بالانتظار ولكن…

0
807

العدد 35-36

 

تشهد منطقة الشرق الأوسط حراكاً دبلوماسياً تقليدياً، من مؤتمرات وحوارات ولقاءات قمة واتصالات، يرمي إلى معالجة أزمات المنطقة وإبقائها تحت السيطرة، لتقطيع المرحلة الانتقالية، ريثما تباشر الإدارة الأمريكية الجديدة ممارسة مهامها الرسمية، وانتظاراً لوزارة إسرائيلية جديدة ونتائج الانتخابات المنتظرة في كل من إيران ولبنان. وتسعى الأطراف العربية والإقليمية خلالها إلى إعادة صوغ سياساتها وتحالفاتها لمواجهة الاستحقاقات القادمة.

تتيح هذه المرحلة لبعض القوى الإقليمية والعربية والدولية أن تمارس أدواراً، للإسهام في حل بعض أزمات المنطقة التي لها مصلحة فيها، كتركيا (المفاوضات غير المباشرة بين سوريا وإسرائيل)، ومصر (التهدئة في غزة وتوحيد الصف الفلسطيني)، وقطر (إيقاف تدهور الأوضاع اللبنانية واقتراحات لحل أزمة دارفور عبر الجامعة العربية)، وفرنسا (أزمة العلاقات اللبنانية السورية – الانفتاح الأوروبي على سوريا). وتبقى جهود الإدارة الأمريكية الحالية منصبةً على عقد اتفاقية أمنية مع الحكومة العراقية، لقرب انتهاء ولايتها (20/1/2009) من ناحية، وانتهاء التفويض الأممي لقوات التحالف الدولي نهاية هذا العام من ناحية أخرى. أما إيران، فيلاحظ تراجع التهديد الأمريكي باستخدام الخيار العسكري وكبح الرغبة الإسرائيلية بعمل عسكري ضد منشآتها النووية، واستمرار العمل على تشديد العقوبات الاقتصادية وممارسة الضغوط السياسية والدبلوماسية عليها.

هناك تفاؤل واضح بعد نجاح أوباما الساحق لدى العديد من الأوساط الدولية والإقليمية، بأن التغيير في السياسة الأمريكية الخارجية سيطال منطقة الشرق الأوسط. لكن البعض منهم، "وهو محق"، متحفظ تجاه الصراع العربي الإسرائيلي والقضية الفلسطينية. في كل الإحوال يفضل الانتظار لمعرفة النهج الأمريكي الجديد في التعاطي مع قضايا المنطقة والتي لن تظهر قبل الربيع القادم.

* * *

المصالحة الفلسطينية.. إلى أين؟


شهدت الساحة الفلسطينية مؤخراً تحركاً مصريا لتوحيد الصف الفلسطيني، وعودة إلى المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية التي تعطلت بسب الانقسام الحاد الناشئ عن انقلاب حماس في غزة. فالحوار الذي جرى في القاهرة مؤخراً، وعلى مدى أسابيع، ومشاركة كل الفصائل الفلسطينية فيه ، خرج بمشروع اتفاق صاغته مصر، تضمَّنَ جملة من المسائل، أبرزها تشكيل حكومة توافق وطني وإعادة بناء الأجهزة الأمنية، وإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية متزامنة، وتطوير وتفعيل منظمة التحرير الفلسطينية، بحيث تضم جميع القوى والفصائل، والتزامها بالمتطلبات الآتية: 1- الحفاظ على التهدئة. 2- توفير المناخ الملائم لإنجاح مرحلة ما بعد الحوار، والتنفيذ الكامل لمقتضيات هذه المرحلة. 3- الاتفاق على تشكيل لجان لمعالجة قضايا الحوار والمصالحة. 4- الاتفاق على أن إدارة المفاوضات السياسية هي من صلاحية منظمة التحرير الفلسطينية ورئيس السلطة، على أن يُعرَض أي اتفاق على المجلس الوطني للتصديق عليه، أو يجرى استفتاء إن أمكن.

يمكن لهذا المشروع أن يسهم في تسوية الخلافات الفلسطينية، شرط أن تتوفر لدى أطرافها، وخاصة فتح وحماس، النية الصادقة للالتزام به. لكننا نعتقد أن نجاحه يحتاج إلى رفع التدخلات العربية السلبية فيه والتي تؤدي إلى تمزيق الصف الفلسطيني، وتبديد عناصر القوة الأساسية الكامنة في وحدة هذا الشعب، كما يحتاج إلى حاضنة عربية واسعة، تضغط على الأطراف من أجل الالتزام به، وممارسة سياسة حازمة بحق الأطراف المخلة بالتزاماتها. ولعل أهمية هذه الحاضنة آتية من إمكانية توفير دعم دولي لهذه المصالحة، وإنهاء الحصار الإسرائيلي والدولي على غزة، والضغط على الإدارة الأمريكية القادمة للانخراط الفعّال في المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية، وصولاً إلى إقامة الدولة الفلسطينية على كامل الأراضي المحتلة بعدوان حزيران، بما فيها القدس الشريف وعودة اللاجئين.

في كل الأحوال، ستبقى المفاوضات مجمدة حتى الانتهاء من تشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة ومعرفة توجهاتها. كما نلحظ تحركا جديداً لدى بعض القادة الإسرائيليين، إذ عبروا عن موافقتهم الأولية على المبادرة العربية. فهل كان الغرض إبقاء الخيط موصولاً بين العرب وبينهم، إلى حين تشكيل الوزارة الإسرائيلية القادمة؟، مهما يكن من أمر، فإن مجرد التفكير بحل عربي – إسرائيلي لدى بعض القادة الإسرائيليين ذوي النفوذ، سيدخل جدلاً واسعاً لدى المجتمع الإسرائيلي الذي تطغى عليه الميول اليمينية والعنصرية تجاه العرب، والتمسك بما اغتصبوه من أراض فلسطينية وعربية بعدوان حزيران.

تثير الانتخابات القادمة كسابقاتها صراعات حادة بين الأحزاب الإسرائيلية حول حل المسألة الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي، وغالباً لا تنتهي إلى حلول جادة، بحيث تبقى السياسات الإسرائيلية منذ اتفاق أوسلو عام 1989 وحتى الآن على حالها. فكأن المفاوضات غرضها المفاوضات وحسب. في الجانب الفلسطيني نشهد عقماً وتمزقاً بعد الفشل في إقامة الدولة الفلسطينية ومسائل الحل النهائي. فلا يوجد في ضوء تجربة السنوات العشرين الماضية الفاشلة حلولاً تأخذ بالاعتبار مصالح الشعب الفلسطيني، والمخارج العملية لحل هذه القضية المعقدة والمزمنة، في ظل انعدام الموقف العربي الموحد.

في ضوء ذلك، وحتى لا تضيع القضية الفلسطينية في متاهات المفاوضات التي شهدناها والتي كان منحاها العام يصب في خدمة إسرائيل وتنفيذ مخططاتها، وخاصة بقاء احتلالها وقضم ما تبقى من الأراضي الفلسطينية، قامت مجموعة من الباحثين الفلسطينيين بإجراء اتصالات مع المجتمع الفلسطيني، وطرحت أسئلة عديدة حول آفاق حل يحفظ لهم حقوقهم ويخفف عنهم معاناتهم وتشردهم، وقد توصلت بعد نقاش واسع إلى إصدار وثيقة بعنوان: "استعادة زمام المبادرة: الخيارات الاستراتيجية الفلسطينية لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي". وقد أعد هذه الوثيقة فريق فلسطيني مختص، ونظم اللقاءات مجموعة أكسفورد للأبحاث- لندن، وبتمويل من الاتحاد الأوروبي.


* * *

العراق "موعد مع الانسحاب 2011"!؟..

من المعروف أن التفويض الأممي لقوات التحالف الموجودة على أرض العراق، سينتهي بنهاية هذا العام. لذا تعمل الإدارة الأمريكية جاهدة على تمرير مشروع اتفاقية أمنية تشرعن فيها وجودها العسكري والأمني.

لعل أبرز ملاحظة لدى الأطراف العراقية، عدا عن الرغبة لدى البعض بالانسحاب الفوري، هي جعل الانسحاب نهائياً. وهناك أيضاً اعتراض على البند المتعلق بالحصانة القانونية والقضائية. فبدلاً من محاسبة المخلين بموجب القوانين العراقية، تنحصر المحاسبة في الجهات الأمريكية صاحبة الاختصاص.

تختلف مواقف الأطراف العراقية من الاتفاقية، مابين رافض لها في الأساس كالتيار الصدري وهيئة علماء المسلمين، ومتحمس لها كالحزبين الكرديين الرئيسيين (الوطني الديمقراطي والاتحاد الوطني) ومجالس الصحوة، ومعترض على بعض بنودها، كالحزب الإسلامي، وحزب الدعوة الذي يرئسه المالكي والمجلس الإسلامي الأعلى برئاسة عبد العزيز الحكيم. وترفض الإدارة الأمريكية إدخال تعديلات جوهرية عليها، مرفِقة موقفها بتهديد الحكومة العراقية بإيقاف مساهمتها في إعادة إعمار العراق والتدريب والمشاركة في العمليات العسكرية ضد الإرهابيين. فتقدمت بمذكرة من ثلاثة أبواب تشرح فيها الإجراءات التي ستلجأ إليها في حال عدم إبرام الاتفاقية. وتنصب الاعتراضات على الاتفاقية على بند حصانة الجنود والمتعاقدين الأمريكيين وعلى بند حرية القوات الأمريكية بالقيام بالعمليات دون الرجوع إلى الحكومة العراقية.

وتتفاوت مواقف دول الجوار من الاتفاقية مابين راغب في بقاء الجيش الأمريكي في العراق، كدول الخليج، ورافض ومحرض ضدها كإيران. أما سوريا التي كانت صامتة، فهي بعد العدوان الأمريكي الأخير على البوكمال، أخذت تعاديها.

لا تملك الحكومة العراقية، في حال عدم وصولها إلى تسوية بشأن الاتفاقية الأمنية مع الإدارة الأمريكية، سوى العودة إلى مجلس الأمن لاستصدار قرار يمدد بموجبه لقوات التحالف ستة أشهر على الأرجح، حيث تستأنف خلالها التفاوض مع الإدارة الأمريكية الجديدة، لعلها تكون أكثر مرونة من سابقتها. والجدير بالذكر في مشروع الاتفاقية هذه هو تحديد سقف زمني للانسحاب من العراق حتى عام 2011.

لا بد للمجتمع العراقي، خلال سنوات سريان الاتفاقية، من أن تعمل أطرافه الأساسية، وبالتوافق فيما بينها، لإعادة النظر بالمؤسسات التي قامت في بداية الاحتلال، والتي نشأ عنها اختلال كبير، تحت مسمى المحاصصة الطائفية والإثنية على حساب الآخرين. بمعنى آخر، لا بد من التوجه نحو ترسيخ نظام وطني ديمقراطي يوفق بين الإدارة المركزية للدولة وبين الإدارة الذاتية لإقليم كردستان بحيث يحفظ حقوق ومصالح جميع مكونات الشعب العراقي ويحقق سيادته على أرضه وثرواته ويحمي حدوده ويتابع تطهير البلاد من الارهابيين، ويحافظ على ارتباط العراق بمحيطه العربي وحسن علاقاته مع جواره. وتشكل العمليات الإرهابية التي أدت إلى تهجير المسيحيين العراقيين من بلادهم، طعنة جديدة لوحدة الشعب العراقي، ولمشروع بناء الدولة المركزية الموحدة القائمة على التعددية والمواطنة.

* * *

المشهد اللبناني بخطوطه العريضة


الحالة اللبنانية يستحوذ عليها جو التحضير للانتخابات النيابية في أيار القادم. فهي تمثل مفصلاً تاريخياً يحدد مستقبل أطرافه السياسية المتصارعة الداعية إلى تحقيق رؤيتها السياسية لمستقبل لبنان. وهذا الأمر ينطبق على كل من قوى 14 آذار وقوى 8 آذار. فقوى 14 آذار تدعو إلى استكمال بناء الدولة القوية والقادرة والعادلة، والحفاظ على سيادة واستقلال وحرية البلاد، والانخراط في محيطه العربي. بينما تعمل قوى 8آذار على تعطيل هذا المشروع وإبقاء لبنان ساحة للصراعات الإقليمية والتدخلات الدولية، عبر اندفاعها إلى الانضواء في التحالف السوري – الإيراني والاستمرار في "مقاومة إسرائيل".

من هنا، يتوقف على نتيجة الانتخابات إعادة انتاج السلطة، وبالتالي مستقبل لبنان ودوره العربي والإقليمي والدولي. في هذا السياق تأتي مسألة المصالحات بين الأطراف المتصارعة، إن في شمال لبنان أو الجبل أو البقاع، والتي توجت باللقاء المطول بين الحريري ونصر الله، وذلك لنزع فتيل الاحتقان من الشارع، ونقل الاختلاف السياسي إلى المؤسسات الدستورية، وخاصة بعد تشكيل حكومة وحدة وطنية وانتخاب رئيس جمهورية وعودة المجلس النيابي إلى العمل. كل ذلك لتأمين أفضل الأجواء وتمرير الاستحقاق النيابي بأمان وفق القانون الانتخابي المعدل.

يبرز في هذه الإطار الدور السوري معرقلاً المصالحة المسيحية – المسيحية، لإبقاء الاحتقان والاستقطاب في الشارع المسيحي قائماً. فكل التحليلات تشير إلى أن نتيجة المعركة الانتخابية تتوقف على النواب المسيحيين، وإلى أي من الجهتين ينتمون. فالمعركة الانتخابية محسومة في أوساط السنة والشيعة لكل من تيار المستقبل وحزب الله وحركة أمل على التوالي. كما تهدف الحشود العسكرية السورية والتي تمددت على أكثر من 350 كيلومتر، بحجة ضبط الحدود ومنع التهريب، إلى الضغط على أهالي الشمال والبقاع، وأغلبيتهم من السنة، وإعادة أجواء فترة الوصاية والتخويف والتأثير على العملية الانتخابية. وفي سياق آخر، تهدف الحشود أيضاً إلى الضغط على الحكومة اللبنانية لإعادة التنسيق الأمني وإحياء اللجان الأمنية المشتركة والحفاظ ، ما أمكن، على الاتفاقات المعقودة خلال الوجود السوري هناك.

إن جولة نائب وزير الاستخبارات المصرية على القيادات السياسية اللبنانية، عشية اجتماع اللجنة المصرية اللبنانية العليا، بعد انقطاع لأكثر من سبع سنوات، وعشية قمة ساركوزي مبارك، وإعلان الأخير أن مصر لن تتخلى عن لبنان، مطالباً برفع الأيدي عنه، تعيد الروح إلى الدبلوماسية المصرية في لبنان، وتهدف إلى موازنة النفوذ الإيراني والسوري فيه.


* * *

الوضع السوري


الغارة الأمريكية على الحدود السورية:

إن العدوان الأمريكي على قرية السكرية في البوكمال عمل مدان بكل المقاييس. فهو اعتداء صارخ على سيادة واستقلال بلادنا، وانتهاك فظ لحدودها الإقليمية، إضافة إلى كونه جريمة بحق الشعب السوري، إذ ترك عدداً من الضحايا بين قتيل وجريح في موقع الاعتداء. وسيؤثر سلباً على وضع النظام السوري ويزيد من قلق المجتمع السوري. هذه الغارة في ظل الأجواء التي سادت منذ آب الماضي، والتي خلقت حالة من الانفتاح الغربي، من خلال فرنسا تجاهه، وحصول تفاهمات خففت من التفجرات في المنطقة، وخاصة في لبنان، تأتي نشازاً. فكأنها تريد إعادة العلاقات السورية الغربية إلى ماقبل آب.

فالسؤال الأساسي، لماذا اختار الأمريكيون توقيت الضربة هذه؟. أغلب التحليلات تميل إلى أنها استمرار للضغط على سوريا لحفظ حدودها من تسلل الإرهابيين. فمن المعروف، أن ضربات كهذه قد حصلت في السابق دون أن يعلن عنها. باختصار هي رسالة تحذيرية إلى السلطة السورية. وهناك من أشار إلى أن البنتاغون أقنع بوش بضرورة التمسك بـ"استمرار الحرب على الإرهاب"، وهذا ما نلحظه من ضربات الجيش الأمريكي على الحدود الباكستانية – الأفغانية. سياسياً هي رسالة، كما في السابق، بأن على سوريا تحمل مسئولياتها في النزاع العراقي، في وقت تجري مفاوضات مع العراقيين من أجل التوصل إلى اتفاق أمني. وأخيراً رسالة فحواها أن على سوريا الاستمرار في سياسة التهدئة خلال الفترة الانتقالية.

عراقياً ربما تلعب هذه الضربة دوراً في إقناع الرأي العام العراقي أنه مازال بحاجة إلى حماية القوات الأمريكية. ومن الجانب العربي، لم تلق الغارة الإدانة الضرورية التي انتهكت سيادة دولة عربية شقيقة. بالطبع هذا الصمت يعكس سوء علاقات النظام مع أشقائه العرب.

أما رد الفعل السوري، فتميز بالضجة الإعلامية والمسيرة الشعبية وإغلاق المركز الثقافي الأمريكي والمدرسة الأمريكية، إضافة إلى رسالة احتجاج إلى الأمم المتحدة. وأخيراً، وربما ليس آخراً، وقف الصلات الدبلوماسية والأمنية مع العراق وخفض التواجد العسكري السوري على الحدود العراقية، ونشر قطعات على كامل الحدود الشرقية للبنان.

بصرف النظر عن ظروف العدوان وميزان القوى العسكري، كان على قواتنا أن تتصدى للمغيرين مهما كانت الخسائر. فصيانة الحدود واجب بل فرض عليها. أما الإدعاء باختيار زمن الرد على الضربة فهو غير مقبول. من الناحية السياسية، إذا أردنا أن نقيّمَ تدابير النظام تجاه هذه الغارة نراها ضعيفة وقاصرة. فبدلاً من الرسالة إلى الأمم المتحدة كان يمكن توجيه شكوى إلى مجلس الأمن، وهذا أضعف الإيمان. هذا عدا عن ضرورة إرسال قوات إضافية إلى الحدود العراقية بدلاً من سحبها، إذا كنا نحن المعتدى علينا. أخيراً كنا ومازلنا وفي كل مناسبة وأزمة تعترينا نؤكد على أن أي سلطة في أية دولة، حين تتعرض لمثل ما تعرضنا له سابقاً وحالياً، تحتاج إلى دعم شعبها وإشراكه في المسئولية وإعطاء دور هام له في معالجة المصاعب والتصدي لتلك المخاطر.

فبدون الوحدة الوطنية وبدون الدعم الشعبي يبقى أي نظام ضعيفاً وعاجزاً عن اتخاذ القرارات الملائمة.

لقد أثرت هذه الغارة ولا شك على مواقف السلطة السورية وزاد من قلقها، خاصة أنها من خلال الحوارات التي أجرتها فرنسا وقطر والاتحاد الأوروبي معها، أبدت استعداداً أولياً للتعاون والانفتاح المتبادل. كما عبرت فرنسا عن عدم رضاها، وكذلك بعض الأوساط الأوروبية من التصرف الأمريكي، مخافة أن تنتكس الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط. ولعل إرسال قطعات سورية على الحدود اللبنانية ليس له تفسير سوى التهرب من مسئولياتها لمنع الإرهابيين من التسلل إلى العراق، وإلى المزيد من التدخل في الشأن اللبناني. وسوف يقلق اللبنانيين الذين قطعوا أشواطاً هامة هدّأت نسبياً الأوضاع المتفجرة في الصيف الماضي، واتجهوا نحو تسويات، وإن لم تكن نهائية، إلا أنها قد تمهد في هذه الفترة الانتظارية نحو إيجاد حلول تطفئ بؤر التفجر وتتجه تدريجاً نحو الاستقرار.

الحوادث الأمنية الداخلية:

شهدت سوريا، خلال هذا العام، جملة من الاغتيالات السياسية وعمليات العنف والإرهاب في الشوارع، بدءً من اغتيال عماد مغنية، في منطقة كفرسوسة، والعميد محمد سليمان، في منتجع الرمال الذهبية بطرطوس، وتفجير سيارة مفخخة في حي القزاز على طريق المحلق الجنوبي، راح ضحيته سبعة عشر قتيلاً وعشرات الجرحى، والصدام المسلح بين رجال الأمن وأصوليين في مخيم اليرموك. ربما كانت هذه الحوادث جزء يسيراً مما هو جار على الساحة السورية، فالشائعات وأحياناً مشاهدات بعض الناس للعديد من المداهمات والمطاردات، التي تحصل هنا وهناك، لا يعلن عنها. باختصار، يبدو أن النظام السوري الذي كان يتغنى بقدرته على ضبط الأمن، وتحقيق الاستقرار، بدأ يشهد تحولات على الصعيد الأمني تدخله في حالة جديدة ومرحلة مختلفة.

الملاحظة الأساسية حول هذه الأحداث، أن النظام لا يتمتع بالشفافية المطلوبة ولا يعطي معلومات صحيحة عن حقيقتها ومرتكبيها والجهات التي ينتمون إليها. كل ما يفعله إعلامه عبارة عن تصاريح مقتضبة سرعان ما يتلوها تصريحات أخرى ملتبسة ومناقضة، تدخل المواطن في حيرة وتزيده بلبلةً. نعتقد أن سببها يعود في جوهره إلى طبيعته الاستبدادية لإخفاء الحقائق عن تحركاته وإلى طبيعة المرحلة التي نمر بها، والتي تتميز بأن النظام في سياساته المحلية والإقليمية والدولية مازال قاصراً عن اتخاذ المواقف الواضحة والمسئولة تجاه الاستحقاقات المطلوبة منه. فبعض المحللين مثلاً الذين يَرَوْن أن أكبر صعوبة لديه، فيما إذا انفتح على جواره وأشقائه العرب والمجتمع الدولي، آتية من علاقته مع إيران. فكيف يقطع أو يخفف من تحالفه معها، وكيف يغير أو يخفف من وطأة سياساته الداخلية الاستبدادية؟. ربما هناك قوى محلية نافذة قد تعترض على مثل هذا التوجه الانفتاحي الذي أشرنا إليه. يضاف إلى ذلك ما يمكن أن يتعرض له من ضغوط شديدة آتية من إيران مثلاً أو خسارة بعض المميزات والمكاسب التي تقدمها.

وهناك أيضاً من يرى أن تطورات الوضع العراقي السائر، وإن جزئياً، نحو الاستقرار الأمني بسبب الضربات التي تتلقاها القاعدة، وفرار أعداد كبيرة منها باتجاه سوريا، فهؤلاء لا يجدون خلال عودتهم ملاذاً آمناً مثلما كانوا يفعلون حين عبورهم إلى العراق. لذا لا يستبعد أن يندار الإرهابيون الفارون إلى الداخل السوري والعبث بأمن البلاد للانتقام منه. كما يرى البعض أن الاستعدادات الجارية للبدء بمحاكمة قتلة الحريري وكذلك التحقيقات التي ستجريها وكالة الطاقة الذرية، بعد الغارة الإسرائيلية على موقع الكَبر قرب دير الزور، كما تدعي الولايات المتحدة وإسرائيل، أنه مكان يحوي مفاعلات نووية. هاتان المسألتان، ربما دفعت السلطة إلى تصفية بعض الشخصيات التي هي على علاقة بهما، ويستشهدون على ذلك بمقتل مغنية وسليمان.

وهناك سبب آخر يسهم في الإخلال بالأمن له علاقة بالآثار السلبية للمرسوم (64/2008) الصادر مؤخراً، الذي أعطى حصانة لأفراد الشرطة في وزارة الداخلية وعناصر الشعبة السياسية ورجال الجمارك من المساءلة القانونية، إذا ارتكبوا جرائم يحرِّمها القانون، حين أداء مهماتهم الموكولة إليهم، والتي قد تعرضهم للخطر حين ملاحقة أو مداهمة المطاردين أو المهربين. ونص المرسوم أيضاً على حصر هذه المساءلة بالقيادة العامة للجيش. فلا يحق للمتضررين رفع الدعوى إلا بموافقتها.

إن هذا المرسوم والمرسوم 14/1966 وجميع القوانين والمراسيم المشابهة، حمت وماتزال تحمي عناصر أمن استهتروا بالقانون وارتكبوا جرائم وحشية، كانت وما تزال سبباً رئيسياً في ترويع الناس، واضطراب الأمن.

بعد صدور المرسوم الأخير وقعت جرائم لا يمكن السكوت عنها، وينبغي إحالة مرتكبيها إلى القضاء للاقتصاص منهم. من هذه الجرائم المنكرة الجريمة التي ارتكبها جهاز الأمن العسكري بحمص، حيث أقدمت دورية تابعة له على قتل المواطنَين سامي معتوق وجوني سليمان وجرحت اثنين آخرين في قرية المشيرفة التابعة لمحافظة حمص. لا نعلم حتى كتابة هذه السطور إن تمكن أهالي الضحايا من الحصول على إذن من القيادة العامة للجيش لرفع الدعوى على القتلة أمام القضاء العسكري. وهناك أخبار عن جرائم مماثلة كقتل المواطن أحمد رمضان في معرة النعمان والمحاسب في بنك بيمو عبد الله الياس البيطار بدمشق. كما علمنا أن معاملة مخالفة للقانون في سجن القامشلي ضد السجناء، يمارسها السجانون ومدير السجن الذي يتلذذ بتعذيبهم بالصعقات الكهربائية واقتلاع الأظافر. فهناك خشية من تكرار أحداث صيدنايا هناك.

إن هذا المرسوم والمراسيم السابقة ينبغي إلغاؤها، لما لها من نتائج تروع أمن الناس وتثير الأحقاد وتخل بالاستقرار الاجتماعي، أو إلغاء الحصانة أو حصرها بيد القضاء العادي.

المرسوم49/2008، واعتصام الأكراد أمام مجلس الشعب:

قمعت (قوات مكافحة الإرهاب) اعتصاماً للمواطنين الأكراد أمام مجلس الشعب، احتجاجاً على صدور المرسوم التشريعي 49/2008 الذي عدل المرسوم رقم 41/2004. فاعتقلت أعداداً كبيرة منهم، بينهم عدد من قادة الأحزاب الكردية، ثم أفرجت ليلاً عنهم.

ينص هذه المرسوم على منع السوريين في المناطق الحدودية من التصرف بعقاراتهم وأراضيهم إلا بعد موافقة وزارة الداخلية والأجهزة الأمنية، إضافة إلى وزارتي الدفاع والزراعة. هذا المرسوم لم ينشر في الإعلام بخلاف المراسيم والقوانين الأخرى، وجرى تعميمه على الدوائر العقارية لتطبيقه.

الملاحظة الأساسية على هذا المرسوم، قياساً على المرسوم السابق 41/2004 ، أنه وسع دائرة المنع إلى العقارات المحررة والأبنية في المدن إضافة إلى الأراضي الزراعية. والملاحظة الثانية أنه، كما في السابق، حصر الترخيص بالجهات المذكورة أعلاه. ومعلوم أن المقصود بالمناطق الحدودية تلك التي تجاور الحدود التركية ومحافظة القنيطرة، وهي المحددة بالتعليمات اللاحقة للمرسوم السابق.

إن التطبيق العملي لهذا المرسوم، إذا لم تكن ترافقه مرونة ونزاهة في إعطاء التراخيص، يمكنه أن يشل الحركة الاقتصادية لتلك المناطق، خصوصاً أن الجزيرة من أهم المحافظات التي تغني الاقتصاد الوطني بالحبوب والقطن والنفط وسواها. المواطنون في المناطق الحدودية كانوا يشكون من المرسوم 41/2004 وما سبقه من مراسيم أو قوانين شبيهة منذ عام 1952 . والشكوى الأساسية كانت تأتي من ممارسات السلطة، بصورة خاصة ضد الأكراد. وهذا هو السبب الذي جعلهم بعد صدور المرسوم الجديد يشعرون بالتمييز والغبن. فكأنه يرمي إلى محاصرتهم في معاشهم وأملاكهم ويدفعهم إلى مزيد من الفقر وربما إلى الهجرة أيضاً. فهذا المرسوم في رأينا يتناقض مع الحق الدستوري في حرية التملك والسكن والتنقل ويؤدي إلى أضرار اقتصادية ومعاشية كما أشرنا، عدا عن الأضرار الناشئة عن الانقسام الاجتماعي.

الأحكام الجائرة بحق قادة إعلان دمشق:

انعقدت قبل ظهر الأربعاء 29/10/2008 الجلسة الأخيرة لمحاكمة معتقلي إعلان دمشق. تلا رئيس المحكمة قرار الإدانة بتجريمهم بجنايتي: إضعاف الشعور القومي (المادة 285من قانون العقوبات) ونقل أنباء كاذبة..(المادة 286من القانون ذاته)، وسجنهم ثلاث سنوات لكل منهما. وبعد دغم العقوبتين، وللأسباب المخففة التقديرية، خفض الحكم إلى سنتين ونصف لكل من المتهمين وتجريدهم مدنياً وحجرهم، حكماً قابلاً للطعن. وقد ساد الانزعاج والوجوم على وجوه الحاضرين لدى سماع الحكم. وفجأة دوى صوت من داخل قفص الاتهام: عاشت سوريا، وردد الحضور هذا الهتاف مضافاً إليه يسقط الاستبداد. تلا ذلك موجة من التصفيق الحاد من قبل الحاضرين، تحية واحتراماً للأبرياء الشجعان الواقفين في قفص الاتهام. وبينما كان المعتقلون والحاضرون يلوحون بقبضاتهم ضد الحكم الجائر تعبيراً عن الصمود والتضامن، وسط صيحات الاحتجاج والهتاف: عاشت سوريا حرة وطنا ومواطنين، سوريا الحرة تستحق كل تضحية. فأعطيت الأوامر بإخلاء القاعة فوراً.

وهكذا أسدل الستار على هذه المحاكمة المهزلة التي راح ضحيتها الشخصيات الوطنية الديمقراطية المناضلة: د. فداء أكرم حوراني رئيسة المجلس الوطني ورياض سيف رئيس مكتب الأمانة وأمينا سر المجلس أحمد طعمة وأكرم البني وأعضاء الأمانة العامة علي العبد الله وياسر العيتي ووليد البني وجبر الشوفي وأعضاء المجلس الوطني فايز سارة وطلال ابودان ومحمد حجي درويش ومروان العش.

لاقى هذا الحكم بحق مناضلي إعلان دمشق استنكاراً وشجباً واسعين داخل البلاد وخارجها. وقد صدرت بيانات من مختلف الجهات المهتمة بحقوق الإنسان والأوساط الديمقراطية، تندد به وبالسلطة السورية التي مازالت تمارس سياساتها القمعية ضد المعارضة، بل ضد أي رأي آخر. وطالبت بالإفراج عنهم وعن كل المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي. أما الأوساط الدولية الرسمية، فعبرت عن استيائها تجاه هذه الأحكام، واعتبرت أن سلوكاً كهذا لا يلقى الاحترام. أما الأمانة العامة لإعلان دمشق فقد أصدرت بياناً شجبت فيه هذا الحكم الذي تم "بناء على تهم واهية لجهاز أمن الدولة" واعتبرتها "محاكمة سياسية بامتياز، في بلد لا تتوفر فيه الحدود الدنيا للحريات العامة وحقوق الإنسان، ويفتقر إلى الحياة السياسية اللائقة التي يتوق لها الشعب السوري".

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.