"سلام متخيَّل" لعالم الإجتماع الإسرائيلي ليف غرينبرغ: لماذا أصبح "أوسلو" وهماً ؟

    0
    130

    صدرت في إسرائيل، منذ أن عقدت قمة كمب ديفيد الإسرائيلية – الفلسطينية في صيف 2000 وانتهت إلى الفشل الذريع، بضعة كتب تناولت ما حصل في تلك القمة وفي أعقابها من تطورات مهمة، جديدة وخطرة، لا تزال تلقي بظلالها على السنوات التي أعقبتها. ومعظم هذه الكتب اضطلع بتأليفها ساسة أو إعلاميون شاركوا في القمة، منها كتب جلعاد شير ويوسي بيلين وشلومو بن عامي ومناحيم كلاين مثلا. ولاحقا انضم إلى هذا المجهود عدد من الباحثين الأكاديميين الإسرائيليين.

    ويعتبر كتاب عالم الاجتماع الإسرائيلي ليف غرينبرغ بعنوان "سلام متخيل، خطاب الحرب – فشل القيادة، السياسة والديموقراطية في إسرائيل 1992- 2006"، والذي صدر في 2007، أحدث هذه الكتب. وفيه يسعى المؤلف إلى تقديم تفسير ليس من المبالغة اعتباره شديد الخصوصية للصيرورة التي آلت إليها "عملية السلام" الإسرائيلية – الفلسطينية ما بعد مرحلة "اتفاق أوسلو"، وترتبا على هذا الاتفاق ومحدداته.

    وينطوي سعيه تحديدا – إذا ما استعرنا عباراته هو – على محاولة دؤوبة لمتابعة المجريات التي أدّت إلى انقلاب قطاعات شتى في المجتمع الإسرائيلي من الحماسة للسلام إلى فقدان الأمل به. كما ينطوي على محاولة مكملة لشرح كيفية استعادة الجاهزية لـ"التضحية" ودعم "المواجهة العنيفة المطولة". وهو لا يني يؤكد أن القصد من وراء ذلك كله هو فهم الواقع وتفسيره فحسب، لا البحث عن مذنبين من أجل حبسهم في قفص الاتهام.

    في الكتاب مفهوم نظري مخصوص يرى المؤلف، بموجبه، أنّ العنف المستشري هو تعبير عن "علاقات القوى غير المتوازنة بين الكيانين الضالعين في النزاع"، كما أن "الديناميكية السياسية خاضعة للعلاقة المتبادلة بين تصورات الأوضاع والسيرورات، وبين الأوهام بشأن وجودها". والسؤال المركزيّ الذي يطرحه هو: ما الذي أجّج إمكان تخيّل عملية أوسلو باعتبارها سيرورة سلمية؟ ولماذا انهارت هذه العملية وأصبحت مجرّد وهم؟

    ثمة فرضيات أخرى تقف في صلب البنية النظرية العامة التي يشيدها غرينبرغ بأناة الدارس وعبر التعقب الدقيق لما يتطابق معها من معطيات موضوعية ميدانية، ومنها: فرضية أن أوسلو لم يكن بداية سيرورة واضحة مسبقا تفضي إلى نتائج معروفة، هي أيضا، بصورة مسبقة. وفرضية أنّ سيرورات النزاع تتأثر، إلى درجة كبيرة، بمراحل تطوّر الهويتين القوميتين للكيانين المتصارعين. وفرضية أن مواقف الجيش الإسرائيلي وممارساته وعلاقاته مع المجتمع والمؤسسة السياسية في إسرائيل تمارس تأثيرا حاسما على تطوّر النزاع. وأخيرا فرضية أن تطورات النزاع تخضع لتأثير عمليتين سياقيتين في الكيانين هما: الدمقرطة وإلغاء الكولونيالية، وهنا يستعين المؤلف بالتطبيقات الناجزة لهاتين العمليتين في جنوب أفريقيا والجزائر.

    ويتوسع المؤلف في مناقشة ما يسميه بـ "ديناميكية الحيزات السياسية" ونقاط التمّاس بين الحيّزين في الكيانين. إنّ الحيّز السياسيّ يتحدّد، في قراءته، بموجب القدرة الموجودة في حيازة أصحاب المصالح المتناقضة الذين تربطهم علاقات متبادلة، أمّا الذي يتولى تحديد الحيزات السياسية الداخلية فهم، عادة، القادة السياسيون والأحزاب والرموز واللغة والأساطير.

    وفي نظر غرينبرغ فإنّ العلاقات بين إسرائيل والفلسطينيين تدور في رحى أو منظومة ثلاث دوائر متداخلة في ما بينها – الدائرة الداخلية الإسرائيلية والدائرة الداخلية الفلسطينية ودائرة العلاقات بين الطرفين. وفي وسع كل دائرة منها "أن تنفتح" أو "أن تنغلق" وبالتالي أن تؤدي، تبعا لذلك، إمّا إلى التقدّم نحو حلّ النزاع، أو إلى كبح تقدّم كهذا.

    هذا هو بإيجاز الإطار النظريّ للكتاب.

    بيد أنّه في داخل هذا الإطار في وسع القارئ العثور على بضع مقولات لمّاحة، لعلّ أبرزها ما يلي:

     

    اللغة

    يؤكد الكتاب أن اللغة السياسية في إسرائيل لا تشكل معينا على فهم المجريات الحقيقية، بل على العكس تطمس الدلالات وتخفي وتشوّه. ولذا فهو يتناول الدلالات الحقيقية لكلمات ومصطلحات من قبيل: يسار ويمين والأمن وأرض إسرائيل والمناطق والاحتلال والمستوطنين ويهودا والسامرة والسلام والحرب والخارج والداخل وهنا وهناك. وفي واقع الأمر فإنّ هذا المحور جدير عموما بالاستكناه، وقد سبق لكاتب إسرائيليّ ما أن أعرب عن امتعاضه من كون أنصار السلام في إسرائيل يتكلمون كثيرا على قوة اللغة وينسون أن أنصار الحروب أدركوا كيف يستغلون هذه القوة في سبيل جعل اللغة أداة شيطانية تسمم روح البرايا، من الطفل حتى المسن. وأضاف: في الوقت نفسه فإننا نستثمر الكثير من الجهد كي نضع حدا لتلوّث الجو والماء والأرض ونكاد لا ندلي بدلونا بشأن تلويث اللغة في هذا النزاع الطويل.

     

    دور الجيش الإسرائيليّ

    يشير غرينبرغ إلى أنه بعد حرب حزيران 1967 أصبح الجيش الإسرائيلي إثنيا – قوميا وضالعا في الشأن السياسيّ. وقد أيد الجيش عملية أوسلو، بل وخلال فترات معينة كان شريكا فيها، غير أنه في فترات أخرى، بما فيها الفترة القليلة الفائتة، بات يدجّج "مفهوم التهديد الوجودي على إسرائيل" ويتدخل، بصورة عنيفة، في العلاقات بين المجموعات المختلفة في إسرائيل، وبينها وبين الفلسطينيين.

     

    انعدام احتمالات النجاح الفائقة

    تكمن نقطة انطلاق رئيسية لدى غرينبرغ في الاعتقاد أنّ عملية أوسلو لم تتوافر على احتمالات كبيرة للنجاح، وذلك لسببين رئيسيين هما القوة الإسرائيلية الفائضة وطمس الحدود المادية والمجرّدة بين الكيانين. وهو يرجع بدايات هذا الطمس إلى ما بعد مرحلة حرب حزيران 1967. غير أنه بعد الانتفاضة الفلسطينية الأولى (في سنة 1987) بدأت عملية إعادة ترسيم لهذه الحدود، وهي عملية مستمرة إلى الآن وعمادها الإجراءات الأحادية الجانب المفرطة في عنفها (الجدار، الانفصال، الاستيطان وما إلى ذلك) والتي تحول دون إحراز أي تقدّم نحو حلّ النزاع.

    كما ينوّه بأنّ مفاوضات أوسلو أبقت المسائل الجوهرية (الحدود، اللاجئين، القدس) مفتوحة. وقد أتاح إبقاء هذه المسائل مفتوحة لكل طرف أن يتخيّل السلام وفق ما يريده. وفي عرفه ربما كمنت في ذلك القوة الكبيرة لأوسلو، لكن كمنت فيها أيضا نقطة ضعفه الرئيسة، إذ أن القدرة على التخيّل هي شرط ضروريّ من أجل إحداث التغيير السياسيّ غير أنها غير كافية قطّ من أجل تحقيقه.

    علاوة على ذلك فقد انطوى أوسلو، أيضا، على فشل تكتيكيّ خطير.

    إنّ الأمر الجوهريّ في هذا الفشل التكتيكي هو استناد إستراتيجية الطرفين إلى إرجاء المساومة إلى مرحلة الاتفاق الدائم، وذلك نتيجة إدراكهما لعدم قدرتهما على تحقيق مطالبهما. وقد رغب الطرفان في الاحتفاظ بـ "أوراق المساومة" غير أن هذه الأوراق أصبحت، في نهاية الأمر، بمثابة اللاعب الرئيسي في العملية برمتها (تمثلت أوراق رئيس الحكومة الإسرائيلية إسحق رابين في المستوطنين بشكل عام وغلاتهم في الخليل وفي المستوطنات الإيديولوجية بشكل خاص؛ وتمثلت أوراق الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في المتشددين الإسلاميين).

    ولئن كانت عملية أوسلو قد عنت، في تحليل المؤلف، إشارة البداية أو فاتحة لعملية الدمقرطة، فقد انتفت، بعد تلك العملية، مسألة لزوم اندماجها مع عملية أخرى، هي عملية إلغاء الكولونيالية، ولو لأن من شأن ذلك أن يؤدي، برأيه، إلى تحقيق علاقات سلام بين دولتين- إسرائيل وفلسطين. وكانت عملية الدمقرطة قد بدأت بمجرّد إجراء المفاوضات والموافقة على حلّ القضايا بالطرق السلمية وبالاعتراف المتبادل [بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية] وفتح الحيّز السياسي للمطالب الفلسطينية، إلا أنّ عملية إلغاء الكولونيالية لم تبدأ، بل إنّ السيطرة الإسرائيلية الأحادية الجانب على الفلسطينيين تعززت وتوثقت بمساعدة اتفاقات أوسلو، كما أن تنفيذ عملية الفصل، التي وعد رابين الناخبين بها، لم يبدأ بتاتا. وقد زاد على ذلك كله أيضا أن عملية الدمقرطة نفسها لم تشتمل على تحييد سياسيّ للقوى المرشحة لأن تقوم بتخريب العملية.

    ويستعرض غرينبرغ في الكتاب أيضا استمرار السيرورات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بعد أوسلو، ويتوقف بشكل خاص عند السيرورات الداخلية المستجدة في إسرائيل. ويشمل عرضه التغييرات الاجتماعية والسياسية التي أعقبت اغتيال إسحق رابين [سنة 1995]؛ التغييرات في مكانة الجيش الإسرائيلي الذي غيّر موقفه وبدأ يتدخل في الشأن السياسيّ؛ التخلي عن "طريق أوسلو" وترميم الوحدة الوطنية الإسرائيلية في الظاهر عقب تصدعها؛ القضاء على "مفهوم أوسلو" من طرف بنيامين نتنياهو ومن ثمّ إيهود باراك والتغيرات داخل حزب "العمل"؛ الانتفاضة الفلسطينية الثانية وصعود أرييل شارون إلى سدّة الحكم؛ الانفصال عن غزة؛ والسيرورات المختلفة بعد الانفصال حتى الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية في العام 2006 وصولا إلى اندلاع "حرب لبنان الثانية" وتأثيرها على العلاقات الفلسطينية – الإسرائيلية.

    ولا بدّ من التوقف عند مسألتين لافتتين في هذا الكتاب:

    الأولى هي البعد الاقتصادي. في هذا الشأن يؤكد المؤلف أن عملية أوسلو كانت أيضا نتيجة لتطلع النخب الاقتصادية والطبقة الوسطى في إسرائيل إلى "التطبيع" والاندماج في الاقتصاد العالمي و"القرية الكونية" (العولمة) وقطف ثمار ذلك، ولذا فقد أبدت الاستعداد لوضع حدّ للسيطرة العسكرية على الفلسطينيين التي مسّت بمكانة إسرائيل الدولية. بكلمات أخرى، فإن فتح حيّز سياسي للأجندة الاقتصادية لدى تلك النخب والطبقة الوسطى اقتضى فتح حيّز سياسي أمام الفلسطينيين في المناطق المحتلة، وقد مسّ ذلك ببضع أساطير قومية مؤسسة مثل "أرض إسرائيل الكاملة" و"الأمن" [هنا لا يفوت المؤلف التنويه بأنه في الوقت الذي انفتحت فيه الأسواق العالمية في وجه التجارة والاستثمارات الإسرائيلية، فإن أوضاع الفلسطينيين الاقتصادية ازدادت تدهورا واتسع نطاق جلب العمالة من العالم الثالث لتحل محل العمالة الفلسطينية، وذلك تماشيا مع أجندة تلك النخب]. غير أنه في الوقت نفسه انطوت عملية أوسلو على تهديد لشرعية مكانة النخب المذكورة في التراتبية الاجتماعية الإسرائيلية. هنا يكمن البعد الاجتماعي، وهو المسألة اللافتة الثانية، التي ينبغي أن نتوقف عندها. وهكذا سرعان ما اتضح أن السلام المتخيل بدأ يجبي ثمنا سياسيا آخر يتمثل في "الانحلال الداخلي" للمجتمع الإسرائيلي وهويته المشتركة، وينعكس ببريق ساطع في الخطاب العام.

    وفي استحصاله لهذا البعد الاجتماعي يرى غرينبرغ أن الخطاب العام والمؤسسة السياسية في إسرائيل منيا بالفشل في احتواء التناقضات "الداخلية" عبر فتح الحيز السياسي بعد أوسلو. كما يرى أنه من بين الهويات القطاعية كافة تعرضت الهوية الشرقية للهجوم الأشد شراسة، باعتبارها التهديد الأخطر على "الهيمنة الإشكنازية".

    ويمضي مؤلف "سلام متخيّل" على هذا المنوال إلى أن يصل إلى خلاصة الكتاب. وهي خلاصة مزدوجة: من جهة، تفتقر إسرائيل إلى مؤسسة سياسية ذات قدرة على أن تمثل مصالح الجمهور العريض وعلى أن تتقدّم نحو حلّ النزاع. كما تفتقر إلى مجتمع مدنيّ مكين ومنظم في وسعه أن يضع تحديات في مقابل المؤسسة السياسية تفضي إلى عملية سلام متجدّدة. وينسحب هذا الحكم، برأيه، على الطرف الفلسطيني أيضا.

    ومن جهة أخرى فإنّ فتح حيّز جديد للتحادث والتفكير بعملية سلمية أخرى يستوجب، قبل أي شيء، التوقف عن ممارسة العنف لفترة طويلة وإخلاء المستوطنين الإسرائيليين خلف الخط الأخضر وترميم شعور الأمن وتحسين الأوضاع الاقتصادية وبالأساس لدى الفلسطينيين. أمّا الرغبة المكرورة في وضع حدّ، مرة واحدة وأخيرة، لـ"المطالب كافة" بعد مئة عام من الصراع العنيف وتجاذب المصالح وتناقضها فهي تنطلق، في قراءته، من توقعات مبالغ فيها. ويؤكد أن فترة الهدوء ضرورية للغاية من أجل إزالة العقبات وتحييد المعارضين للحلّ، لا من أجل "تحسين المواقف"

    تهيئة لمفاوضات الحلّ الدائم مثلما حصل في عملية أوسلو وأدى إلى انهيارها.

     

    – عكا    

    (باحث في المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية – مدار)  

    ليف غرينبرغ

    هو من مواليد الأرجنتين (سنة 1953) وقد هاجر إلى إسرائيل سنة 1972 في إطار الهجرة اليهودية الأولى من أقطار أميركا اللاتينية. حصل على اللقبين الأول والثاني في علم الاجتماع والعلوم السياسية من الجامعة العبرية في القدس، وأكمل الدكتوراه في علم الاجتماع  في جامعة تل أبيب، ويعمل محاضراً منذ سنة 1991، وفي قسم "علم السلوكيات" في جامعة "بن غوريون" في بئر السبع منذ سنة 1994، ويعد مختصًا في علم الاجتماع السياسي وفي الاقتصاد السياسي ضمن النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني. كان في عداد مؤسسي الحركة الطالبية العربية – اليهودية اليسارية "كامبوس"، التي قامت سنة 1974، ومؤسسي حركة "يوجد حد" التي أقيمت سنة 1982 إثر اجتياح  بيروت.

    رفض غرينبرغ سنة 1987 الخدمة العسكرية في المناطق المحتلة، وسجن لمدة شهر في السجون الإسرائيلية. ويعتبر اليوم واحدًا من مؤيدي حركات رفض الخدمة العسكرية في إسرائيل. ولديه العديد من المؤلفات.

    برز اسمه أخيرًا عندما كان في مركز عاصفة جماهيرية في ربيع 2004، وذلك بعد أن نشر مقالة في صحيفة بلجيكية اعتبر فيها جريمة اغتيال الشيخ أحمد ياسين، مؤسس حركة "حماس"، جزءا "من خطوة كبيرة تنفذها إسرائيل وفي الإمكان تسميتها إبادة شعب رمزية".

    "النهار"

    اترك تعليق

    This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.