الفصائل والشخصيات الهامشية في صراع "فتح" – "حماس"

0
156

لم تنعقد الجلسة الافتتاحية للحوار الوطني الفلسطيني، في القاهرة، وفقاً لما كان مقرراً في التاسع من الشهر الجاري. جاء إرجاء انعقادها بعد ما أبدت حركة "حماس" جملة ملاحظات على الورقة المصرية تناولت نقاطاً مركزية فيها، وبالتالي وجدت "حماس"، أن لا جدوى ترجى من هذا الحوار. وأعلنت مصر عن إرجاء جلسات الحوار دون الإعلان عن فشلها، في وقتٍ أعلنت فيه "حماس" ضرورة الإعداد الجيد للحوار، تجنباً للفشل. أرجأت الجلسة دون تحديد زمن محدد أو تقريبي لانعقادها، ولم تعلن بالتالي ترتيبات معينة للإعداد اللازم.

أثار تأجيل جلسات الحوار، حفيظة "فتح" والسلطة الفلسطينية وقامت بتحميل "حماس" مسؤولية ذلك ورأت فيه إفشالاً للحوار، لأهداف ومرام لديها، وفي مقدمها منها، إفشال الجهود المصرية، وعدم إلزام "حماس" نفسها بأجندة زمنية للحوار انتظارا لتأسيس الإدارة الأميركية الجديدة، وتوجهاتها الميدانية بشأن الملف النووي الايراني، وطرائق التعاطي الجديدة مع ملفي العراق وأفغانستان، إضافة الى ملف الانتخابات الرئاسية الفلسطينية في التاسع من كانون الثاني المقبل، والانتخابات الإسرائيلية المبكرة في بدايات شباط المقبل.

 ورأت فتح أن لا شيء يدعو "حماس"، للمشاركة في جلسات حوار وطني شامل، وسط هذه الاستحقاقات، وما يمكن توظيفه من نتائجها المحتملة. ارتفعت وتيرة الاتهامات المتبادلة بين "فتح" و"حماس"، على نحوٍ غير مسبوق، واستخدمت صفات ونعوت خرجت عن نطاق ما هو متعارف عليه، وكأن الأزمة وصلت إلى نقطة اللاعودة.

بعيداً عن كل هذا الصخب الإعلامي، وما تحمله مقتضيات حدة الاستقطاب الثنائي، "فتح" و"حماس"، يبرز التساؤل الوطني العام، ماذا بعد؟! وهل بالإمكان بقاء هذا الانشقاق الجيو-سياسي قائماً؟! وهل هناك نقاط التقاء مشتركة بين برنامجي "فتح" و"حماس"، يمكن بلورتها لتشكل أساس نقاط عمل مشترك؟!

لعل في ملفات الحوار الفلسطيني-الفلسطيني، ومنذ ما قبل تأسيس السلطة الفلسطينية (1994)، ما يشير بوضوح، الى أننا أمام برنامجين مختلفين، في الرؤى والتوجهات والمرجعيات. ما تضمنه دستور "حماس" من نقاط لا يلتقي مع برنامج منظمة التحرير الفلسطينية وتراثها السياسي وتراكماته المعرفية منذ 1964 وتطوراته في برنامج النقاط العشر (1974)، وهجوم السلام الفلسطيني (1988)، والاتفاق الفلسطيني-الإسرائيلي (1993)، وتطبيقاته الميدانية حتى الآن. السلطة الفلسطينية وفقاً لمقررات المجلس المركزي الفلسطيني صيف 1993، هي ذراع من أذرع منظمة التحرير الفلسطينية، و"حماس" لا تقر حتى الآن بأن المنظمة هي مرجعية العمل الفلسطيني، ولا هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. ترى "فتح" ومنظمة التحرير الفلسطينية، أن مقررات الشرعية الدولية، ومنها القراران 242 و 338، هي المرجعية الدولية، و"حماس" لا ترى في ذلك مرجعية مقبولة.

 ترى فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية، أن المفاوضات هي الطريق لانتزاع الحقوق الوطنية الفلسطينية، بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على الأراضي الفلسطينية التي احتلتها إسرائيل في السادس من حزيران 1967، أما "حماس" فترى بأن المقاومة هي الطريق لنيل الحقوق. بنية منظمة التحرير الفلسطينية بنية علمانية، أما بنية "حماس" فهي بنية دينية إسلامية شمولية. والاختلاف بين برنامجي المنظمة و"حماس"، يطال النقاط كافة، وبالتالي فإن الدعوة لتقريب وجهات النظر بينهما هو أمر بعيد المنال، وغير ممكن من الناحية العملية، خاصة في ظل ما حملته حدة الاستقطاب من معارك مباشرة، كان أبرزها وأخطرها، الاشتباكات الدموية أواسط حزيران ما قبل الماضي، والتي أسفرت عن سلخ قطاع غزة عن الضفة الغربية، وتمكن "حماس" من بسط سيطرتها العسكرية والأمنية والإدارية على القطاع. في ظل أجواء هذا التناقض بين برنامجي "حماس" و"فتح" يمكن القول، بأن احتمالات تفجر الصراع، وعبر أشكال شتى بينهما هي اقرب من أجواء الحوار، والتوصل إلى نقاط عمل مشترك، وهذا مرهون بالطبع، بما ستحمله التطورات الإقليمية والدولية من معطيات وظروف ستنعكس على مرآة الصراع الفلسطيني الداخلي. من الواضح أن لـ"حماس" مشروعها السياسي، وهي تطمح الى استقطاب المزيد من فصائل العمل الوطني الى جانبها، وصولا إلى قيادة العمل الوطني الفلسطيني برمته.

"فتح" من جهتها، تتحسس مخاطر الوضع المقبل، وهي تتصرف بوحي من هذا التحسس والخوف، خاصة بعد أحداث غزة، وما حملته من انهيارات طالت هياكلها وأجهزتها الأمنية والعسكرية في غزة. لكن هذه التخوفات تترافق مع حالة ضعف بنيوي تعاني منه "فتح"، وتحاول جاهدة تجاوزه عبر مؤتمر عام، لكن ثمة معوقات غير قليلة الشأن تحول دون انعقاده. هناك صراع بين تيارين مختلفين، يصعب الجسر بينهما، ذلك أن نقاط الخلاف هي نقاط ذات طبيعية إستراتيجية، تطال الأسس والمرجعيات على حد سواء، وبالتالي فإن بقاء الحال على ما هي عليه، أمر محال. من الصعب التنبؤ بما هو مقبل، لكن طرفي الصراع، "فتح" و"حماس" على حد سواء، لا تزالان تتصرفان وكأن المعركة بينهما، معركة وجود، ولا بد من ان يعلن طرف إعلان انكساره.

يبرز سؤال في هذا السياق، هو باختصار، وماذا عن دور قوى وتيارات وشخصيات خارج إطار هذين الاستقطابين؟!! لعل ما تبدى منذ أحداث حزيران ما قبل الماضي في غزة، وما ترافق معها وما تلاها في الضفة الغربية، يمكن معه القول، بأن دور هذه القوى، رغماً عن حجومها الكبيرة، لا يزال هامشيا ولا تزال "فتح" و"حماس" قادرتين على ضبط إيقاع الشارع، وبالتالي فإن العمل على تأطير القوى الشعبية لمواجهة تلك المخاطر، قد يشكل، بحق، الخطوة الأولى في الطريق الصحيح، لمواجهة تداعيات مرحلة ما بعد الحواروحماية المشروع الوطني.

 

– رام الله    

(أستاذ محاضر في دائرة الفلسفة والدراسات الثقافية – جامعة بيرزيت) 

"النهار"

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.