القمة العربية والمصالحات

    0
    88

    منذ ان انطلق قطار المصالحات العربية في قمة الكويت الاقتصادية في كانون الثاني الفائت بموقف العاهل السعودي الملك عبد الله بن العزيز، وهو يتقدم على خطوط عدة متوازية  سعودية –  سورية – مصرية. وكانت القمة الرباعية التي عقدت في الرياض قبل اسبوعين محطة محورية في مسيرة المصالحات التي لا يزال الشك يخامر المراقبين في مدى عمقها وفاعليتها في ظل بقاء البند الاساس للمصالحات معلقاً، لا سيما عند الموقف السوري الذي لم يتضح حتى اليوم.

    البند الاساس في المصالحات العربية يتعلق بحدود الدور التدخلي للجمهورية الاسلامية في ايران، وهو اساس الطرح الذي تقدم به النظام العربي الرسمي للطرف السوري مشفوعا بسلة من الحوافز المجزية التي يمكن النظام السوري ان يفيد منها على اكثر من صعيد، بدءا من العودة الى قلب المعادلة الرسمية العربية من ضمن المثلث العربي، مرورا بدفع المجتمع الدولي الى مزيد من الانفتاح على دمشق، وانتهاء بالسلة الاقتصادية التي من شأنها انقاذ الوضع الاقتصادي السوري المتردي جراء فشل  الرئيس بشار الاسد في تنفيذ تعهداته الاصلاحية من جهة، وتراجع حجم  الاستثمارات الخارجية بالارقام الحالية منذ 2005 من جهة اخرى.

    العنوان إذاً هو ايران، واختراقها للساحة العربية في معرض تجميعها الأوراق في مواجهة المجتمع الدولي، وفي بنائها خطوطاً دفاعية لحماية النظام. ولعل الساحة العربية التي تتعرض لهجمة ايرانية عبر البوابة الفلسطينية شكلت وتشكل اصعب التحديات امام النظام العربي الذي يجد نفسه محوطاً  بعدد من الاخطار التي تتوازى خطورتها على الكيانات، ووحدة المجتمعات في آن واحد. فالتحدي الاسرائيلي ماثل وتاريخي، ومعه تحدي مواجهة السياسات الغربية الوصائية على عالمنا. ولكن الخطر الاكبر يبقى في عرف النظام العربي الرسمي، في ايران ومشروعها للهيمنة على الساحة العربية. وللخطر المذكور اوجه عدة، أولها الدخول على خط الصراع العربي – الاسرائيلي من اجل التمركز في قلب قضية تحتل موقع الصدارة في الوعي واللاوعي العربي والاسلامي، واستغلالها للتوسع نفوذا في المشرق العربي بواسطة منظمات مسلحة تعمل من خارج المعادلات الكيانية والرسمية العربية. ولعل  تجربتي دويلة  "حزب الله" في لبنان، والحالة الانقلابية لـ"حماس" في غزة تمثلان ابلغ مثال على التوجه الايراني المشار اليه. وهو مستمر ولن يتوقف بمجرد ان يتقدم مسار المصالحات العربية. من جهة اخرى يتمثل التحدي الايراني في ما بات يعرف بمشكلة التشييع المتواصل في مجتمعات ذات غالبية سنية واضحة. وتصريحات الداعية الشيخ يوسف القرضاوي المقيم في الدوحة – والمبررات التي ساقتها الحكومة المغربية لقرارها قطع علاقاتها الدبلوماسية مع ايران، نسبة الى عمليات تشييع واسعة تجري في دول المغرب العربي وفي اوساط الجاليات المغاربية في اوروبا – تمثل عينة صغيرة من التحديات التي تواجهها المجتمعات العربية في كل مكان من المشرق الى المغرب حيال سياسة ايرانية لن توفر سوريا نفسها إذا لم يتخذ النظام فيها قرارا حاسما في اتجاه القطع مع وظيفة الجسر التي أداها للسياسات الايرانية، من دون الاخذ في الاعتبار اختلال التوازن بين ايران الصاعدة وسوريا التي لن تعود يوما الى ما كانت عليه ايام الرئيس الراحل حافظ الاسد. وقد كانت مرحلة الاسد الاب استثنائية في تاريخ سوريا الحديث.

    في مطلق الاحوال السؤال الاساس هو، هل يكون الرئيس بشار الاسد على موعد مع المصالح العربية الفعلية، ام ان الفرصة فاتت  وما عاد الاسد الابن الذي بالغ في مراكمة الاخطاء الفادحة في فترة حكمه، قادرا على الإفلات من القبضة الايرانية؟

    ما لم يحصل تغيير سوري جوهري في مقاربة السياسات الايرانية فلن تكون هناك مصالحات حقيقية. لأن التحدي الاكبر الذي يتهدد العرب ويكاد يتقدم في جوانب عدة  على التحدي الاسرائيلي، هو المشروع التوسعي الإيراني في المنطقة. هذه هي المعادلة الجوهرية المطروحة لنجاح القمة العربية  المقبلة في الدوحة.

     

    علي حماده    

    ali.hamade@annahar.com.lb

     

    اترك تعليق

    This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.