درس سوري جديد في الإنصاف!

0
173

عندما يسود القانون نقول:" مرحبا ياقانون "، وعندما يختفي القانون نقول مرحبا يا حيونة!( من الحيوانية).

 هذه الكلمات قالها شيخ كبير من شيوخ العشائر رحمه الله،  رغم أنه ابن التقاليد ويُعتبر وجها من وجوه العشائر، التي تسعى للصلح حين يعجز القانون ، ورغم أنه يدعم القانون ويفضل أن يكون له السيادة، إنما كان يعود لأصوله العشائرية، حين يرى انحياز القانون وإجحافه بحق الضعيف، واقترافه للظلم باسم وتحت يافطة القانون، فيقول كلمته الشهيرة 🙁 الآن يصبح دق الحيونة ضرورة)!.

بعد مرور ما يقارب الثلاثة عقود على هذا الكلام، أجد أن وطننا السوري يعود القهقرى، مع أننا كنا نأمل أن نخرج من ثوب التقليد وثوب العشائرية وثوب الطائفية لنرتدي زياً موحداً يسمى الزي السوري الوطني، لكن ماحيلتنا؟! وفي كل يوم يطالعنا من يمسك بزمام الأمر والنهي والقيادة للدولة والمجتمع بقانون تعجز أعظم الطغاة وأعتى الديكتاتوريات عن الإتيان بمثيل له؟!..قوانيننا التقدمية الوضعية في دولة البعث العلماني !! تمنح قاتل ( الشرف) رخصة وفتوى بالقتل، لأن مشاعره العِرضية ( بكسر العين) قد مُسَّت من امرأة تقرب الذكر الفحل في الوطن الحريص على ذكوره والمضحي بإناثه ، لأنها تأتي في آخر القائمة وفي نهاية التدرج الإنساني وتوضع بمصاف الرق الجديد حديث العهد والتوصيف بغض النظر عن لونه…مكتفين بجنسه النسوي فقط…وخاصة حين تسخر منها امرأة تتسلم زمام وزارة أشكر من سماها ( بوزارة العطالة والبطالة) ، فهي لا تتقن سوى التطبيل والتلفيق وتضطهد المرأة مثلها، وتعتبر أن مقتل بضعة مئات من النساء سنوياً أمراً عادياً ولا يستحق تغيير القوانين أو حتى زحزحتها، لأن نظامها بعد العد والحسبة سيخسر بعض الأصوات السلفية والعشائرية الموالية ! ــ هذه هي نماذج وزيراتنا التقدميات في السلطة السورية، وأدعو الله أن ينجيكم من براثن وخرمشات أظافر السيدة وزيرة  الشؤون العقابية المُغرقة في التجهيل والتعتيم، ويبدو أن المرحوم " فرويد" قد قابل شبيهتها حين خرج بنظريته عن العقدة الذكورية لدى بعض النساء!.

لم تتوقف المواد والمراسيم القانونية عند هذا الحد من التفريق والتمييز، بل وصل بها إلى أن تسمح بالقتل والتعذيب وإراقة الدماء ونبش كل العادات الثأرية وإعادة الوهج لها لتتصدر وتسود، فتصبح الصورة السورية أشبه بشريعة الغاب، يصدر قانون عدم محاسبة مُرتكبي الجرائم والتعذيب أو تعريضهم للمحاكمات، إلا على يد المحاكم العسكرية ، التي ترسلهم لاصطياد كل من تسول له نفسه عدم الانصياع لرغبة هذا الضابط أو ذاك، وعدم دفع هذه الخُوَّة أو تلك ، التي يحتاجها بطن جنرال من جنرالاتنا التي تكبر كروشهم وتزداد شراهتهم الفسادية يوماً بعد آخر وطرداً مع ازدياد تسعيرة المواد الغذائية، التي تكسر ظهر ورقبة المواطن السوري، الذي لم يعد بينه وبين الجوع سوى مسافة قصيرة جدا وتتضاءل مع قدوم الشتاء ولكم على سبيل المثال: ( سعر كيلو لحم الضان يعادل 650 ليرة سورية، ومتوسط دخل المواطن لا يتجاوز العشرة آلاف)!، أقترح أن يتقاضى الموظف صاحب الدخل المحدود خروفا كل آخر شهر بدلا من الراتب وخاصة أن السيولة النقدية تسير إلى انحسار، هذا إن بقيت خراف وقطعان ماشية في سورية مع موجة الجفاف والتصحر وانحباس المطر وانحباس الهواء والحريات وارتفاع منسوب الفقراء وتضخم في جيوب الأغنياء الجدد من أبناء السلطة.

هذا ما ينقلنا إلى ماحدث في  بلدة المشيرفة الحدودية من استهتار بحياة المواطنين ومن انعدام لقانون ومحاولات القتلة لمحو آثار جرائمهم بحرق مكان الجريمة وتوسيع أماكن الطلقات…الخ، وعدم أخذ الأمر بعين الاعتبار من قبل الهيئات المسئولة والقيام بدورها في تطبيق القانون وحماية حياة الإنسان المسالم في قريته، أعتقد أنها بذلك تساهم بشكل فعلي وتدعم بل وتنبش عادات الثأر العشائرية إلى الواجهة، لأن المواطن الذي لا يحصل على حقه حين يُقتل ابنه بالقانون،  سيلجأ إلى عقليته العشائرية ويقتص من القاتل بيده، أهذا ما يريده النظام وسلطة العسكر والقاتل، الذي ادعى أنه تلقى أوامر القتل من هيئات عليا؟!!، ليست هناك هيئات أعلى من حق الحياة، وليست هناك يد تستطيع أن تخطف بسهولة حياة إنسان، وليس هناك قانون يسمح لقاتل أن يسير متبختراً بحجة أنه نفذ أوامر عليا، فلا عالي إلا القانون وعندما يعجز القانون نتذكر قول شيخنا المرحوم ( يصبح دق الحيونة ضرورة) ، أي لن يبقى إلا شريعة الغاب،  وكل من يستطيع يأخذ حقه بيده، لكن الضعيف المظلوم من سيكون نصيره؟.

لو حدثت الواقعة في منطقة حوران أو جبل العرب، أو في الجزيرة حيث تنتشر العشائر الكبرى ومعظمها مسلحة، هل سيجيب هذا الضابط القاتل نفس الإجابة؟ وهل سيستطيع الظهور والتجوال بنفس الوضوح والطريقة؟.

لا تخلو أخبار النظام كل يوم من جريمة جديدة وحماية أكيدة للقتلة، فاهتمامها منصب فقط على حياة ضباطها الكرام وعناصر مخابراتها لأنهم الأعلى كعباً وقيمة إنسانية بعرف النظام! ، أما المواطن العادي فسيبقى القربان المستديم لاستدامة النظام وحراسه، فمقتل الشاب " 26 عاما " أحمد رمضان في مفرزة الأمن بمعرة النعمان وإلقاء جثته من خلف السور إلى الشارع، أمر سيبقى في ذاكرة أهل المعرة ، التي لم تنس بعد ضحاياها أول الثمانينات من القرن المنصرم على يد حكومة الوالد مصحح سورية !" نسبة للحركة التصحيحية"، التي يبدو أنها كانت عرجاء قبل قدومه، فقام بفك رقبتها وساقها فقوَّمَها لتصبح مُقعَدَة يمكنه قيادتها بعجلاته القانونية المُصَحِحَة للدستور والمُفَصِلة له على قياس أسرة النظام، فكيف سيُنصف أهل الأمن أهل رمضان ومعرته النعمانية؟..ربما على طريقة إنصاف المشردين المنكوبين من سكان سفح قاسيون، والذين باتوا في العراء بعد انهيار منازلهم!…العراء سيكون من نصيب معظم سكان أحزمة الفقر والبناء العشوائي ، الذي سمحت به السلطة ، لأنها تخجل  ربما! من عدم قدرتها على تأمين سكن معقول لأبناء الوطن، فتركتهم للأقدار وعواصفها وانهياراتها تتدبر أمرهم ، لأن الحكومة لن تُكَّسِر رأسها بكم ألف فقير دون مأوى ، دون غذاء أو كهرباء أو مدارس، ثم بدون قانون!! وهل الفقير يستحق القانون؟ وهل الضعيف يستحق القانون؟ بعرف النظام السوري هذه طريقة مضمونة للتخلص من نسبة الفقراء وتقضي على الفقر والمطالبين بالإنصاف!.

فهل أنصفت سجناء صيدنايا وما جرى لهم حتى اليوم؟ وهل ستنصف معتقلي إعلان دمشق يوم الأربعاء القادم؟ .

إنها تخترع دروسا حديثة في محاربة الفقر والظلم الاجتماعي، القتل رحيم إن جاء من سفوح الجبال وانهدامها، وغير رحيم لكنه مسموح به قانونياً، إن جاء على يد ضابط ينفذ أوامر عليا!.

 

ــ باريس 26/10/2008

 

 

 

اترك تعليق