ترامب ـ بولتن: كيف لا يوافق شنّ طبقة!: صبحي حديدي

0
144
كاتب وباحث سوري يقيم في فرنسا

لم يكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يعلن تسمية جون بولتن مستشاراً لمجلس الأمن القومي، حتى تكشفت حقيقة تورّط الأخير في تشكيل لجنة عمل سياسي داعمة لمؤسسة «كامبرج أناليتيكا» التي استغلت ملايين الحسابات على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، دون علم أصحابها، واستخدمتها في حملات سياسية واستثمارية متعددة. لا مشكلة في هذا، كما تُظهر ردّات فعل ترامب على هذه الفضيحة، أو سواها مما انكشف أو سينكشف، ما دام بولتن يتمتع بجاذبية قصوى لدى سيد البيت الأبيض.
غير معروف على نطاق واسع، ربما، أنّ بولتن كان مرشح ترامب المفضل لهذا المنصب منذ الساعة الأولى لتسلّم الأخير رئاسة أمريكا رسمياً؛ إذْ تردد اسمه قبل الجنرال المتقاعد مايكل فلين، كما طُرح مجدداً بعد إقالة فلين على خلفية فضيحة اتصالاته مع روسيا، حتى عاد بعد عزل هربرت ماكماستر مؤخراً. ورغم سخرية ترامب، خلال الحملة الانتخابية، من رجال جورج بوش الابن، فإنه ظلّ يرقب بولتن بعين الإعجاب ويتابع مداخلاته النارية على شاشة «فوكس نيوز»، ويتطلع إلى توظيفه.
لندعْ جانباً ما يُعرف عن الرجل من نزوع أعمى إلى الحرب والحلول العسكرية والتدخل الخارجي والقصف (أمثلة العراق وإيران وكوريا الشمالية هي الأبرز)؛ أو تمترس على الخطأ حتى بعد افتضاحه (حكاية أسلحة التدمير الشامل في العراق)؛ أو تجميل لأبشع الخيارات الاستخبارية، وعلى رأسها التعذيب (سجون أبو غريب وغوانتانامو والسجون الأمريكية السرية في تايلاند)؛ أو احتقار لأيّ جهد يُبذل على سبيل التسوية السلمية للصراع العربي ـ الإسرائيلي (سبق أن اقترح طيّ حلّ الدولتين، وضمّ الضفة الغربية إلى الأردن، وغزّة إلى مصر). ولنذهب، في المقابل، إلى موقفه من الأمم المتحدة، حين كان مندوب أمريكا الدائم لدى المنظمة الأممية.
قبل عقد ونيف، إزاء وثيقة الأمين العام كوفي أنان حول إصلاح المنظمة، وضع بولتن 750 تعديلاً على مسوّدة من 26 صفحة! لم يكتفِ، كما للمرء أن يتخيل، بالاعتراض على «رطانة الجنوب»، تلك العبارة التي يستخدمها بعض الأمريكيين في هجاء اللغة التي تتعالى بين الحين والآخر بصدد نقد الأمم المتحدة، ولا بالاعتراض على المسائل «الخلافية» المعتادة والكلاسيكية، مثل تعريف الإرهاب ومفهوم السيادة الوطنية وتصدير الديمقراطية والكيل بمكيالين في ما يخصّ حقوق الإنسان وتطبيق قرارات مجلس الأمن الدولي ومعالجة الفقر والمديونية ومشكلات البيئة واستثناء الأمريكي من محاكم جرائم الحرب…
لقد اعترض عملياً على كلّ فقرة في الوثيقة، سواء تحدثت عن قِيَم الهيئة الدولية ومبادئها القديمة والحديثة والقادمة، أو الشراكة الكونية في التنمية، أو التطوير الزراعي، أو مجابهة انتشار مرض الـ «إيدز»، أو مسائل الهجرة، أو السلام والأمن الجماعي؛ أو حتى… التكافؤ الجنسي بين الذكر والأنثى، وتمكين المرأة، وتطوير العلوم والتكنولوجيا، وحوار الجنوب ــ الجنوب (وليس الشمال ــ الجنوب!). وقد مارس الاعتراض من وحي يقينه بأنّ بلاده هي العالم، أو هي ربما الإمبراطورية المعاصرة الوحيدة التي تحكم العالم على هذا النحو أو ذاك، بالتحالف مع حفنة «شركاء» و«حلفاء» هنا، أو بمقاتلة حفنة «عصاة» و«مارقين» هناك.
وهكذا فإنّ لقاء ترامب ــ بولتن ليس غريباً، البتة، لأنّ الثاني يليق حقاً بالأوّل لاعتبارات لا صلة لها بالخيارات السياسية والإيديولوجية ضمن صفّ اليمين الجمهوري أو المحافظين الجدد؛ ولا بالتطابق (أو التنافر!) بين شعار الرئيس حول استئناف مجد أمريكا، وانتماء مستشاره للأمن القومي إلى «مشروع القرن الأمريكي الجديد». معطيات اللقاء تنبثق، جوهرياً، من الطابع الديماغوجي الذي يجمع الرجلين، وضحالة التفريق بين صواب السياسات وخطلها، والجهل بالعالم خارج نطاق التنميطات التبسيطية والسطحية المسطحة.
وافق شنّ طبقة، كما كانت العرب تقول، ولكن ليس لأيّ سبب يتصل بتوافق العقل، بل بانطباق الطيش على الحماقة!

اترك تعليق