الانتفاضة السورية والاحتجاجات الإيرانية: أي قواسم مشتركة؟: صبحي حديدي

0
85
كاتب وباحث سوري يقيم في فرنسا

كانت صفات مثل «الزعران» و«الشوارعية» و«الحفيرية»، ثمّ في خيار ثالث أكثر تفذلكاً: «الدهماء»، هي بعض التسميات التي استقر عليها عدد من المثقفين السوريين في توصيف المشاركين في أولى أنشطة الانتفاضة الشعبية السورية؛ ابتداءً من تظاهرة حي الحريقة الدمشقي العريق في 17/2/2011، مروراً بالتظاهرات التي خرجت من المسجد الأموي عصر 15/3، ثم شرارة درعا في «جمعة الكرامة» التي أشعلت الاحتجاجات ونقلتها إلى سائر أرجاء البلد، وليس انتهاءً بتظاهرات ريف دمشق واللاذقية وحمص وحماة ودير الزور والقامشلي. كانت التسميات تلك تلجأ إلى التوصيف السلوكي أو الأخلاقي الغائم والتعميمي، لكي تخفي المحتوى الطبقي تارة (فقراء الهوامش، والشرائح الدنيا من الطبقة الوسطى)، أو تطمس السمة الأجيالية (غالبية ساحقة من الشباب)، أو تتعامى عن غياب النخب (بعض «مشاهير» أولئك المثقفين أنفسهم، من مبتكري التسميات، وبينهم عدد من معارضي النظام المخضرمين أو المتقاعدين).
حال شبيهة، بعض عيناتها تلوح متطابقة تماماً وعلى نحو مذهل، نشهدها اليوم في توصيف احتجاجات الشارع الشعبي الإيراني الراهنة؛ من زاوية أولى مشتركة، هي أنّ غالبية المتظاهرين تنتمي إما إلى الشرائح السفلى من الطبقة الوسطى (بالنظر إلى أنّ الشرائح العليا بقيت، إجمالاً، بعيدة عن المشاركة)، وإما إلى هوامش المدن ومراكز العمران، فضلاً عن هيمنة «أقليات» مثل الأحواز والبلوش والآذريين والبختياريين والقشقائيين والتركمان. وكما كانت التوصيفات السورية تتوخى القدح، وتسفيه الانحدار إلى هذا المستوى «الهابط» من معارضة النظام؛ فإنّ التوصيفات الإيرانية تستهدف الغرض ذاته تقريباً، أي نزع الصفة الطبقية والاجتماعية عن الاحتجاجات، وإلصاقها بنزوعات تمرّد «شارعية» وأعمال شغب وتخريب ونهب ممتلكات. هذا إذا وضع المرء جانباً حقيقة اتفاق المثقف، السوري والإيراني، معارضاً كان أم موالياً، مع السردية الأبكر التي أشاعتها السلطة؛ في أنّ جهات خارجية هي التي تغذي الاحتجاجات.
في المقابل، وكما تمتّع النظام السوري بـ»رصيد» جماهيري لدى فئات اجتماعية وطبقية ليست محدودة، لا تؤيد النظام بالضرورة، لكنها في الآن ذاته ليست متضررة من سياساته، وليست ضحية استبداده أو فساده؛ كذلك فإنّ النظام الإيراني، وهذا يشمل سياسات حكومة هذا الرئيس الإيراني أو ذاك، تمتع بأرصدة جماهيرية مماثلة، لا تمسها مباشرة آلام الغلاء والبطالة والفقر، ولا تؤذي محافظها المالية مغامرات تصدير الثورة والتورّط السياسي والعسكري والمذهبي في لبنان والعراق وسوريا واليمن. لكنها جماهير، على نقيض جماهير النظام السوري هذه المرة، استجابت للحراك الشعبي الهائل في سنة 2009، احتجاجاً على ملابسات انتخاب محمود أحمدي نجاد، وانخراطاً تحت قيادة شخصيات «إصلاحية» من طراز مهدي كروبي ومير حسين موسوي. وهي جماهير قابلة، في كلّ حين أغلب الظن، للمشاركة في تحرّك تقوده تلك الشخصيات، وقد تنضم إليه شخصيات لا تقلّ شعبية مثل الرئيس الأسبق محمد خاتمي، يستهدف إصلاح مبدأ الولي الفقيه، على نحو يحدّ، ضمناً ولكن أساساً، من السلطات القصوى التي يتمتع بها المرشد الأعلى.
لا تسعى هذه المقارنات إلى المساجلة بأنّ حراك الاحتجاجات الراهن في إيران قد انقلب لتوّه، أو يمكن أن يتطور، إلى انتفاضة شعبية على غرار ما شهدته سوريا في ربيع 2011؛ فالمعطيات مختلفة تماماً، وكذلك المشهد الاجتماعي والسياسي والديمغرافي، فضلاً عن طبيعة النظام السياسي. لكن هذه السطور تسعى، في المقابل، إلى تلمّس بعض أواليات تغييب الأبعاد الاجتماعية والطبقية، أو ترحيلها إلى عناصر تعميم إطلاقية عن سابق عمد تارة، أو عن تجاهل وتغافل تارة أخرى. من الصالح، مثلاً، أن يرى المرء بُعد الاستبداد، في معظم تجلياته، خلف الشعارات المطالبة بإسقاط «الدكتاتور» مثلاً، خلال الانتفاضة الشعبية السورية والحراك الشعبي الإيراني الراهن. المستبد الإيراني، شخص علي خامنئي هنا، ليس سليل نظام وراثي عائلي قوامه الاستبداد والفساد والنهب وشبكات الولاء وهيمنة الأجهزة والتمييز والتعبئة الطائفية، على غرار ما انتفض الشعب السوري ضده. لكنه نظام يمنح الولي الفقيه صلاحيات خرافية ترقى إلى مصافّ الاستبداد، وتُفرغ الكثير من مؤسسات الدولة وأحكام الدستور والحقوق العامة من مضامينها.
على سبيل الأمثلة، الأبرز في الواقع لأنها كثيرة ومتشعبة، للولي الفقيه أن يسمّي أعضاء مجلس المرشدين، ومجلس القضاء الأعلى، ورئاسة القيادة العليا للقوات المسلحة (بما في ذلك تعيين أو عزل رئيس الأركان، وقائد «الحرس الثوري»، وأعضاء مجلس الدفاع الأعلى، وقادة صنوف الأسلحة)، وإعلان الحرب والسلام والتعبئة. وله أن يقرّ أسماء المرشحين للانتخابات الرئاسية، وتوقيع مرسوم تسمية رئيس الجمهورية بعد الانتخابات، وإدانة الرئيس وعزله بموجب أسباب تتعلق بالمصلحة الوطنية، وإصدار مختلف أنواع العفو. وقد شهدت إيران اجتهادات عجيبة في تأويل مبدأ ولاية الفقيه، كتلك التي أصدرها أحمد أزاري ـ قمّي، واعتبر بموجبها أنّ للوليّ الفقيه سلطة إصدار «منع مؤقت» من أداء فرائض دينية مثل الحجّ، أو الأمر بهدم بيت مواطن متهم بـ«الشرك»، وإلزامه بتطليق زوجته!
ولقد قيل الكثير عن الوضع المعيشي للمواطن السوري، في نموذجه القياسي الأعرض وليس الاستثنائي، على امتداد 41 سنة من نظام «الحركة التصحيحية» وليس ساعة انتفاضة 2011 فحسب؛ وكيف انحطت طبقات اجتماعية كبرى، الوسطى منها بصفة خاصة، تحت وطأة تسلّط عائلة السلطة، آل الأسد وآل مخلوف في المقام الأوّل، واستنزافها مقدّرات الاقتصاد والثروات الوطنية والمال العام. لكنّ الانتفاضة انطلقت لاعتبارات أبعد من تلك الاجتماعية ـ الاقتصادية، بل لعلّ السياسيّ فيها لم يكن يقتصر على الحريات العامة وسيادة القانون ومساواة المواطن، بل كان يخصّ الكرامة الإنسانية في جوهر أساسي من الوجدان الجَمْعي الذي حرّك الاحتجاجات. وإذا كان هذا العنصر، الكرامة الإنسانية، ليس غائباً عن مطالب الشارع الشعبي الإيراني، اليوم، بدليل مهاجمة مقارّ الاستخبارات الإيرانية والتعريض بالصفة الدكتاتورية لشخص خامنئي؛ فإنّ المحرّك الأبرز هو الوطأة الاجتماعية لنظام مصدّر كبير للنفط، لكنه يرفع أسعار المحروقات والخبز في الداخل، وينفق المليارات على مغامرات تصدير الثورة المذهبية إلى الخارج.
يُشار، أيضاً، إلى أنّ الموقف من الانتفاضة السورية كان قد تباين لدى الأحزاب التقليدية، أي تلك التي كانت قائمة فعلاً في آذار (مارس) 2011، بين التأييد والانخراط المباشر (جميع الأحزاب المعارضة، غير الداخلة في أي تحالف أو تعاون مع السلطة)؛ والرفض الصريح، واعتناق سردية «المؤامرة الخارجية»، وتأييد النظام (وتلك كانت حال الأحزاب المنخرطة في «الجبهة الوطنية التقدمية» والمستوزرة في الحكومة، أو السائرة في أفلاك النظام على نحو أو آخر). لافت، في المقابل، أنّ التيارات الإيرانية التي تُصنّف عادة في الخانة «الإصلاحية» لم تتحمس لتظاهرات الاحتجاج الراهنة، حتى حين امتدت من الهوامش إلى المراكز؛ ولم تُسجّل أمثلة جلية على مقاربة كبار «الإصلاحيين» للحراك، سواء من حيث الانخراط فيه، أو التعليق عليه، أو حتى نقده.
صحيح، أخيراً، أنّ استبصار مآلات الحراك الشعبي الإيراني الراهن ليس بالصعوبة ذاتها التي اتسمت بها قراءات الانتفاضة الشعبية السورية، ساعة انطلاقها وعلى امتداد سنواتها السبع، واليوم أيضاً. صحيح، استطراداً، أنّ نزول «الحرس الثوري» إلى شوارع إيران يعني أنّ البطش الأقصى سوف يكون سيد اللعبة خلال الأيام أو الأسابيع القليلة المقبلة. الأصحّ، بالطبع، أنّ جذور الاحتجاج الشعبي لن تُقتلع بسهولة، بل الأرجح أنها ستضرب عميقاً في تربة خصبة كفيلة باستنبات كلّ عناصر الثورة ضدّ النظام، لأسباب لن تقتصر هذه المرّة على أسعار الخبز المحروقات، أو ولاية الفقيه.

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

اترك تعليق