قمة «العشرين» لإعادة الإقراض

    0
    847

    الحياة     – 03/04/09//

     

    «قمة إعادة الإقراض المتوقف إلى الأنظمة المصرفية في العالم»، ربما هو الوصف الدقيق الذي يمكن توصيف قمة لندن به، التي انتهت أمس.

    فأزمة المال التي جابت العالم خلال الأشهر الأربعة الأخيرة من العام الماضي، وأحرقت «تريليونات» كثيرة، وأدت إلى إعلان إفلاس شركات كبرى، وتركت المتبقية على وشك الانهيار، انتهت كخسائر وتركت وراءها اخطر ما يمكن أن تتركه أزمة، وهو فقدان الثقة بين المقرض والمقترض.

    فتوقف المصارف حول العالم عن الإقراض كلياً أو جزئياً أوقف الحركة والدوران المستمر لعجلة الاقتصاد، وهو أسوأ ما يمكن أن يواجهه اقتصاد دولة من أزمات، فكيف إذا كانت الأزمة تكتسب صفة العالمية بامتياز من دون استفتاء.

    وفي سبيل إعادة الإقراض إلى النظام المالي العالمي كان اجتماع العشرين في قمة واشنطن أواخر العام الماضي، وكانت قمة لندن التي عُقدت أمس وحضرها رؤساء أغنى دول العالم ورؤساء الصناديق والبنوك الدولية ومنظمة الأمم المتحدة والتجارة العالمية وغيرها.

    وإن كانت القمتان خرجتا بكثير من التوصيات وتعهدتا بكثير من الإصلاحات المالية وتكثيف المراقبة والمحاسبة على شركات التقويم المالي، التي كانت تقويماتها من جانب وتساهل السلطات المالية من جانب آخر، في ما يخص الكفاءة المالية للمقترضين، السبب الرئيس في نشوء الأزمة وانتشارها، كما تعهدتا إصلاح أوضاع صناديق التحوط العالمية، وتكثيف الرقابة على الحوافز المالية الكبيرة لرؤساء المصارف والشركات. إلا ان لا حديث ولا صوت يعلو على صوت إعادة الإقراض إلى الأنظمة المصرفية اليوم، قبل غد.

    والمتتبع لسياسات الدول النقدية والمالية، بعد نشوء الأزمة مباشرة، يجد أن كل هذه السياسات تصب في جانب واحد، الحرص على إعادة الإقراض، فالأسواق مملوءة بالمقترضين والراغبين في الاقتراض، لكنها تخلو من مقرضين، وتالياً لا بد من إيجادهم مهما كان الثمن.

    ولو عدنا إلى الاتفاق الصادر عن وزراء المال ومحافظي البنوك في الدول العشرين خلال اجتماعهم منتصف الشهر الماضي في فندق «هورشام» جنوب العاصمة لندن، لوجدناه ينص في أول بنوده على «ان أولويتنا الحالية هي إعادة الإقراض إلى النشاط المصرفي والتجاري، مع التزامنا توفير السيولة اللازمة إلى المصارف لإعادة الإقراض إلى النشاط المصرفي».

    وإن كان التعهد الجماعي جاء متأخراً – من وجهة نظري – لأن كل دولة قامت بصورة منفردة بضخ البلايين في قلب نظامها المصرفي، كما اشترت الدول بلايين الاصول المسمومة من البنوك، وقدّمت ضمانات كبيرة في مقابل القروض، وخفض أسعار الفائدة إلى ما يقارب الصفر، والتوسع في الإنفاق الحكومي، وعلى رغم ذلك لا تزال المصارف متوقفة عن الإقراض.

    واختتم بأن قمة لندن – ومن قبلها واشنطن – ناقشتا توصيات اللجان، وبحثتا توسيع نطاق عمل الصناديق والمؤسسات الدولية، وتعهدتا مواصلة الانفتاح وحرية التجارة والقضاء على «الحمائية»، وتشديد الأنظمة على مؤسسات المال لمنع تكرار حدوث أزمات مماثلة، وخولت الصندوق الدولي إطلاق صافرة الخطر قبل الوقوع في الأزمة، إلا أن هذه الأمور كلها تعتبر حواشي وهوامش بالمقارنة مع الهدف الأهم للقمة في طبعتها الأولى أو الثانية وهو نجاحها في إقناع المصارف بالعودة إلى الإقراض. فهو المعيار الأول للحكم على تجاوز العالم نفق التوقف والانتظار وانتهاء ظاهرة «عدم التيقن» والضبابية التي أفرزتها الأزمة الحالية وما زالت سائدة ومسيطرة. ومتى عاد الإقراض إلى طبيعته، فإنه يمكننا القول إن العالم استطاع تجاوز أزمته، وساعتها ننسى التوصيات والإصلاحات والحواشي التي صاحبت الهدف الرئيس والذي من اجله كانت القمتان.

     

     

    * من أسرة «الحياة»

    اترك تعليق

    This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.