عن الثقافة والسياسة.. سورياً: معبد الحسون

0
793
معبد الحسون

يجب أن نأخذ مظاهر السخرية والاحتقار والرفض المتبادل، بين مجاميع السوريين، على محمل الجد، وتفكيك الظاهرة وتشريحها معرفياً.. الأحزاب التاريخية العتيقة التي تشكلت عبر مسيرة سوريا القديمة قبل حوالي قرن، كانت تناقش باستفاضة وتردد كل منتسب إليها ينحدر من أصول بورجوازية، أو منبت طبقي مشبوه، أو عائلياً لا يُعرف عنه أو عن عائلته التزام او انضباط ديني محافظ،.. وهذه الملاحظة الأخيرة قد تكون خاصة بالاتجاهات الإسلامية..
هناك ذهنية تقع بجوار التفكير السوري، لا تكاد تقاربه أو تدنو منه، لأنها ذهنية تقوم على مايشبه البديهية الراسخة التي لا تحتاج إلى نقاش.. فهي تشكل وتؤطر نموذج التفكير الأولي، القبْلي التصور.. وهذه النمذجة الموروثة تاريخياً، والتي ينبني عليها ولا تُبنى، ويؤسس فوقها ولا تُؤسس، هي ذهنية مشتقة ومتحدرة من إطار قَبَلي، (صحراوي النزوع، في مقابل مدنية النزوع)، يعاير نهجه ويعدل طرائق تصوراته عن طريق الفخر والتهاجي والمديح.. وفي فضاء ديني تبشيري واصطفائي، يصحح بعضه ذاتياً بوصفه (ماهية خالصة النقاء)، أو هي تطمح إلى الارتقاء والوصول إلى هذا الصفاء “الإمبيقي المخبري”، عن طريق “المجاهدة والصبر والاجتهاد”..
هذه الذهنية هي، كما أسلفت، شكلت إطاراً لمستوعباتنا الثقافية والسياسية، وإذا صحت فرضيتي بأن الثقافة، لم تكن تاريخياً أكثر من شيء تملكه “القبيلة والسلطة” في حدوده المتسعة العامة، وليس بخصوصيته الاستثنائية.. وأن كل تجلٍ لأية حقيقة يجب أن يكون خاضعاً لموافقة مسبقة وقبول من الدولة/السلطة.. أو من المجموع العام الذي ننتمي إليه.. او أنها في بعدها العام شيء يحاول أن يتماهى بالسياسة والمجتمع أكثر مما يحاول أن يتماهى بالحقيقة والمعرفة، وأن يعيد إنتاج خطاب السياسة وخطاب المجتمع(كما هو على عواهنه) في ثلاثة أرباع النشاط الثقافي المبذول.. وبغض النظر عن ماهية الفئوية التي تكون مرجعية خاصة بنا: قبيلة، عشيرة، حزب، دين، طائفة، إثنية عرقية، بل وحتى شلة من الأصدقاء الذين لا نرتاح إلا معهم ومن خلالهم.. أذكر في المرحلة الماضية، كيف كان النظام يكلف عنصراً من فروع الأمن لحضور أية بادرة أو نشاط ثقافي، سواء كان محاضرة أو قصة قصيرة أو معرضاً تشكيلياً أو تصويرياً، أو مسرحية.. وكيف أن ذلك المندوب كان مكلفاً بتقرير وشرح وافٍ عما دار ويدور في تلك الأمسية أو بين الحاضرين المدعوين، (أحياناً كان يستعين المخبر بصاحب المحاضرة أو النشاط نفسه، الكاتب أو الفنان لكي يصوغ له العبارات ويساعده على كتابة التقرير إذا كان محدود الملكات الذهنية والكتابية).. ولنتصور اليوم، رقيباً علينا من داخلنا، أو شخصاً (ثانياً)، لا شعورياً قابعاً في أعماقنا المظلمة، يوافينا على مدار اللحظة، بتقرير عن من يكون مقبولاً أو غير مقبول من الآخرين من حولنا..
لاثقافة إذن ولا معنى للحقيقة خارج السياسة، والتي هي في صيغها المتعارف عليها في القرن الماضي ليست أكثر من مجموعة مبادئ وإيديولوجيات.. فالسياسي وهو يتحدث عن”الشعب” و”الجماهير” و”الأمة” و “الناس” و “الديمقراطية والأكثرية والأغلبية”.. إنما كان يعني ـ وإن لم يكن يدرك مباشرة جوهر المعنى الذي يقصده ـ فئة معينة من الشعب والجماهير والأمة والناس والأكثرية.. الخ.. إنه بالطبع يستبعد اللصوص والقتلة والمحكومين وذوي السوابق الجرمية، وهو كذلك يستبعد الكذابين والساقطين والمتورطين في لوثات أخلاقية من وجهة نظره، والمختلين والمجانين والمخرفين وذوي العاهات النفسية والمعوقين عقلياً وذوي الاحتياجات الخاصة.. كذلك هو بالبداهة يستبعد جميع غير المهتمين بخطابه، وغير الحافلين أو المؤمنين به..وبالطبع هو يستبعد المنافقين والمذبذبين ومعدومي الثبات على الموقف.. وإذا أضفنا أنه في غالب الأحيان، غير معني بخطابه كجهة يتوجه إليها، بالنساء والأطفال.. ولا كذلك بالأميين وبسطاء الناس ودراويشهم والمحرومين من أية معرفة، من الذين يعتقد أن لاصلة تربطهم بالسياسة ولا الثقافة، ولا منفعة مرجوة منهم.. وإذا لم نغفل عن تقدير الأغلبية الدينية والعرقية التي تلغي من عقلها الأقليات، والأقليات التي تحذف الأغلبية مطلقاً،سوف نتوصل إذن إلى نتيجة هي أن الثقافة والسياسة هما (حقل من النقاء)، لا يمكن الوصول إليه، ولا يمكن ممارسته أو التخاطب من خلاله، إلا في زاوية رؤيا لاترى أكثر من 3% من هؤلاء “الأنقياء”.. هؤلاء هم الشعب والجماهير وهم الأغلبية كما تتصورها نخب الثقافة والسياسة، والمعنية بكل خطاب..
استتباعاً لهذا العقل الثقافي والسياسي، لا يمكن تصور وجود (كاتب عرصة) مبدعاً، ولا(فنان ابن حرام)، ولا مطرب أو فنان تشكيلي أو مخرج سينمائي (معتل نفسياً أو عقلياً)، ولا كاتب قصة أو رواية أو مقالة أو رسام كاريكاتير أو وزير أو شخصية عامة (أخته شرموطة).. أو بالتعبير السوري الدارج:” بترجع عالبيت الساعة 3 بالليل”..
ملعب هذا الذي أتيت على وصفه، وفضاؤه الذي يلعب فيه السياسي والمثقف، هو الأوسع والأرحب في الذهنيات العامة، إذا شئنا أن لا نتحول إلى الدوائر الأضيق، والأكثر خصوصية ومحدودية، فالإسلامي ـ مثلاً ـ لا يستبعد من ذكرت آنفاً فقط، وإنما هو لا يتصور أن زاويته أو حوزته الثقافية أو السياسية، يمكن أن تستوعب أكثر من إسلاميين، ولا العلماني ـ أو القومي أو اليساري ـ يمكن أن تستوعب زاويته وحوزته أكثر من علمانيين، أو من هم على شاكلته في خصوصية فهمه للعلمانية.. وكل ذلك إذا لم نذهل عن أن مسارات الثورة السورية عموماً، والقوى التي مازالت حتى اليوم توجهها ثقافياً، كانت دائمة الحضور بهذه الذهنية، وأن كثيراً من الثوار إنما كانوا يشعلون ثورة الـ 1% من المقبولين والمتخيلين ذهنياً، ضد الـ 99% من أضدادهم.. هكذا يصبح الشعب حاضراً في مقصودنا اللاشعوري، وفي رؤيتنا الباطنية غير المحوكمة، وكأنه فئة أقل من محدودة ومجموعة صغيرة وقليلة العدد، هي كافية وزيادة.. بل ويمكن أن نحقق ثورة مجتمعية ونقلة حضارية كبرى وجبارة بهذه النسبة “النقية” نقاءً مخبرياً، كما نتمثلها في العقل والخطاب العام..
معبد الحسون ـ كليرمون 8/ 5/ 2018

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.