بين الحكم القطعي والتناول الموضوعي: مقالات الرأي في الصحافة المصرية

    0
    102

    غالبا ما أتوخى الحذر قبل إصدار الأحكام القطعية وإطلاق التعميمات حول قضايا السياسة الداخلية والدولية التي أتناولها بالتحليل في مقالاتي الصحافية. وقراء مقالاتي إما اعتادوا على نهجي هذا فوصفوه بالموضوعي أو داوموا على مطالبتي بتقويم أوضح للقضايا التي أعالجها وأحيانا اتهموني بالتخفي وراء ستار أكاديمي يحول بلغة معقدة دون وصول آرائي لهم كقراء. وقد كان اقتناعي بأننا في مصر لا ينقصنا بين جموع الكتاب من يتبنى آراء وأحكاما قطعية ويفرضها على القراء في حين نفتقد للمعالجات الهادئة والموضوعية لقضايانا التي تشرح أبعادها المختلفة استنادا إلى معلومات دقيقة وموثّقة تمكّن القراء من بناء رأيهم وصياغة أحكامهم على أساس علمي، هي حافزي الأول على الاستمرار في نهجي هذا ومازالت.

    إلا أنني اليوم أجد نفسي في موقع المضطر للاعتراف بأن غالبية ساحقة من القراء تفضل بوضوح مقالات الأحكام القطعية والتعميمات على ما عداها وتشعر بقرب كتّاب مثل هذه المقالات من همومهم اليومية بينما تقيم الكتابة الحذرة والمعلوماتية، مني ومن غيري من الكتاب، كشاهد على ترف أكاديميين ومثقفين يعيشون في عوالم بعيدة عن عالم القراء وليسوا على اتخاذ المواقف الواضحة بقادرين. ولانحياز غالبية القراء المصريين، وعنهم أتحدث هنا، إلى مقالات الأحكام القطعية العديد من الأدلة ككثافة تعليقات القراء عليها كمّا وكيفا وتدوير المقالات بإعادة نشرها في مواقع ومنتديات إلكترونية، وكذلك اختيارات النشر التي تقوم بها إدارات التحرير المدفوعة دوما بهاجس "ماذا يريد القراء؟" أو بمقتضيات السوق.

    أنا في حيرة من أمري لتفسير انحياز القراء لمقالات وأعمدة تلقّنهم على سبيل المثال أن تديّن المصريين الشعبي ذو طبيعة مغشوشة أو منقوصة مستندة في ذلك إلى عنصر وحيد هو التناقض القائم بين حضور الالتزام بالشعائر الدينية من صلاة وصوم وحج وغياب الالتزام بجوهر الدين الذي يحض على قيم الأمانة والإخلاص والإتقان في العمل والتسامح والاحترام في المعاملات بين البشر. فمثل هذه المقالات تتجاهل حقيقة أن تديّن المصريين الشعبي هو المسبب الأول لمجموعة كبيرة من الظواهر الإيجابية المؤثرة في حياتنا كالعمل الخيري والتضامن الأسري والمحدودية النسبية للعنف في مجتمع به فجوة واسعة بين الميسورين ومحدودي الدخل ويعيش فيه ما يقرب من ثلث السكان تحت خط الفقر.

    لا أفهم أيضا أن يقبل القراء أن تُفرض عليهم آراء تقضي بتعميم كاسح بأن كل ما تقوم به الحكومة المصرية هو (وفقا لانحيازات الكاتب المعني) إما خير خالص أو شر مطلق دون أن يقدم لهم إسناد معلوماتي واضح أو تترك لهم مساحة من حرية التفكير والتعامل النقدي مع ثنائيات الأبيض والأسود هذه. فالثابت أن الحكومة تسيء الفعل في العديد من المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إلا أنها أيضا تحسن في بعضها الآخر ولا ينبغي أن نحجم نحن ككتّاب عن طرح تقويمات مركبة على القراء قد تدفعهم على سبيل المثال لانتقاد ممارسات الحكومة في مجال الديموقراطية وحقوق الإنسان ولتثمين أخرى في بعض القطاعات الخدمية أو في السياسة الإقليمية والدولية. وينطبق الأمر ذاته على التعاطي مع قوى المعارضة السياسية بشقيها الحزبي وغير الحزبي (جماعة الإخوان المسلمين) والحركات الاجتماعية ومنظمات المجتمع المدني.

    كذلك يصعب عليّ أن أتقبل اختزالية الطرح حول بعض قضايا الساعة التي تثير الرأي العام على ما لمست في ما خص قضية منح جائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية لسيد القمني وإخفاق وزير الثقافة فاروق حسني في الفوز برئاسة "الاونيسكو". قضية القمني تحولت ساحة اقتتال (مسف للأسف) بين التيارات الدينية والقوى العلمانية بشأن الرجل متجاهلة في غالب الأحيان للعلة الرئيسة الكامنة في التناقض بين الخطوط الحمر التي يفرضها الدين وحرية التعبير عن الرأي في المجالات الفكرية والعلمية والتي لا تعترف بخطوط حمر مفروضة سلفا ولا يصلح معيار ديني لتقويمها. أما "معركة الاونسكو" فرتبت من جهة تجييش الكثير من الكتّاب للدفاع عن الوزير الذي أخفق بمبالغات تآمرية تستخف بالقراء ويندى لها الجبين (عملاء الموساد أداروا مؤامرة إسقاط فاروق حسني من داخل الأونسكو) وأعطت البعض الآخر من الكتاب الفرصة لتصفية الحسابات مع وزير طال بقاءه في الوزارة وكثر منتقديه. وعلى الجهتين، وباستثناءات محدودة في التغطية الإخبارية ومقالات الرأي والأعمدة التي نشرتها الصحافة المصرية، لم يقدم للقراء تحليل موضوعي للدور الذي لعبته الولايات المتحدة الأميركية وبعض جماعات المصالح اليهودية في إسقاط حسني وكذلك المصاعب التي قابلها ترشحه للاونيسكو كوزير للثقافة في حكومة غير ديموقراطية لم يعتد بداخلها على مبدأ المحاسبة السياسية، وبحكم بعض مواقفه العلنية التي جاءت مناقضة لقيم حرية الفكر والثقافة وحرية التعبير عن الرأي.

    أدرك أن يميل القراء في بعض الأحيان، وغالبيتهم تتعامل مع المنتج الصحافي والإعلامي بمنطق "الوجبة الجاهزة" الاستهلاكي، إلى المقالات القطعية فتلك تقدم لهم آراء وأحكاما كلية لا رتوش رمادية تغلفها ولا شكوك تأتيها من بين يديها أو من خلفها وتعفيهم من ثم وفي خضم حياة يومية قاسية التفاصيل من عبء إعمال النظر والتدبر الذاتي في القضايا المعالجة. إلا أنني أجد صعوبة في قبول تحول هذا الميل نزوعا عاما يسطح نقاشاتنا ويغيّب الموضوعية والمعلوماتية عنها، خاصة ونحن في مصر لم نعد حديثي العهد بتعددية المطروح الصحافي والإعلامي ولا تقتصر صحفنا غير الحكومية على أطياف من الصحافة الصفراء. القارئ اليوم وبعد انتهاء زمن الهيمنة الحكومية على الصحافة أضحى مسؤولا عن اختياراته وتفضيلاته وبيده الدفع نحو مزيد من الموضوعية أو الاستمرار في استساغة التلقين والوجبات الجاهزة.

    أما الشق الآخر والكبير من المسؤولية في هذا الصدد فموضعه كتّاب مقالات الرأي والأعمدة. فالمقارنة السريعة بين صفحات الرأي في صحافتنا وما يناظرها في الصحافة العالمية الرصينة تدلل بوضوح على أن العدد الأكبر من كتّابنا يذهب إلى تبني الآراء القطعية ومواقف "المع والضد" الحدية مغيّبا للمعلومة ومحتقرا لموضوعية الطرح، في حين تشترط الصحف العالمية في الأغلب الأعم حضور المعلومة ودقة التوثيق لنشر مقالات الرأي على صفحاتها. لست بزاعم بأن كتّاب الرأي في صحف كـ"النيويورك تايمز" و"الواشنطن بوست" الأميركيتين أو "الغارديان" البريطانية و"الفرانكفورتر ألجامينه" الألمانية لا انحيازات أو خطوط حمرا لهم، فتلك حقيقة يستطيع المتابع لهذه الصحف أن يدركها دون صعوبة. إلا أنهم في احترامهم لحق القراء في المعرفة لا يساومون على حد أدنى من الموضوعية والمعلوماتية، وذلك هو مصدر تميزهم عن الصحافة الصفراء في مجتمعاتهم. هنا تقع مسؤوليتنا ككتاب للرأي في الصحافة المصرية ومسؤولية إدارات التحرير الواعية أمام القراء، فبدون حد أدنى من الموضوعية والمعلوماتية لن نضيف إلى التعددية الحاضرة اليوم في الساحة الصحافية رصانة مازالت غائبة.

    "النهار"

    اترك تعليق

    This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.