بعد 14 عاماً على المعاهدة الأردنية – الإسرائيلية: سلام بارد ومخاوف في عمان من مخططات تل أبيب

0
198

عمان – من عمر عساف:

مع مرور 14 عاما على معاهدة السلام مع إسرائيل، والتي تصادف اليوم ذكرى توقيعها، يتجدد الجدل في الأردن حول ما قدمته لهذا البلد الذي، على رغم الاستقرار والأمن اللذين يتمتع بهما وسط اهتزازات الشرق الأوسط، لا تزال الشكوك والمخاوف تجتاحه حيال النيات الإسرائيلية المهددة لكيانه ونظامه السياسيين.

ومع أن المعاهدة لقيت عند إقرارها وسريانها ترحيبا من بعض الأوساط الأردنية، حتى أن سياسيين بنوا عليها آمالا عريضة لجهة انهاء حال "اللاحرب واللاسلم" التي دامت أكثر من أربعين عاما، وفتح آفاق لإنهاء الصراع العربي – الإسرائيلي، إلا أن أصوات المؤيدين لها خفتت وتراجعت، لتحل محلها أصوات المنتقدين لها، خصوصا أولئك الذين راهنوا منذ البدايات على أن السلام لا يمكن تحقيقه وأن الصراع مع إسرائيل هو "صراع وجود لا حدود".

الآن، تتجدد أسئلة في شأن: ما الذي قدمته المعاهدة للأردن، وما الذي كان يراهن عليه الأردنيون عند توقيعها، وما الذي يجب عليه أن يفعله الآن؟

بعد توقيع المعاهدة في السادس والعشرين من تشرين الأول 1994 وعد رئيس الوزراء الأردني آنذاك عبدالسلام المجالي مواطنيه بتحقيق الإزدهار واعداً اياهم بـ"اللبن والعسل".

غير أن هذه الوعود ذهبت هباء، وما كان يمكن أن يطلق عليه وصف "سلام دافئ"، تحول إلى "سلام بارد" وفق وصف رئيس الوزراء ورئيس مجلس النواب سابقا طاهر المصري.

 

سلام بارد

وشدد المصري، الذي شغل منصب رئيس الوزراء عندما شارك وفد بلاده في محادثات مدريد، في حديثه إلى "النهار" على أن هذا البرود كان منبعه تل أبيب وليس عمان التي، في رأيه، "التزمت حتى هذه اللحظة بالمعاهدة، بينما لم تحقق إسرائيل ما عليها" وأفرغتها من مضامينها.

وهو لا يقصر وصفه هذا على الجانب الشعبي فحسب، بل يشدد على أنه تجاوزه إلى المستوى الحكومي، لتولد اقتناع أكيد للحكومات الأردنية عبر السنوات الماضية بأن إسرائيل "تماطل وغير جادة في تحقيق السلام الشامل".

ولاحظ أن الحديث عن  "المنفعة" من وراء  الاتفاق "جدلي (…) وهناك خلاف واسع في شأنها". ويدلل على ذلك بأن إحدى أبرز النتائج، أي تثبيت حدود الأردن، هي الآن موضع خلاف حول جدواها.

وأوضح أن تثبيت الحدود الغربية للدولة الأردنية، كان يخفي وراءه هدفا آخر هو "تخطيط الحدود الشرقية لفلسطين لتكون مقدمة لإقامة الدولة الفلسطينية". واضاف أن الأردن عندما  وقع المعاهدة، كان أهم ما يهدف إليه بصورة رئيسية أن يمهد الاتفاق ويساعد على حل القضية الفلسطينية وإنهاء الصراع العربي – الإسرائيلي بما يعيد الحقوق إلى أصحابها ويتيح للفلسطينيين إقامة دولتهم المستقلة على ترابهم الوطني، "وهو ما لم يتحقق حتى الآن ولا يلوح في الأفق أنه صائر باتجاه تحقيقه".

 

لا مكاسب

وأيد الكاتب السياسي جمال الطاهات هذا الرأي، وشدد على أن المعاهدة عجزت عن تحقيق الهدف الاستراتيجي لها أردنيا في أن تشكل لبنة حقيقية في تحقيق السلام الشامل الذي لطالما دعت عمان إليه.

المنطق ذاته كرره الناطق باسم حزب جبهة العمل الإسلامي ارحيل الغرايبة، الذي رأى أن المعاهدة التي "جرى التسويق لها" إبان توقيعها على أنها "ثبتت" حدود الأردن "أفرزت نتائج عكسية تتجلى مظاهرها بارتفاع وتيرة سعي الكيان الصهيوني لتصفية القضية الفلسطينية على حساب الأردن".

ورأى المصري أن المماطلة الإسرائيلية أفسحت في المجال أمام تكهنات بأن تل أبيب "تلعب بورقة الوطن البديل أو الخيار الأردني وإيجاد دور أردني في الضفة الغربية".

ومع أنه اكد وجود إجماع وطني على رفض أي من هذه الخيارات، الا أنه ابدى مخاوفه من أن تسعى إسرائيل ودول أخرى إلى إيجاد مناخ سياسي إقليمي ودولي لتهيئة الوضع لفرض أحد هذين الخيارين على الأردنيين والفلسطينيين.

ومن هنا شدد المصري على أن الأردن "لا يزال ملتزما إرساء السلام  وله مصلحة كبرى في تحقيقه لأغراض تتعلق بحل القضية الفلسطينية بما يحفظ للشعب الفلسطيني حقوقه وفي مقدمها إقامة دولته المستقلة… وكذلك لأنه يخدم مصالح الدولة الأردنية العليا وأمنها القومي". لكنه اصر على أن هذا الفهم للسلام لن يكون مقبولا "على الطريقة الإسرائيلية". واشار في هذا السياق إلى الدور الأردني الفاعل في إخراج مبادرة السلام العربية إلى حيز الوجود، التي كان طرفا مكونا لها، وإلى حشد مباركة عربية وتأييد دولي لها. وهي المعاهدة التي تضمن تحقيق سلام شامل يؤمن إعادة الحقوق العربية لأصحابها ويوفر لإسرائيل الأمن وتطبيعا كاملا للعلاقة مع العالم العربي.

 وهذه المبادرة كانت إسرائيل الوحيدة التي رفضتها، ووضعها بعض الساسة الإسرائيليين على الرف، وفق المصري، حتى جاء الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريس أخيرا قبل أيام وقال إنه يقبل بالتفاوض على أساسها.

 وهنا نبه المصري إلى أن هذا الإعلان من بيريس "قد يكون إحدى المراوغات والأكاذيب من الحكومة الإسرائيلية".

واعتبر الغرايبة، الذي يقود حزبه (ومن ورائه جماعة "الإخوان المسلمين") المعارضة الأردنية الحزبية المدعومة من النقابات المهنية، أن المعاهدة عادت على الأردن بـ"نتائج وخيمة"، فلا جعلته في منأى عن الأطماع الإسرائيلية التاريخية التي تتربص به، ولا حققت السلام العادل الذي كانت الحكومات الأردنية تطمح اليه.

 ولفت إلى أنها "كانت سبباً رئيساً في تراجع الإصلاح السياسي وتقييد الحريات العامة وتراجع دور الإعلام وسن العديد من التشريعات التي انتقصت من حقوق الأردنيين"، كما أفرزت "نتائج سلبية" على العديد من القطاعات الاقتصادية الأردنية من صناعة وزراعة وسياحة.

 وهو ليس وحيداً في استخلاص هذه النتائج، إذ أظهرت دراسة تحليلية للمعاهدة أجراها الباحث الأردني محمد عايش أن الحريات "تراجعت وانخفض هامش الديموقراطية على اعتبار أن القضية المركزية للمعارضة الأردنية وقوام مبادئها هو رفض التطبيع مع إسرائيل".

 واضافت الدراسة التي أعدت قبل عامين أنه حتى اقتصاديا "ذهبت عشرات الوعود بإقامة مشاريع ضخمة وإحداث انتعاش في السوق الأردني أدراج الرياح بعدما اكتشف الأردنيون أن الطرف الوحيد المستفيد اقتصاديا من هذا السلام هو الإسرائيليون"، ذلك أن مشاريع المطار المشترك في العقبة ومحطات تحلية المياه ومشروع سحب مياه الأحمر إلى البحر الميت لم تتحقق، كما لم يحصل الأردن على حصته من المياه التي تقدر بـ 50 مليون متر مكعب سنويا بحسب المعاهدة.

 

 ما العمل؟

 يقول المصري إن الأردن سيؤكد إصراره ويضاعف جهده السياسي لجعل المبادرة العربية مطلبا دوليا وحشد التأييد لها والضغط على إسرائيل للقبول بها والشروع بتنفيذها. وإذ لفت إلى أن عمان تركز الآن على الوضع الفلسطيني الداخلي، اكد أنه من هذا الباب فتحت باب الحوار مع حركة المقاومة الاسلامية "حماس"، ليس أمنيا فقط بل سياسيا، لوضع حد للصراع الداخلي الفلسطيني والتقريب بين "حماس" والسلطة على قاعدة المصالح الوطنية العليا للشعب الفلسطيني.

أما الغرايبة فشدد على أن "اللحظة التاريخية ملائمة لاستخلاص العبر واتخاذ موقف حازم من المخاطر المحدقة بالأردن"، داعياً إلى موقف "إجماع وطني يقطع الطريق على محاولات الكيان الاسرائيلي تمرير مؤامراته تجاه الأردن".

 ويقترب  الطاهات من طرح الغرايبة، إذ يعتقد أن نتائج المعاهدة وعدم الرضا الشعبي والحكومي عنها، إلى انكشاف الأردن على أخطار حقيقية تتمثل في التهديدات الإسرائيلية التي تتردد على ألسنة النخب السياسية واليمين الحاكم في تل أبيب تبرر موقفا أردنيا حاسما يطالب بإعادة التفاوض مجدداً مع إسرائيل على الملفات الأساسية.

 وهذه الملفات هي: علاقة الأردن بالتسوية النهائية وتحديدا ملف اللاجئين، والقدس وترتيبات العلاقات الثنائية.

واشار إلى أن الهدف من المطالبة بإعادة التفاوض في شأن هذه الملفات هو "بلورة قواعد جديدة للتسوية التي يجب أن تفضي إلى دولة فلسطينية مستقلة بموجب قرارات الشرعية الدولية". واعرب عن اعتقاده بأن التطورات العالمية الكبرى   الناجمة عن الأزمة المالية ستغير علاقات القوة في العالم بحيث لا تبقى الولايات المتحدة هي اللاعب الوحيد المهيمن، ولا تبقى كذلك في تأييدها المطلق لإسرائيل، مقترحاً العمل على التوصل إلى  "إعلان مبادئ أردني إسرائيلي" في شأن هذه الملفات.

"النهار"

اترك تعليق