الإصلاحيون عقبة أمام استمرار نجاد في سياسته الخارجية

    0
    97

    بعد فشل أو إفشال الدور الذي كان يمكن أن يلعبه الرئيس الإيراني الأسبق هاشمي رفسنجاني في معالجة الأزمة السياسية التي نجمتْ على خلفية انتخابات الرئاسة الإيرانية قبل نحو شهرين، تشهد إيران اليوم صراع إرادات بين معسكر السلطة التي تحكم وبين الإصلاحيين والمحتجين والمعارضين لنهج الأجهزة والمؤسسات الحاكمة في الجمهورية الإسلامية. هذه الحال تغيّب، في المدى المنظور على الأقل، منطق التسويات والحلول الوسط، ويرحّل الأزمة بدلاً من حلها، ويجعل المعادلات الصِفرية هي التي تحكم سلوك السلطات الإيرانية في تعاطيها مع الأزمة الحالية، ما يعني تهميشاً لمنطق السياسة، وتوسيعاً للحلول الأمنية ومنطق «الانتقام» وتصفية الحسابات، والمماهاة بين المعارضة والاحتجاج وبين الخيانة الوطنية والتواطؤ مع «الأعداء» و «التآمر» على الأمن القومي والنظام والبلاد، وفق معايير «الوطنية» التي يضعها أهل السلطة أنفسهم: «إنْ لم تكنْ معي فأنت ضد الوطن»!، وهي صيغة ذائعة الصيت في العالم العربي وفي دول عالمثالثية مثل إيران وغيرها.

     

    وهذا استدراك مهمّ كي لا يُظنّ أن المقاربة النقدية، التي تقدمها هذه المقالة، للشأن الإيراني، تستهدف «تجميل» وجه السلطوية العربية أو تسويغ الاستبداد المتأصل بين ظهرانينا. فالاستبداد، سواء نطق بلسان عربيّ أم غير عربيّ مدانٌ وكريه جملةً وتفصيلاً، ولا يمكن لكلّ مكياجات «شانيل» أن تجعله جميلاً!

     

    رفسنجاني، ليس إصلاحياً بالمعنى الدقيق للكلمة والتصنيف، لكنّ فريق خامنئي ـ نجاد جعله كذلك بعد خطبة الجمعة الشهيرة التي ألقاها في 17 تموز (يوليو) الماضي، ما أفقده دوره الوسطيّ، وحال دونه ودون النجاح في إعادة لعبة توازن القوى التي كانت تحكم إيران منذ عقود، وبدأت تفقد بعض أهم مضامينها منذ أن تفاجأ «الحرس الثوري» بفوز محمد خاتمي في الرئاسة عام 1997، حيث سحبت المؤسسة العسكرية والأمنية منه أدوات الحكم الحقيقية، وغيّرت موازين القوى على الأرض، واستأثرت بالمؤسسات النافذة وصانعة القرار، وهو ما عناه خاتمي بقوله عام 2004: «أصبحت مسؤولاً عن التشريفات (حاجباً) لا رئيساً»!.

     

    توازن القوى ذاك، بدا أكثر اضطراباً مع ولاية نجاد الأولى. وما كرّس غياب التسويات والحلول الوسط أن المرشد آية الله علي خامنئي تقدّم، بعد أزمة انتخابات الرئاسة الأخيرة، خطوات بعيدة في اتجاه أن يكون طرفاً في الصراع القائم، فظهر، أكثر من أي وقت مضى، زعيماً محسوباً على تيار بعينه، وهو ما جعل منصبه (ولاية الفقيه) محل جدل وتساؤلات. وهذا الانزياح في موقف خامنئي، وما يمثله من سلطة عليا في إيران، احتاج إلى نحو عشر سنوات ليتمظهر في الشكل الذي بدا عليه في وقوفه الصريح إلى جانب نجاد، فلقد اضطر السيد علي خامنئي (كما تورد مجلة «فورين أفيرز» الأميركية في عدد11ـ 12/ 2008 نقلاً عن الصحافي الإيراني أكبر غانجي) في عام 1998، يوم احتدمت موجة اغتيال المعارضين الإيرانيين، إلى طمأنة الشعب الإيراني من منبر خطبة الجمعة بطهران، فألقى مسؤولية الاغتيالات على «أعضاء مارقين في وزارة الاستخبارات والأمن». ومنذ ذلك الوقت حتى الآن، جرت مياه كثيرة، جعلت لعبة توازنات القوى، وتوليفة الجمهوري مع الإسلامي، والتعددية السياسية، والموقع الوسطي لرفسنجاني وغيره من أعمدة السلطة محل تساؤل ومراجعات وتغييرات، إنْ استمر الوضع القائم، ستتصف بـ «الدراماتيكية» والاحتمالات المفتوحة.

     

    الولايات المتحدة لا تزال تريد محاورة إيران، لكنّ السؤال المهم: هل تريد طهران هذا الحوار مع واشنطن؟ المؤشرات المتوافرة حالياً تقول: لا. إيران بعد الانتخابات الرئاسية المثيرة للجدل غير إيران قبلها، والجمهورية الإسلامية مشغولة اليوم بإيصال رسالة تريد عبرها إقناع الجميع، في الداخل والخارج، بأنها قوية ومسيطرة. وما يبدو أمامنا هو أن السلطات الإيرانية من أجل تحقيق هذا الهدف، ولتنفيذ تلك الرسالة ستعمل على التصعيد والتشدد في اتجاهين: على المستوى الداخلي، ستكون محاكمات الإصلاحيين وما بثته السلطات من اعترافات مقدّمة لتصفية الإصلاحيين والمعارضين سياسياً عبر المضي في مخطط إلصاق تهمة الخيانة بهم والعمالة للخارج والارتباط بمخططات وأجندة غربية وعلى وجه الخصوص بريطانية ـ أميركية وبمشاركة إقليمية. وعلى المستوى الخارجي، ستكون إيران المأزومة (بعد الانتخابات) أكثر تشدداً من إيران ما قبل الانتخابات، والوضع الداخلي المهتز، على الأرجح، قد لا يدفع إيران للحوار مع أميركا والغرب، إلا في حالة الاعتراف الغربي بالدور الإقليمي لإيران، لأن ذلك سيعني إنهاءً للأزمة الداخلية في إيران وتقوية للمحافظين وتهميشاً للإصلاحيين والمحتجين.

     

    إذا أراد محمود أحمدي نجاد الاستمرار في سياسته الخارجية ذاتها (أي الهجومية والقائمة على التدخل في شؤون دول الجوار وامتلاك أوراق تفاوض عبر جهات محلية فيها) التي اتبعها في ولايته الأولى، فإنه يدرك أن أول عقبة أمامه ستكون الإصلاحيين والمعارضين والمحتجين داخل إيران، ولعلّ هذا ما يفسّر الإجراءات والسيناريوات الأخيرة التي بدأت، على ما يبدو، تنفّذ ضدهم. وعلى المستوى الخارجي، فإن من يتابع تصريحات القيادة الإيرانية في الأيام الأخيرة سيجد ارتفاعاً في حدّة التصعيد تجاه الغرب، فقد قال نجاد في حفل تنصيبه رئيساً لولاية ثانية: «إيران ستواصل مقاومتها للاستكبار والمستكبرين». وقال المرشد آية الله علي خامنئي لدى استقباله السلطان قابوس: «أميركا وبعض الدول الأجنبية عملت دوماً على زعزعة الأمن والاستقرار في منطقة الخليج». وكذلك وجّه الادعاء العام الإيراني اتهامات لأميركا بتحريض القوميات والأقليات في إيران ضد النظام الإيراني، كما اتهم واشنطن ولندن بأنها تقف خلف مخطط دعم الإصلاحيين للقيام بـ «ثورة ناعمة أو مخملية» في إيران.

     

    وتأكيداً بأنها ما زالت قوية ولم تهتز داخلياً ستسعى طهران إلى توظيف العلاقة مع الحلفاء والأصدقاء الإقليميين لنفي العزلة، والتقدم أماماً لإقامة شراكات أو تحالفات مع دول تتميز بعلاقات جيدة مع إيران، ولقد أشارت صحيفة «جام جم» الإيرانية قبل أيام إلى «ضرورة بناء كتلة أمنية إقليمية واستراتيجية تشمل إيران والعراق وعُمان وقطر ودولاً إقليمية أخرى». واللافت، استطراداً، هنا أن محللين كثيرين أشاروا إلى أن الهجمات الطائفية البشعة الأخيرة ضد الطائفة الشيعية الكريمة في العراق، لا تحمل بصمات «القاعدة» أو الجهات السنية المتطرفة التي كانت تقوم بها سابقاً، وأنّ تكهنات، لا يُعرف حتى الآن مدى دقتها، تربطها بسعي جهات لتحشيد طائفي شيعيّ قبيل انتخابات حاسمة ستجرى في العراق في الأشهر القليلة المقبلة، والمرجح أن إيران مهتمة جداً بأمر هذه الانتخابات.

     

    * كاتب أردني.

    "الحياة"

    اترك تعليق

    This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.