ماذا فعلتَ يا ميلان؟!

0
125

ماذا حصل في 14 آذار من عام 1950 في براغ؟

تحت عنوان "وشاية ميلان كونديرا"، أماطت مجلة "رسبيكت" التشيكية اللثام عن تقرير للشرطة عمره نحو من ستين عاماً، ثمانية وخمسون عاماً بالتحديد، كان مخفياً تحت جبل من الملفات، يتهم مؤلف "خفة الكائن اللامحتملة" بالتسبب في القبض على أحد معارضي النظام الشيوعي في تشيكوسلوفاكيا السابقة وزجّه في السجن مدة أربعة عشر عاماً.

للذين يريدون قراءة القصة الكاملة يستطيعون العودة الى العدد ما قبل الأخير (رقم 937) من "لو كورييه انترناسيونال" الذي نشر التقرير، ومعه مقال لمدير التحرير في المجلة التشيكية، مارتن سيمتسكا، يعتبر فيه أن "غلطة" الكاتب الشهير لا تحتمل الشك والتأويل.

القصة باختصار، ان الطيار ميروسلاف دفوراتشيك كان غادر بلاده تشيكوسلوفاكيا عام 1948 بعد استيلاء الشيوعيين على السلطة هناك، حيث وافق في المانيا على التعامل مع أجهزة الاستخبارات الغربية التي أرسلته في مهمة سرية الى براغ. لم يتصرف ميروسلاف هناك كما ينبغي لرجال المهمات السرية أن يتصرفوا، بل ترك حبل التراخي على غاربه مهملاً جميع قواعد اللعبة بما تفرضه عليه من تحفظ وكتمان وسرية. والنتيجة وقوعه في أيدي رجال الشرطة بعدما وشى به طالب يدعى ميلان كونديرا، هو نفسه الكاتب الشهير، بحسب التقرير المشار اليه.

يطرح مدير التحرير في المجلة التشيكية السؤال الآتي: هل يملك كونديرا الحق في أن يكتم ماضيه عن قرّائه، وهو الكاتب الذي تضطلع الوشاية بدور أساسي في تجربته الأدبية، ولا تزال أعماله تؤثّر في أجيال عدة من المثقفين والأدباء والناس العاديين في العالم؟، ملقياً بذلك الضوء على مفتاح مركزي في أدب كونديرا، ومفككاً العلاقة الأكيدة بين هذه الحادثة وبين مواقف شخصياته وتصرفاتهم، وخصوصاً ما يتصل منها بمسألة الوشاية، معتبراً أن ذلك لا يمكن أن يكون أبداً محض مصادفة، حيث أن هذه "الجريمة" تشكل خبزاً شبه يومي في حيوات الأبطال والأفراد والجماعات الذين تحكي روايات كونديرا ونصوصه الكثير من وقائعها تحت وطأة النظام التوتاليتاري الذي أرست دعائمه الشيوعية السوفياتية في تشيكوسلوفاكيا وبلدان أخرى متعددة من العالم.

ثم يسأل كاتب المقال هذا السؤال الثاني: كيف انعكس هذا السرّ، سرّ هذه الوشاية، في أدب كونديرا وفي حياته، وهل استطاع أن يتحرر منه أم أن هذه الخطيئة لا تزال تلاحقه وتقض مضاجعه منذ ربيع ذلك العام؟ ولا يلبث مدير التحرير في الجريدة التشيكية أن يستل كلاماً لكونديرا من أحد أبحاثه حول الرواية: "ما الجريمة إذا كان بطل الرواية، هوغونو دو بروخ – بعيداً من الشعور بالندم حيال الجرم الذي اقترفه – لم يعد حتى يتذكر ما ارتكبه؟"، الى أن يصل القول بكاتب المقال الى مساءلة كهذه: هل يكون عجز كونديرا عن الاعتراف العلني بفعلته تلك هو السبب الجوهري الذي جعله يقطع صلاته بلغته وببلده الأم؟ وهل دفاع كونديرا عن الرواية التي ينبغي، على قوله، أن تُقرأ بذاتها، بمعزل عن أي ربط محتمل مع الكاتب، سببُه رفضه القوي لماضيه الشخصي؟

في عام 1985 قال ميلان كونديرا "إن الروائي هو ذلك الذي، كما يرى فلوبير، يريد ان يختفي وراء عمله"، ولم يتوان مراراً، بعد ذلك، عن الدفاع بشغف واستماتة وذكاء عن حق الكاتب في التواري وفي أن لا يكون مرئياً، وعن حقه أيضاً في أن يخفي عن قرّائه "كل المفاتيح المحتملة التي تكشف النقاب عن مصادر الهامه".

صحيح أن الكاتب التشيكي يعيش بعيداً عن الأضواء، ولا يدلي، منذ أعوام طويلة، بأي تصريحات الى وسائل الإعلام، ولا يجري مقابلات أدبية، ولا حتى مع أكثر الكتّاب والنقّاد والصحافيين تخصصاً، إلاّ أنه صرح لوكالة الأنباء التشيكية قبل فترة قصيرة نافياً نفياً قاطعاً هذه الحادثة.

لا أريد أن "أحاكم" كونديرا، ولا أن "أدينه"، لكن هذه "الجريمة" – إذا كانت مؤكدة، وهي كذلك على ما يظهر الى أن يثبت العكس – لا بدّ أن تحمل جمهور القرّاء والكتّاب والنقّاد، وتحملنا جميعاً، على إعادة قراءة أدب كونديرا تحت ضوء هذه المعلومة التي لا بدّ أن تزعزع شيئاً من أركان المكانة المعنوية الهائلة التي تحتلها صورة هذا الكاتب في ضمير المعجبين به.

على هامش هذه المسألة، لا بدّ أن تُطرح في هذا السياق أهمية أدب الاعتراف، من كونه يضع الحوادث التاريخية في نصابها، بما "يبيّض" لا صفحة كونديرا فحسب وإنما أيضاً جميع الأدباء الذين تطاولهم التباسات واتهامات من هذا النوع أو من سواه، كما كانت عليه الحال مع حائز جائزة نوبل، الروائي الالماني غونتر غراس، في شأن تعامله مع النازية واعترافه المتأخر بذلك.

على الهامش أيضاً، بل في الأساس، أطرح السؤال الآتي: هل يستطيع الكاتب في حياته العملية أن "يخون" أدبه، أي أن تكون الصورة التي ننسجها عنه من خلال أدبه هي نقيض صورته في الواقع؟ أي هل "يحق" له أن يكون في تصرفاته وأعماله ومواقفه، السرية أو المعلنة، ضدّ "القيم" التي قد يكون يغصّ بها هذا الأدب؟

هل "يحقّ" للكاتب أن يكون "قيمياً" و"أخلاقياً" في أدبه و"خائناً لقيمه ولأخلاقيته" هذه، في حياته؟

كونديرا، عاشق الحرية، هل يمكن أن يكون ارتكب مثل هذه الجريمة ضد الحرية وضد القيم التي آمن بها وحملته على ترك لغته وبلاده؟! وإذا كان ارتكبها أم لا، أيجب أن يظل نفيه للحادثة في حدود هذا التكذيب الخفر الذي أدلى به الى وكالة الانباء التشيكية؟

هذه الأسئلة برسمنا جميعاً، في العالم، وهنا أيضاً وخصوصاً.  

 

"ملحق النهار"

اترك تعليق