لا للتنوير و لا للاصلاح الديني نعم للحياة نعم للسياسة على ضوء فلسفة التاريخ قراءة في كتاب هاشم صالح (الانتفاضات العربية على ضوء فلسفة التاريخ). : قاسم الهندي

    0
    705

    قاسم الهندي *

    رغم ان الكثيرين تكلموا حول الثقافويين (ياسين الحاج صالح ،حازم صاغية)، و طريقة تفكيرهم ، و ما يريدون تحقيقه عبر طروحاتهم .
    الا أن ما اثارني لدى هاشم صالح هو استناده للتاريخ، في محاولته اثبات ما يريد ان يصل اليه، و لو حتى عن طريق لوي عنق التاريخ لصالح رؤيته.
    بعد سبع سنوات من ثورات الربيع العربي ،و انتكاس اكثرها ، و عدم تحقيق ما تصبو اليه، او على القليل افتراضية التزامها بما كانت تعبر به عن نفسها، عن طريق خطابها ،كخطاب الثوار المصريين (الشعب يريد اسقاط النظام)، فهل حقيقة سقط النظام المصري، او جاء نظام افضل من القديم؟
    اما في سورية فكان الوضع كارثي ، مع ان اهم الشعارات كان(واحد واحد الشعب السوري واحد) فهل فعلا كان الفعل الثوري نحو تأكيد وحدة الشعب ؟ عدا عن انتشار الفصائل الاسلامية على اغلب التراب السوري .
    و هل ما جرى في تونس هو فعلا ما كان يريده التونسيون!
    بهذه الطريقة يطرح هاشم صالح رؤيته للثورات، العربية عن طريق النتائج التي الت اليها. ليستشف منها و يستخلص، ليس السبب بقدر ما هو تقديم النتيجة لتحل مكان السبب، او لتصير سببا لسبب، و نتيجة بنفس الوقت، يقيس عليها السيد صالح كيفية الخروج من عنق الزجاجة الذي اوجده عنوة ليحشر نفسه به ،عن طريق جلبه للتاريخ بطريقة اقل ما يقال عنها تفتقد للمنهجية في البحث ،بالطريقة التي يتعامل بها السيد صالح. عن طريق تحميل التاريخ ما لا يحتمل، و التعامل بمزاجية و انتقائية غير اخلاقية بالمطلق .و اعطائه حركة و سيرورة لدى من يريد للعرب ان يحذو حذوهم (الغرب)،و الغائهم(العرب) تاريخيا بشكل تام، عن طريق هذا الاحتذاء .و ذلك لامكانية تجاوز الشعوب العربية لما تعانيه في من تخلف و انحطاط، حسب رؤيته. و ابعاد كل ما للسياسي من امكانية لتغيير واقع هذه الشعوب ، على اعتبار ان الجاهل “الغير متنور” لا يجب ان يقوم بثورة قبل تنوره .
    متماهيا مع السلطة بنفس رؤيتها للشعوب العربية في عدم اهليتها سياسيا .

    _ال(لا) اولا
    اعود للعنوان المعنون بداية ب ال(لا) ،الرافضة للتنوير، و الاصلاح الديني!
    ضمن طريقة طرح هاشم صالح (ثنائية التفكير)، ستظهر لا التنوير و لا الاصلاح الديني ، مقابل للقبول بالتجهيل و الاستبداد الديني، لتصبح مطلبا كما يرى ما وصلت له ثورات الربيع العربي ! دون تحقق ال (نعم) المؤيدة للتنوير و الاصلاح .
    ال(لا) هي المؤسس ل ال(نعم)، التي يطالب بها السيد صالح .و ليس العكس كما يحاول في كتابه.
    الثورات عبر تاريخها تنطلق من رفض لواقع عن طريق ال(لا) ،(لا للظلم لا للطغيان )و ليس طلبا لواقع عن طريق ال(نعم) نحو واقع افضل، حقيقة الشعوب تجهله و لا تعلم كنهه.

    _الحديد يتمدد بالحرارة
    شرطية الوعي التي يطالب بها السيد صالح كشرط قبل السياسي هي اقرب للوحي منها للوعي ،الذي يطالب الشعوب به.
    رغم ان طريقة التفكير الثنائية الخير/ الشر،الحق/الباطل ، او فيزيائيا على طريقة كل المعادن تتمدد بالحرارة، الحديد معدن، الحديد يتمدد بالحرارة،
    فالشعوب اذا لدى السيد صالح، تتمدد”تتحرر” بمبادئ روسو و مونتسكيو كشرط تاريخ! لا تمت للعلم بصلة .الا اني سأتبعها على طريقة هاشم صالح عن طريق التقابل الذي يشتغل به في كتابه ،لأثبت مدى قصديته بالتلاعب بالتاريخ بشكل مخجل، ليلاؤم طرحه دون اعتبار لمنهجية البحث العلمي، من حيث ان العلوم و خاصة بالمجال الاجتماعي، لا تتعامل مع يقينيات و حقائق ، بل مع متغيرات دائمة ، فكما يرى كارل بوبر ان القضية التي لا تحتمل النقد هي قضية غير علمية ،كالماركسية بحتميتها التاريخية مثلا.او كما يتعامل السيد صالح، بشكل يقيني. اقرب للدين منه للعلم. و ايضا بتعامله بمزاجية مع التاريخ، مع افتراضية حيادية قدر الامكان باتجاهه(رغم صعوبة الحيادية).

    _لا للتنوير على ضوء فلسفة التاريخ
    سأحاول قدر الامكان الابتعاد عن شرح معنى الثقافوي و الثقافوية، و محاولة معرفة كيفية طريقة تفكير الثقافوي ، و كيفية تأسس الثقافوية ،عن طريق كيفية قرائتهم للواقع و للتاريخ .
    تقريبا الفكرتين الاساسيتين لكتاب هاشم صالح، تدوران حول التنوير و الاصلاح الديني، كشرطيين اساسيين للقيام بالثورات ! بشكل تناظري تقابلي عن طريق اخذ مفكرين عبر التاريخ كانوا اساسا لنجاح الثورات ،عبر التزام الثوار بفكر هؤلاء المفكرين و الفلاسفة.
    فيكون الحل تبسيطي جدا لدى السيد صالح، و ذلك فقط عن طريق تطبيق الشعوب لوصفات هؤلاء الفلاسفة .
    لكن هل فعلا بهذه الطريقة لا يكون قد الغي التاريخ، عن طريق هذه المقابلة في التنفيذ الثوراتي، لدى الشعوب العربية ؟
    بهذه الطريقة يلغي صالح هاشم التاريخ تماما ،عن الثورات العربية. عبر الغاء ظروفها و الاسباب المحركة لها.
    و حتى عن الثورة الفرنسية التي يطالبنا باتباعها كتالوجيا ،ليصار الى تجاوز ما بها من انسداد تاريخي كما يقول السيد صالح .
    2

    عمليا هو ايضا يوقف التاريخ عن الثورة الفرنسية عند اللحظة التاريخية التي يناقشها، في عدم ربطها بالواقع. لتصير اقرب للاسطورة منها للتاريخ في توقف الزمن لديها بهذه الطريقة.لكن هل فعلا لم تعاني الثورة الفرنسية من انسداد تاريخي ،كما يحاول هاشم صالح ان يقول؟
    حول افتراضية اللا انسداد التاريخي التي يطرحها ،
    هل كان دانتون و روبسبير يقرأون روسو و يطبقون افكاره مثلا؟
    او هل كان روسو و فولتير و مونتسكيو تنويريين؟ بطريقة قرائته المزاجية للتاريخ التي يطرحها هاشم صالح؟

    _روبسبير سلفي!
    فلنأخذ روبسبير مثالا، لما يطرحه في كتابه، و هل فعل تأثر روبسبير بأفكار التنوير فعلا و طبقها؟
    يقول روبسبير(ان الله تعالى امر بالحكم الجمهوري من البداءة)
    و قد جعل مجلس العهد يصدر مرسوما جاء فيه(ان الأمة الفرنسية تؤمن بالله تعالى ، و بخلود النفس)
    هل هذا تأثير مونتسكيو ام روسو في افكار روبسبير؟

    _فولتير ضد الديمقراطية!
    يقول فولتير لدى سؤاله عن الدينقراطية و رأيه بها(ارى ان الديمقراطية لا تلائم الا بلادا صغيرة ،فالبلاد الصغيرة التي تتمتع بالحكم الديمقراطي و ان وقع كثير من الزلات ،كما في ديار الرهبان لا تقع فيها ملاحم كملحمة سان بارتلمي،و لا مذابح كمذابح ايرلندة و صقلية و محكمة التفتيش، و لا يحكم فيها بالاشغال الشاقة على من يغترف من البحر ماء لا يؤدي ثمنه، و تكون تلك الجمهورية غير ذلك اذا تألفت من الشياكين في ناحية كبيرة من نواحي الجحيم)

    _روسو مع الاستبداد!
    عندما طلب البولونيين من روسو ان يرسم لهم دستورا ديمقراطيا ،نصحهم بأن ينخبوا ملكا وراثيا، و لم يقل لهم اسسوا جمهورية او قوموا بثورة؟

    _واقع لا تنويري اجتماعيا
    حول تأثر الثورة الفرنسية بفلسفة الانوار كما يدعي هاشم صالح ،لنرى ما ارتكب من جرائم في الثورة الفرنسية، لنراه يتجاوز بمراحل ما حصل بالثورة السورية التي يريدنا صالح هاشم ان نقتدي بها.
    يقول تاين عن عن المحاكم الثورية التي سعى دانتون لاقامتها(اقيمت في فرنسة 187 محكمة ثورية ،منها 40 محكمة كانت تحكم بالقتل ،و كانت تنفذ احكامها في مكان الحكم حالا. و قد حكمت محكمة باريس على 2625 نفسا بالموت،و لم يكن قضاة المديريات اقل نشاطا من قضاة باربس في الحكم فقد قصلوا في مدينة اورانج الصغيرة رأس 331 نفسا، و قصلوا في مدينة اراس رأس 223 رجلا و امرأة 193، و قصلوا في مدينة ليون رأس 1684 نفسا و بلغ مجموع الذين فصلت رؤوسهم 17000 نفسا،منهم 1200 امرأة ،و كثير منهن كن متجاوزات سن الثمانين)
    و قد ورد الكثير من تفاصيل هذه المذابح في جريدة المنيتور،فقد قال توما في شهادته التي نشرت في عدد هذه الجريدة الصادر 22 ديسمبر سنة 1794 :(شاهدت بعد الاستيلاء على نوار موتيار ،رجالا و نساء و شيوخا يحرقون احياء،و شاهدت نساء و بنات يقل عمرهن عن خمسة عشرة سنة يقتلن بعد انتهاك اعراضهن ،و شاهدت اولادا يبقرون بالحراب و يطرحون على الالواح بجانب امهاتهم)
    _الثورة الفرنسية ضد العلماء!
    يركز هاشم صالح على ما للعلماء من اثر في الثورات، و بأن الثوار يجب ان يشجعوا العلماء و يهتموا بهم.
    اعدمت الثورة الفرنسة العالم لافوازييه ،بتهمة ترطيب تبغ الجيش خلال عمله في لجنة المعايير المترية.و رغم أنه لم يثبت عليه شيء فقد اعدم.
    حيث كان تبرير اعدامه ،على لسان القاضي الذي اصدر الحكم(الجمهورية ليست بحاجة الى علماء بل الى عدالة) و قوله ايضا(الثورة لا تحتاج الى عباقرة).

    ما ذكر اعلاه من امثلة ،و ضمن نفس رؤية هاشم صالح ،يتضح بأنه ضد التنوير و ضد الثورة الفرنسية بالمجمل ،طبعا اذا استند لمزاجية التاريخ، و ليس لمنطقه كما يتعامل هاشم صالح.
    ضمن فلسفة التاريخ و منطقه يعود روبسبير ثائرا ،كونه يتعامل مع المجهول(التغيير)، الثورات بالمجمل لا تعلم ماذا تريد ،فيعتمد منطقها التاريخي على التجريب و الاستكشاف و الادلة كثيرة ليس اولها طول فترة الثورة الفرنسية، و لا كثرة اصدارها للدساتير التي اصبحت من الكثرة بحيث لم يعد يكترث لها.
    و على ضوء فلسفة التاريخ ايضا يعود فولتير و روسو و مونتسكيو تنويرين ،فهم تعاملوا مع الواقع و مع تجارب التاريخ، و ليس عن طريق وحي نزل عليهم كما يتوهم هاشم صالح . كان جل همهم الوصول لملكية دستورية على الطريقة الانكليزية،الا اذا كان هاشم صالح لا يرى الثورة الانكليزية بأنها ثورة!بل انهم كانوا يطمعون في اصلاح النظام الملكي و ليس هدمه.
    و الثوار الفرنسيين على ضوء التاريخ ايضا لم يتصرفوا خارج اطاره، في تعاملها مع الحراك الثوري من حيث مسببه الاساسي، و هو محاولة تغيير الواقع السيء، حسب رؤيتهم الى واقع افضل.
    اعتقد ان الاشكال لدى صالح و رهطه الكتالوجيين (ادونيس ،عزيز العظمة ، جورج طرابيشي بشكل ما) هو تعاملهم بيسارية طفلية مع التاريخ، و اسطرة للثورة الفرنسية لدرجة انهم اخرجوها من التاريخ، عن طريق التاريخ نفسه، عندما اخضعوه لمزاجيتهم في قرائته .
    3

    _لا للاصلاح الديني على ضوء فلسفة التاريخ!
    يكرر صالح هاشم في كتابه ان سبب تعثر ثورات الربيع العربي ، هو استيلاء الاصوليين على ثوارتهم ،و ان سبب الاستيلاء هو عدم وجود اصلاح ديني، يكون له دور في منع استيلاء هولاء الاصوليبن على ثورات ربيع العرب.
    ايضا على ضوء التاريخ لنرى ما هو الاصلاح الديني،الذي كان له دور بارز الاثر في عدم تغول الاصوليين حسب هاشم صالح .
    و سأكتفي بالكالفينية (نسبة لكالفن) .
    _كالفن داعشي!
    يقول كالفن (ان الله اختار منذ الأزل أناسا للنار و أخرين للجنة) طبعا هذا الكلام ليس للبغدادي
    و يقول ايضا (ان الله يريد ان تطرح الرأفة و الانسانية جانبا عند الجهاد في سبيله) ايضا هذا الكلام ليس للقرضاوي الذي يحذرنا السيد صالح من اتباعه .
    هذا من ناحية بعض ما قال كالفن ،فلنر دولة كالفن من الداخل .
    _ حكم الرقة في جنيف!
    طبق كالفن افكاره في مدينة جنيف السويسرية، و ليس في الرقة السورية،لنرى ماذا طبق كالفن!
    الغى ألة الاورغن من الكنيسة ،و الأجراس و الأغاني الاستعراضية ،و الصور و التماثيل .
    و استخدم في اصلاحه اللكم و الركل، و السجن لمن لا يحضر الكنيسة.
    و الاعدام و النفي للمخالفين،و حتى من كان يتجرأ على نقد سلوك كالفن كان يعاقب.
    هذا السلوك ليس سلوك داعش بل سلوك كالفن ،و نحن في جنيف و ليس في الرقة!
    على ضوء فلسفة التاريخ ارى انه لا فرق بين داعش و كالفن من حيث النتائج المتوخاة (الاصلاح الديني) .
    الفروقات بين داعش و الكالفينية ،هي في موقع كل منهما(الاسلام ،المسيحية) ،بالنسبة للسلطة الحاكمة كلا العالمين الاسلامي و المسيحي .
    حركة كالفن نزعت الدين من ايدي الكنيسة ، و ابطال احتكار الكنيسة للدين بحكم انها كانت تحكم باسمه و الغت تحكم البابا به لتعيده الى الناس.
    اسلاميا الاشكال ايضا له علاقة بالسلطة لكن بشكل مغاير، تاريخيا كان الدين الاسلامي تابعا للسلطة السياسية و ليس العكس، عمليا لا نستطيع ان نطلق على الدولة الاموية،او العباسية مثلا تسمية دول اسلامية،لا في نظام الحكم ،من ناحية انتقال الخلافة بالوراثة ،خلافا لمبدأ الشورى، و لا حتى قانونيا ،مع استنادها أي القوانين للتشريع الاسلامي ،بحكم ان الفقهاء يولون و يعزلون من قبل السلطة الحاكمة.
    حتى بالدعوة للجهاد كانت تصدر عن الحاكم(الدنيوي) صاحب السلطة الزمانية، و ليس عن طريق علماء الامة (الروحيين) الدينيين،على عكس الحروب الصليبية التي كانت تحت قيادة السلطة الروحية مباشرة و ليس الزمانية، ويلتزم بها اصحاب السلطة الزمانية(الحكام) في تنفيذها .
    لا احاول القول بأن لا كهنوت بالاسلام، بقدر ما هو محاولة لمعرفة موقع الدين بالنسبة للسلطة ،و بالنسبة للتاريخ ايضا.
    على ضوء هذه المعرفة بموقع كل دين، تأتي النتائج بشكل ما متقاربة، من حيث محاولة الناس امتلاك دينها و نزعه من يد المتحكم به ، و ان كانت الاسباب معكوسة او حسب ما يسميها هاشم صالح مكر التاريخ ،لدى هيغل الذي يستشهد به في كتابه بأن السلبي في التاريخ ليس سلبيا .
    فالرقاويون الذين كانوا تحت حكم داعش عندما يقولون مستنكرين حكم داعش بأن هذا الدين الذي تزعمون ليس ديننا ،لا يختلف عن قول الجنيفيين الكالفينيين عند قولهم هذا ديننا الذي نريد، من حيث محاولة الاثنين امتلاك معتقدهم .
    – لا لنبذ الطائفية!
    يشير كثيرا في كتابه بأن لا بد للثوار قبل ان يقوموا بثورة ان ينبذوا الطائفية، و أن يكون الغاء الطائفية ضمن اولوياتهم .
    حول الطائفية يشير اشارة غريبة ،الى ما يتوجب على المثقف المنتمي الى الاكثرية أن يفعله!
    و هو هنا يقصد الطائفة السنية العربية.
    هو يريد ان يعي المثقف ابن الأكثرية ذاته بشكل طائفي (كسني) ، و من بعدها يطالبهم بالغاء ذواتهم و التجرد منها ،عن طريق الشعور بالذنب (لكونهم سنة)! و من ثم يتوبوا، ضمن الشروط التي حددها مسبقا صالح هاشم ليؤكدوا بعد هذه الشرطية على حقوق الاقليات، التي أذنب بحقها هؤلاء المثقفين المعدومين الحس حسب طرحه! مع انه في مواقع اخرى يرفض مفهوم الاكثرية و الاقلية بشكله الديني و الطائفي، مؤكدا على أن المفهوم سياسي و ليس ديني!
    لا أعلم ضمن هذه الشرطية كيف نستطيع ان نطلب من ياسين الحاج صالح ان يعيش هذه التناقضية ،و يتحمل كونه جلادا لزوجته (كونه من الأكثرية)،التي اختطفها تنظيم يدعي انه يمثل دين الأكثرية، ليصار الى تحميل ياسين اخطاء خطف زوجته ، التي تنتمي للأقليات التي يدافع عنها هاشم صالح.

    _لا للعلمانية على ضوء فلسفة التاريخ!
    يتعامل صالح هاشم مع العلمانية كمطلب للناس، و ليس كنتيجة تتحقق بعد انتصار الثورة، و اتخاذها نهجا يقر فصل الدين عن الدولة كما يفترض بالعلمانية.
    يركز على ان اي وجود للدين بحراك الثائرين ،يلغي العلمانية كمطلب و ترسخ الفكر الديني للثورة و التغائها ذاتيا بسبب هذا الفكر.
    عمليا هذه مطالبة بالغاء الذات من حيث انها مؤسسة في جزء منها على المعتقد ،و استرداد الذات لدى الثوار يكون باسترداد المعتقد ايضا ،و الذي تحميه العلمانية لا تلغيه كما يطرح في كتابه .

    4
    فلا يمكن الكلام عن ثائرين هلاميين،لا ذوات لهم ،و مطلوب منهم ان ينتصروا بثورة!
    الكلام ليس تأكيد للهوية الدينية للفرد ،بقدر ما هو محاولة عدم انتهاك معتقد الفرد و هويته و التي يشكل الدين جزءا منها، مرة باسم السلطة ،و اخرى باسم الثورة، بل لتبقى ضمن ما يخص الفرد ،انطلاقا من حرية المعتقد ،التي يطالب بها في كتابه.
    يلخص طلال أسد هذه الفكرة لدى سؤاله بنفس الموضوع حول العلمانية و الدين يقول:( لا يمكن فصل السياسات المعاصرة عن الدين كما تحاول العلمانية الشعبوية ان تزعم، بل هناك ضرورة عملية أن تبقى للدين ذاتياته ،و ان تبقى له سياساته.اما الدولة/الكائن السياسي/ فمن ضمن عملها تعريف و تحديد الوجه العام المقبول للدين).
    الاشكالية لدى صالح هاشم و رهطه هو في تعاملهم مع مفهوم الثورة و الدولة و الفكر ،و اولوية أي منهما على الاخر ،لنحاول ان نعيد ترتيب هذه المفاهيم على ضوء فلسفة التاريخ.

    _نعم للثورة نعم للحياة(الثورة) على ضوء فلسفة التاريخ .
    اشكالية صالح هاشم و رهطه الكتالوجيين بالتعامل مع المفاهيم ،كاشكالية حزب البعث مع مفهوم الحرية. حين وضعوه بين الوحدة و الاشتراكية (وحدة حرية اشتراكية)،فلا تحققت الوحدة بسبب تقييد الشعوب(غياب الحرية)، و انتهكت الحرية بسبب عدم تحقق الوحدة !و بحكم انها اي الوحدة هي المطلب الاساسي، فيجب تأجيل الحرية ،و حتى محاسبة من يطالب بها ، و الاشتراكية صارت مبررا للاستبداد .
    و رغم انتقاد الكتالوجيين الظاهري لما قام به حزب البعث من انقلاب و تسميته “ثورة” الا انهم يطالبوننا باتباع نفس الخطوات ،و تأمل نتائج مختلفة.
    الاشكالية في ثالوث (فكر ثورة دولة) بينما يفترض واقع الثورات (ثورة دولة فكر)
    الاشكالية هي اين تطبق الافكار في غياب مفهوم الدولة المؤسس على الثورة اساسا .
    لا اعلم كيف يطلب من شخص ان يطهو طعامه(افكاره) دون وجود قدر(الدولة) يحتوي المكونات المراد طهوها!
    مفاهيم من مثل ديمقراطية عدالة اخاء ، مساواة علمانية، تحتاج لحيز تطبق به ،حيز يخص بشر يعيشون على ارض الواقع ، استحالة تحقق هذا الحيز (الدولة)دون ثورة تخلقه .
    الفرنسيون لم يطبقوا شيء من اقكار فلاسفة التنوير قبل انتصار ثورتهم و تحقق حيزها ،و صار من بعدها تعريف واضح لمعنى علمانية ،و حقوق انسان و مساواة، أي ان الثورات تنزل المفاهيم من عالم النثل الى الواقع في امتحان حقيقي لها و معرفة ما يناسب منها و ما لا يناسب.
    الثورات تقوم بها الشعوب و ليس القادة و لا المفكرين ،تقوم الشعوب لأجل ان تحيا ،فالثورة لدى الشعوب حياة .
    الشعوب قبل ان تطالب بحياة افضل ،فهي تقوم لتغيير اوضاع اسوأ و من بعدها تبحث عن الأفضل.
    الثورات لها علاقة بحياة البشر و ليس الملائكة ،لها علاقة برغباتهم ميولهم مشاعرهم ،دينهم .عن جوعهم و استعبادهم.
    و محاولة تحررهم لها علاقة بكونهم كائنات سياسية لها وجود ،و حيز مكاني ،يحاول فيها الكائن البشري ادارة هذا الحيز ،او استرداده لدى اغتصابه منه ،عن طريق القيام بثورة على المغتصب.
    يترتب هذا الثالوث (ثورة دولة فكر) عن طريق السياسة.
    لكن ما هي السياسة .

    _السياسة على ضوء فلسفة التاريخ

    _ارسطو
    نعود للتاريح كما يحب السيد هاشم صالح .
    قبل اكثر من الفي عام، يقول المعلم الاول( ارسطو)، حول تعريف الانسان بأنه:(حيوان سياسي)،اي انه(مدني بطبعه أي قدره أن يعيش داخل المجتمع،فالانسان بدون انتماء سياسي اما أنه كائن لم يصل بعد الى مرتبة الانسان ،او أنه كائن يسمو على الانسان).
    الثورات اساسها هو محاولتها اعادة امتلاك السياسة،او بالاحرى هي محاولة اعادة تعريف الانسان لذاته مرة اخرى، كمالك لهذه الذات .
    قبل امتلاك الذات(السياسي) لا معنى لكل الطروحات ،مهما بلغت من الرقي.
    تأجيل السياسة او الاشمئزاز منها بدعاوى ان شعوبنا غير “مثقفة”، يختصرها ياسين الحاج صالح في احدى مقالته حول اشمئزاز الثقافويين منها ،او كلام بعض”الثوار” (انا ثائر فقط و لست بسياسي!)، بقوله(من يتعالى حينها على السياسة ،فاقد للاحساس و للانسانية ذاتها)و يضيف ان كان لا بد من ثورة في الثقافة فهي(مساهمة المثقفين في الثورة، هي الثورة في الثقافة).

    _اختصار و تكثيف
    الجائع لن يمسك كتابا لروسو ليعلمه خطوات كيفية الاكل بل سيقتدي بامام الجوعى و الثائرين في سلوكه فامام الثوار و محركهم و ما يطبقونه، هو مأخوذ من مقولة ابو ذر الغفاري(عجبت لمن لا يجد القوت في بيته،كيف لا يخرج على الناس شاهرا سيفه)، هذا ما تفعله الشعوب.
    _اخيرا
    ما يطرحه هاشم صالح و باقي الكتالوجيين من رهطه، هو ما يستند الطغاة اليه، في تأكيد حكمهم و هو ما يعطيهم صك البراءة في ممارسة اجرامهم
    كنت تستطيع ان تقول بكتابك انك مع السلطات ضد الشعوب افضل من مزاجيتك في التاريخ و تقديمه مشوها ليكون قيدا اخر على الشعوب ادهى و اقسى من استبداد السلطات في مطالبتهم بالخنوع و القبول فنعم للتنوير نعم للاصلاح الديني لكن بداية نعم للثورة
    و عاشت ثورة الشعب السوري العظيم و ثورات الربيع العربي.
    —————-
    * كاتب وناقد سوري

    اترك تعليق

    This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.