بؤس العقل السياسي الغربي في تعامله مع العالم الثالث: "ذروة" أوباما

0
96

– القاهرة

في محاولة سابقة لتشريح ظاهرة الفكر المتطرف طرحنا سؤالاً مهماً هو ما الذى يؤدي إلى ظهور التيارات الفكرية الدينية المتطرفة؟ وقررنا أن الإجابة على هذا السؤال تقتضي دراسة أصول تكون الدولة العربية الحديثة والعوامل الخارجية التى أثرت عليها وخصوصاً ظاهرة الاستعمار الغربي، واتجاهات النخب السياسية الوطنية التى قادت شعوبها إلى الاستقلال، وأخيراً التركيز على سؤال النهضة العربية الأولى الأساسي، وهو لماذا التخلف وكيف يمكن أن نتقدم؟ واختلاف الإسلاميين والليبراليين والاشتراكيين العرب في الرد على هذا السؤال.

خططت للإجابة على كل هذه الأسئلة المعقدة والمتشابكة في سلسلة مقالات، غير أن بعض الأخبار التى نشرتها وسائل الإعلام المختلفة، قطعت علىّ الطريق، واستفزتنى، فقررت أن أعلق عليها من زاوية التأصيل التاريخى لمسيرة العقل السياسي الغربي، وخصوصاً في تعامله مع شعوب العالم الثالث.

الخبر الأول يقرر أن حوالى سبعين عضواً من أعضاء الكونغرس رفعوا عريضة للرئيس "أوباما" طالبين منه الضغط الشديد على الدول العربية لكي تبادر بالتطبيع مع إسرائيل، من خلال فتح مكاتب تجارية وإقامة ندوات أكاديمية مشتركة بين الأكاديميين الإسرائيليين والعرب، وإقامة اتصالات ثقافية متعددة، ووقف العداء العربي إزاء إسرائيل، والحفاظ على أمن إسرائيل، وعدم الضغط عليها في المسألة الخاصة بتهويد القدس، والاستيطان في الضفة الغربية.

وقد سبق هذا الخبر خبر آخر عن أن الرئيس أوباما يضغط على نتنياهو رئيس وزراء إسرائيل ليصدر تعهداً مكتوباً لتجميد الاستيطان لمدة عام مقابل أن تبادر الدول العربية بالتطبيع مع إسرائيل! وخبر أخير لقائد القوات البريطانية في أفغانستان، مؤداه أن بريطانيا تخطط للبقاء في أفغانستان لمدة تراوح بين ثلاثين أو أربعين عاماً للمساعدة في إعادة بناء هذا القطر التعيس!

ثلاثة أخبار كلها تؤكد أن العقل السياسي الغربي في عصر العولمة يمر بأزمة حادة تكشف عن نفعيته وانتهازيته وتناقضه، واستخدام آلية ازدواج المعايير في التعامل مع كل من إسرائيل والعرب والمسلمين بوجه عام. غير أن فهم مسيرة العقل السياسي الغربي، ينبغي أن يبدأ بدراسة تجلياته في مرحلة الاستعمار، ثم في مرحلة ما بعد الاستعمار، وأخيراً في عصر العولمة.

 

(1)

كان لابد للاستعمار الغربي للبلاد العربية والإسلامية وبعض بلاد العالم الثالث عموماً، أن يجد لنفسه غطاءً أخلاقياً لكي يبرر استعماره لهذه البلاد، ويضفي الشرعية على الجرائم التى قام بها ضد السكان الأصليين، بما فيها استخدام القوة المسلحة الباطشة ضد قوات المقاومة وضد السكان المدنيين العزّل على السواء لإخضاعهم بالقوة، تمهيداً لنهب ثروات بلادهم، وتحقيق الفائض الرأسمالي الذى سمح للبلاد الأوروبية الاستعمارية أن تنتقل من التخلف إلى التقدم، مستفيدة في ذلك من الثورة الصناعية وإنجازاتها المتعددة.

وقد وجد المفكرون الأوروبيون العنصريون هذا الغطاء الأخلاقى للاستعمار في نظرية شهيرة صاغوها هى "عبء الرجل الأبيض في تمدين الشعوب البربرية"! وهكذا حاول هؤلاء المفكرون التنظير للاستعمار الأوروبى باعتباره يمثل رسالة أخلاقية سامية وضعها الله سبحانه وتعالى على عاتق الرجل الأبيض (أي المستعمر) لكي يخرج الشعوب المستعمرة من الظلمات إلى النور!

غير أن الحقيقة التاريخية تؤكد أن الاستعمار الأوروبي سواء اتخذ شكل الاحتلال الانكليزي لمصر لمدة سبعين عاماً، أو صورة الاستعمار الاستيطاني للجزائر الذى استمر حوالى 180 عاماً ولم ينتهِ إلا على يد الثورة الجزائرية المجيدة، وكذلك الاحتلال الإيطالي لليبيا، والاحتلال الفرنسي للمغرب وتونس، ونظم الوصاية والانتداب على سوريا ولبنان، والاستعمار الاستيطانى الصهيوني لفلسطين، كل هذه الصور أدت إلى مظالم تاريخية كبرى وقعت في حق كل هذه الشعوب المحتلة والمستعمرة. ولم تتردد الدول الاستعمارية في ارتكاب جرائم إبادة ضد الشعوب المستعمرة، وجرائم حرب أخرى يعاقب عليها القانون الدولي العام.

وقد استطاعت هذه الدول الأوروبية الاستعمارية أن تعوّق مسيرة التقدم في الدول العربية والإسلامية، وأن تشوه سعيها لإقامة دول ديموقراطية حديثة، وذلك بفرض عملائها ليشكلوا نظم حكم عميلة تأتمر بأوامرها، وتنفذ سياساتها تحقيقاً لمصالحها الاستعمارية.

في مطلع الخمسينات بدأت الموجة الاستعمارية تنحسر، وخصوصاً بعد نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945 وتأسيس الأمم المتحدة. وبدأت مسيرة استقلال الدول المستعمرة، سواء بالكفاح المسلح كما حدث في الجزائر من طريق الثورة الجزائرية، أو بالتفاوض كما حدث في مصر بين الاحتلال الانكليزي وقادة ثورة 23 يوليو 1952، وكما حدث في ليبيا وتونس والمغرب والعراق وسوريا ولبنان وغيرها من الدول.

وقامت نظم حكم وطنية شكلتها النخب السياسية الوطنية العربية، التي من خلال الكفاح استخلصت الاستقلال من براثن الاستعمار. وفي بعض الدول العربية قامت انقلابات عسكرية كما حدث في مصر عام 1952، تحول بعضها ثورات حقيقية، بحكم تبنيها مطالب الحركات الوطنية في الحرية والعدالة الاجتماعية والاستقلال الوطني.

انسحبت إذن الدول الاستعمارية الأوروبية من مجال الاستعمار المباشر بحكم تغير السياق التاريخي بعد الحرب العالمية الثانية، غير أنها في الواقع انتقلت بعد ذلك إلى مجال الاستعمار غير المباشر!

 

(2)

استطاعت الدول الأوروبية والولايات المتحدة الاميركية على وجه الخصوص، والتي حلّت محل الدول الأوروبية الاستعمارية التقليدية في العالم العربي والشرق الأوسط بشكل عام في مرحلة ما بعد الاستعمار أن تهيمن على الدول العربية وعديد من الدول الإسلامية، من خلال نشر إيديولوجيا "التنمية" التي تعني تعبئة الموارد الاقتصادية وحشد الجهود البشرية من أجل تحويل هذه الدول من التخلف إلى عالم المجتمعات الحديثة.

وقد كان قبول هذه الإيديولوجيا من قبل القيادات الوطنية الجديدة بعد الاستقلال أشبه ما يكون بفخ وقع بعضها فيه بحسن نية، وبعضها الآخر نتيجة عدم فهم قوانين الاستعمار الرأسمالي في مرحلة ما بعد الاستعمار. ذلك لأن الولايات المتحدة هيمنت على قرارات هيئات دولية كبرى أبرزها البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي حتى ترسم خطط التنمية في الدول الجديدة المستقلة بما يحقق مصالحها الرأسمالية المباشرة. وذلك لأن كل من البنك والصندوق كانا مصدر تمويل مئات من مشاريع التنمية المطلوبة بشدة في البلاد المستقلة، حتى تثبت القيادات السياسية الوطنية لشعوبها أنها تنجز في مجالات التعليم والصحة والإسكان والتصنيع.

غير أن قرارات التمويل كانت تتم ليس وفق حسابات اقتصادية، ولكن في ضوء شروط سياسية مجحفة في بعض الأحيان، حتى لا تخرج مسارات التنمية في هذه البلاد عن الخطة التي حددتها الولايات المتحدة والتي تتمثل أساساً في تحويل هذه الدول إلى سوق واسعة لتسويق منتجاتها، والسماح لها بإقامة بعض المصانع غير الاستراتيجية، ومنعها من تحقيق الاستقلال الاقتصادي الحقيقى، حتى تظل دائماً تابعة للاقتصاد الرأسمالي العالمي.

ولعل من أبرز الأمثلة على ذلك أن البنك الدولي سحب عرضه بتمويل بناء السد العالي، الذى كان يعتبره قادة الثورة المصرية المشروع القومي الأساسي الذى سيكفل تنمية الاقتصاد المصري، وحشد جهود الجماهير للانخراط في مشاريع تصنيعية طموحة تحقق التقدم الفعلي.

ومن هنا اتجه جمال عبد الناصر إلى الاتحاد السوفياتي، الذى ساهم في إقامة السد العالي، الذى سيظل أحد الإنجازات الكبرى للعصر الثوري في مصر.

 

(3)

انتهت مرحلة ما بعد الاستعمار وبدأ عصر العولمة منذ بداية الثمانينات. واستطاعت الولايات المتحدة من خلال البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، أن تفرض على الدول العربية سياسة التكيف الهيكلي التي بمقتضاها يتم تصفية القطاع العام والتحول الصريح إلى اقتصاد رأسمالي خالص. ومن هنا صممت برامج الخصخصة، وذلك من أجل كف يد الدولة عن التدخل في الاقتصاد، وترك السوق بالكامل للقطاع الخاص.

وجاءت من بعدُ "الليبرالية الجديدة" لتصبح هي المذهب الاقتصادي الذى تفرضه الولايات المتحدة مستفيدة في ذلك من اتساع نطاق العولمة، التي تعني سرعة تدفق المعلومات والأفكار ورؤوس الأموال والخدمات والبشر من مكان لمكان آخر في العالم بغير حدود ولا قيود، لكي تحوّل العالم كله إلى سوق رأسمالية واسعة المدى، تتم فيها المعاملات المالية والاقتصادية من خلال تجاوز الحدود والقيود، بفضل الثورة الاتصالية الكبرى.

والواقع أن العولمة الاقتصادية الرأسمالية لم تحقق وعودها بالنسبة لدول العالم الثالث عموماً، وللدول العربية خصوصاً، بحكم الفجوات الطبقية الكبرى التي نشأت بين قلة من الأغنياء وكثرة من الفقراء، الذين باتوا يعانون من نقص برامج الرعاية الاجتماعية والتضخم وارتفاع الأسعار وتدني الأجور.

وكان يمكن زعماء العولمة الاقتصادية الرأسمالية أن يواصلوا عملية الخداع الكبرى في إقناع شعوب العالم بأن الرأسمالية حتى لو توحشت هى مفتاح التنمية والتقدم، إلا أن وقوع الأزمة المالية الكبرى في اميركا وتداعياتها في كل بلاد العالم، كانت الدليل الأكيد على انكشاف هذه الأسطورة!

غير أنه أخطر من ذلك فقد زالت الأقنعة عن ممثلي العقل السياسي الغربي في عصر العولمة. فقد تبين أن مشروعهم لفرض الديموقراطية على العالم العربي ولو بالقوة كما حدث في العراق، ليس سوى جريمة صريحة ترتكب ضد الشعوب العربية. كما أن ادعاءاتهم أنهم المدافعون عن حقوق الإنسان، ومن حقهم عقاب الدول العربية التي تخرق هذه الحقوق، ليس سوى كذبة كبرى، لأنه ثبت أنهم هم الذين يخرقون حقوق الإنسان سواء في سجن أبو غريب في العراق، أو في معتقل غوانتنامو، أو في مجال التحقيق مع المتهمين بالإرهاب، من طريق استخدام التعذيب المنهجى، بما فيه عملية الإيهام بالغرق لاستنطاق المتهمين.

ويصل العقل السياسي الغربي إلى ذروة نفعيته وانتهازيته وخداعه في مجال علاقة الولايات المتحدة الاميركية مع إسرائيل، ودفاع إدارة الرئيس أوباما المستميت لتمرير الخطط الإسرائيلية، والتي تتلخص في التطبيع المفروض فرضاً على الدول العربية في مقابل هزلي هو تعهد مكتوب يسجله على نفسه رئيس وزراء إسرائيل بتجميد الاستيطان لمدة عام! وهو تعهد يستطيع أن يمزقه في أي وقت، كما أنه يعني – من بين ما يعنيه – أنه بعد عام يمكنه أن يواصل الاستيطان مرة أخرى، بعد أن يكون "الفأس قد وقع في الرأس" بمعنى بعد أن تكون الدول العربية قد وقعت في مستنقع التطبيع المجاني تحقيقاً لمصالح الدولة الإسرائيلية العنصرية!

هذه هى بعض تجليات العقل السياسي الغربي في عصر العولمة، والتي تبرز تدهوره، واتساع الفجوة بين مثالياته المعلنة في الحرية والإخاء والمساواة وواقعه الذى يعتمد على آليات الكذب والخداع وازدواجية المعايير التي يقوم عليها.

بقي بعدُ أن نتساءل عن كيف يمكن العقل السياسي العربي أن يواجه العقل السياسي الغربي، وأن يستنهض قواه لمواجهة الاستعمار الجديد في عصر العولمة!

 

 

(باحث مصري)

"النهار"

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.