوصل إلى أي شكلٍ من أشكال التوحد أو الاندماج أو التعاون ، يسمح بتجاوز تفككها وتشتتها وتخطي الضيق الذي تمثله حدودها وأسواقها الوطنية الصغيرة.

لقد كرَّس هذا الإخفاق استمرار التشتت العربي، ومهَّد الطريق لتشديد الهجوم على الفكرة العربية ا