من فترة انتظار إلى أخرى؟!..

0
773

لعل ما يميز الوضع في الشرق الأوسط، انتقاله من فترة انتظار إلى أخرى. فالفترة الأولى تميزت بانتظار عربي فلسطيني لجهود الإدارة الأمريكية الجديدة، حين قدمت مبادرة تقوم على وقف الاستيطان وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة. ففي حال قبول إسرائيل بها، يصبح الباب مفتوحاً أمام المبادرة العربية لحل الصراع العربي- الإسرائيلي. فالمبعوث الأميركي ميتشل الذي قام بجولات عديدة من أجل هذه الغاية، يتعثر حتى الآن في تليين الموقف الإسرائيلي تجاهها، بل يعتبره البعض قد فشل في مهمته هذه.


تعود أسباب التعثر إلى عوامل عدة. أولها؛ صعود التوجه اليميني العنصري في المجتمع الإسرائيلي الذي تمثل بنتائج الانتخابات الأخيرة وحكومة منتنياهو. والثانية تعود إلى طبيعة العلاقات الحميمة بين الدولتين، فهذه الإدارة لم تستخدم وسائل الضغط المتاحة لها لحمل إسرائيل على القبول بمبادرتها. أما الثالثة فتعود إلى ضعف الطرف الفلسطيني والنظام العربي، مما يجعل أدوات الضغط المحلية والإقليمية على إسرائيل هشة، ويحرم الجهود الدولية عموماً والأميركية على وجه الخصوص من نقاط الارتكاز في مسعاها. حتى الآن لا توجد مواقف عربية مشتركة وموحدة تجاه القضية الفلسطينية، وكذلك تجاه الصراع العربي الإسرائيلي. ولا شك أن الانقسام الفلسطيني-الفلسطيني يزيد من الضعف العربي، وبالتالي يشجع إسرائيل على الابتعاد عن الخوض في الحلول النهائية، وهذا بالضبط ما صرح به وزير خارجيتها مؤخراً.


*                *                  *


  أما فترة الانتظار الثانية التي نعيشها الآن فتنصب في محاولة إيجاد حل لأزمة الملف النووي الإيراني ودور إيران في المنطقة. ففي ضوء اجتماع الدول الست وإيران في جنيف 1/10/2009، وطلب إيران لتخصيب اليورانيوم في دولة أخرى، بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية، نلحظ تفاؤلاً ما قد يوصل المباحثات القادمة، إلى نتائج إيجابية.

فالتجاوب الإيراني الجديد جاء نتيجة عدة عوامل؛ منها الأزمة الداخلية التي يعاني منها النظام الإيراني عقب انتخاب الرئاسة في حزيران 2009. فهناك انقسام عمودي في المجتمع. وقد ظهر بجلاء لدى النخبة السياسية والدينية والفكرية. كما ظهَّرت الأحداث تنامي قوة الحرس الثوري وتراجع دور آيات الله وتآكل هيبة ودور مرشد الثورة الإيرانية خامئني. والعامل الثاني لأزمة المجتمع آتٍ من تفاقم الأزمة الاقتصادية وانخفاض أسعار النفط، والأخطاء المرتكبة في إدارة نجاد للاقتصاد الإيراني. أما العامل الثالث فهو عامل خارجي جاء من انضمام روسيا إلى الأطراف الدولية الضاغطة على إيران. فبعد أن كانت تمانع في فرض العقوبات، أخذت تلمح بإمكانية الموافقة عليها. باعتقادنا أن تغير الموقف الروسي جاء بعد مبادرة الرئيس أوباما بتجميد نشر الدرع الصاروخي في أوروبا الشرقية، الأمر الذي يستجيب للمصالح الروسية العليا. كما جاء بعد الكشف عن منشأة نووية لتخصيب اليورانيوم في قم. وهذا ما أحرج الروس وأزعجهم لأن إيران تخفي برامجها النووية. ومما يزيد من التفاؤل في حل الأزمة المستعصية مع إيران، أن الولايات المتحدة الأمريكية جاهزة للانخراط في حوار حول جميع المسائل المختلف عليها، وإعادة طرح رزمة الحوافز منها ومن الدول الأوروبية الست.

وإلى جانب تلك المغريات المطروحة على إيران، مازالت الإدارة الأمريكية تلوح بفرض العقوبات عن طريق مجلس الأمن أو بمفردها إذا تطلب الأمر. في هذا الإطار يناقش الكونجرس الأمريكي مشروع قرار لمعاقبة الشركات الأجنبية التي تزود إيران بالبنزين. فهي تستورد 40% من حاجتها. كما أن وزارة الخزانة تعد اقتراحاً بفرض عقوبات على المصارف الإيرانية.

أخيراً من تطورات العلاقة مع إيران، نلحظ تشدداً من الأوروبيين أكثر من الإدارة الأمريكية. فالجميع يتوحدون من أجل إنهاء أزمة الملف النووي، إذ حددوا نهاية هذا العام كحد أقصى للانتظار، وإلا فالذهاب إلى العقوبات.


       *                *                  *


فالمنطقة إذاً مازالت تعيش مرحلتها الانتقالية. فإلى جانب هذين التحركين الأميركي والأوروبي، تقوم بعض القوى الإقليمية كتركيا والسعودية ومصر بأدوار تساعد على تقطيع المرحلة الانتقالية هذه. فهي تطرح تسويات هنا وهناك غرضها تبريد الصراعات والمساعدة على حل بعض الأزمات ومنعها من التفجر مجدداً. ويبدو أن هذه المساعي ليست بعيدة عن التنسيق مع الإدارة الأميركية، أو تتم برضىً ضمني منها.

فتركيا برزت كلاعب إقليمي مقبول لحلحلة العديد من الملفات الساخنة كالعدوان على غزة، والجهود المبذولة للمصالحة الفلسطينية، ومحاولة احتواء الخلاف العراقي- السوري إثر الأربعاء الدامي. فالحكومة العراقية اتهمت سوريا وطالبت الأمم المتحدة بإنشاء لجنة تحقيق دولية. ولا ينبغي أن ننسى الدور التركي على مدى سنتين كوسيط وراعٍ للمفاوضات بين سوريا وإسرائيل خلال فترة حكم أولمرت والتي توقفت بعد العدوان على غزة.

فمنذ عام 2002، أخذت تركيا تلعب هذه الأدوار بسبب السياسة الجديدة التي ترافقت مع استلام حزب العدالة والتنمية التي أطلق عليها مهندسها داوود أوغلو (السياسة متعددة الأبعاد). فبموجبها أخذت تساهم في حل الأزمات مع دول الجوار دون انحياز لأي طرف من أطراف الأزمة. يضاف إلى ذلك توقيع بروتوكول المصالحة مع أرمينيا بعد 100 عام من الصراع. والأهم مساعيها للانضمام للاتحاد الأوروبي وتطلعها إلى علاقات أفضل مع دول البلقان.

فالسياسة التركية قائمة على متابعة الإصلاحات الداخلية لتفي بمعايير كوبنهاغن التي تفرض عليها إعادة تشكيل مجلس الأمن القومي وإضعاف تأثير العسكر على الحياة العامة والمبادرة لحل الأزمة الكردية، وذلك بمنح الأكراد حقوقهم الثقافية والسياسية وإنشاء مدارس تعلمهم لغتهم وسواها من الحلول التي ترضي الجانب الكردي.

لعل أفضل ما تقوم به السعودية سعيها لإضعاف تحالف سوريا مع إيران، فقد تنجح في جذبها إلى الحضن العربي. فالزيارة التي قام بها الملك عبد الله بن عبد العزيز قد ترسي بداية لرأب الصدع العربي الذي سيساعد إذا تحقق على توحيد المواقف العربية تجاه التصلب الإسرائيلي، ويفتح الباب على المصالحة الفلسطينية ويسهل تشكيل الحكومة اللبنانية….الخ… باختصار، إن انفراجاً كهذا قد يسمح للعرب أن يكون لهم دور ومشاركة مع اللاعبين الأساسيين في المنطقة (إسرائيل وإيران وتركيا) لحل أزماتها.

أما مصر فدورها الإقليمي يكاد ينحصر في المصالحة بين الأطراف الفلسطينية، إضافة إلى تركيزها على ملفي شاليط والأسرى والتهدئة بين حماس وإسرائيل، وإيقاف إطلاق الصواريخ وفتح المعابر وإعادة إعمار غزة. فاهتمامها بهذه الملفات آتٍ من شعور السلطة المصرية، بتأثيرها على الأمن القومي المصري من ناحية، ومن تراجع الدور المصري في النظام العربي من ناحية أخرى. ربما يعود هذا التراجع إلى شيخوخة النظام وشيخوخة رئيسه الساعي إلى توريث إبنه المرفوض من الجيش الذي يريد خليفة منه، وكذلك من الأجهزة الأمنية. ويعود أيضاً إلى استمرار أزمته مع المعارضة المصرية، حيث يشكل الأخوان المسلمون قوتها الأساسية. وأخيراً التحديات البنيوية اجتماعياً واقتصادياً.

 أما الموقف السوري خلال فترة الانتظار هذه فيتميز بالمراوغة المتأرجحة بين الحفاظ على تشدد ما وبين الاستعداد للانفتاح وتسهيل حل بعض الملفات جزئياً. هذا التأرجح بدأ مع اتفاق الدوحة، أو لنقل بعد قمة الكويت الاقتصادية التي جمعت على هامشها الرئيس بشار الأسد مع ملك السعودية. لكن التفاؤل ازداد بعد مشاركة الرئيس السوري في افتتاح الجامعة التكنلوجية في جدة ثم زيارة الملك عبد الله لدمشق مؤخراً.

من الصعب الحديث بثقة عن مصالحة جادة بين هاتين الدولتين، وبالتالي، عن مصالحة عربية عربية رغم حاجة المجتمع العربي إليهما، كي يحسب حسابه في زحمة التناقضات العديدة والحادة بين اللاعبين الكبار سواءً على المستوى الدولي أو الإقليمي، وكذلك حاجته لعودة سوريا إلى حضنها العربي، بعد أن أخطأت كثيراً في الابتعاد عنه، وأوغلت في تحالفها مع إيران. فتوحيد الصف العربي ضرورة من أجل توحيد الصف الفلسطيني ومواجهة الصلف الإسرائيلي.

فالمطلوب من سوريا أمور كثيرة كي تزيل عزلتها عن العرب والمجتمع الدولي، لأنها مازالت موضع اتهام تجاه العديد من حالات التأزم والتوتر التي نشهدها بين حين وآخر في لبنان والعراق وفلسطين والأمثلة كثيرة لا داعي لذكرها. أما الحديث عن إمكانية عودة (المثلث العربي) القديم، فدونه على الأقل المساهمة الجدية في دفع الفصائل الفلسطينية نحو المصالحة، ناهيك عن مصالحتها مع مصر أيضاً.

إن زيارة العاهل السعودي لسوريا والمباحثات التي جرت خلالها ستفتح الباب على الأقل إلى عودة العلاقات المباشرة والتي من شأنها متابعة البحث والتفاهم حول القضايا العربية العالقة والتي تأمل أن تنهي الخصومات التي تراكمت على مدى سنوات طوال خصوصاً مع السعودية ومصر.


        *                *                  *


هناك تساؤل لدى المتابعين لأزمة المنطقة عما يجري مؤخراً من انفراج عربي، ونقصد هنا التقارب السعودي المصري السوري ألا يتناغم مع التحرك الأوروبي- الأمريكي خاصة الإيجابي تجاه سوريا، وإن اتسم بالحذر والبطء؟.

لا شك أن المناخات الإيجابية الجديدة آتية بالدرجة الأولى من الإدارة الأمريكية. كان خطاب أوباما في الدورة 64 للجمعية العمومية للأمم المتحدة يشكل دفعة جديدة لطروحاته الانفتاحية التي تتالت بعد دخوله البيت الأبيض. ولعل أهم ما ورد في ذلك الخطاب تأكيده على الحوار مع الأعداء السابقين كوريا الشمالية، إيران، سوريا، إلخ… والبناء على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، والابتعاد عن التفرد في اتخاذ القرارات والتوجه نحو التعاون والإقرار بالتعددية. والأهم من ذلك القطع مع سياسات الإدارة السابقة.

لقد بدأت تظهر فعلاً نتائج حسنة في ظل هذا المناخ الدولي الجديد. فالنظام الاقتصادي العالمي بدأ يتعافى من الأزمة المالية الحادة نتيجة التعاون الدولي الذي توج بمؤتمر القمة الاقتصادية للدول العشرين الأخير (بديلاً عن الثمانية الكبار سابقاً). كما ظهر التحسن في العلاقات مع الصين والاتحاد الروسي. وكذلك في المفاوضات الأخيرة بين الدول الست وإيران حول أزمتها النووية. كما يدخل في هذا الإطار سعي الإدارة الأمريكية منذ استلامها السلطة لإيجاد حل للصراع العربي الإسرائيلي، وفي القلب منه القضية الفلسطينية. فالتسوية هذه حسب تعبير الرئيس أوباما تشكل مصلحة قومية أميركية بالدرجة الأولى ومصلحة دولية وإسرائيلية.

 

لقد استهلكت فترة الانتظار الأولى جهود المبعوث الأميركي جورج ميتشل الذي لم ينجح في دفع إسرائيل لتجميد الاستيطان. فالإدارة الآن تواجه أزمة مصداقية مع العرب، التي قد تضعف من زخم توجهها الجديد، وتبقي مبررات العداء لها. فعليها أخذ ذلك بعين الاعتبار في جولاتها الجديدة في المنطقة مع الأطراف المعنية في هذا الصراع.

هناك سؤال أخير عما إذا سار التقارب السوري السعودي في مجراه الطبيعي وشاع انفراج عربي ما، ألا تنعكس أجواؤه على العلاقات السورية الأمريكية وبالتالي تدفع الإدارة الحذرة والمتريثة إلى التحسن؟ وبالتالي تخفف أو تلغي العقوبات وتعيد السفير الأميركي إلى دمشق؟

نعتقد أن المصلحة الوطنية السورية تتطلب كما أشرنا أعلاه مساهمة جادة من قبل السلطة في التخفيف من حدة التوتر والاحتقان القائمة في المنطقة وخاصة مع الدول العربية، ومع الجهود الدولية التي تعمل على معالجة قضاياها، وإبداء مرونة وانفتاح مطلوبين للمساهمة في حل الأمور العالقة، فبلادنا بحاجة للخروج من عزلتها والتفاعل بايجابية مع محيطها العربي كي تستعيد وزنها الحقيقي ودورها الفاعل في إطار السياسة الإقليمية والدولية. وهذا لا يتحقق إلا إذا انتهجت السلطة السورية سياسة عقلانية تقبل بحل الخلافات وفق المصالح المشتركة والاحترام المتبادل وعدم التدخل بشئون الجوار والقبول بإشاعة الأمن والتعاون لما فيه مصلحة الجميع.


 

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.