«داعش» الثالثة: أي رصيد؟ أي توحش؟ صبحي حديدي

0
360
كاتب وباحث سوري يقيم في فرنسا

إذا جازف المتفائلون، وبينهم لا ريب بعض السذّج المزمنين، فصدّقوا الإعلانات المتعاقبة التي تبشّر بدحر «داعش»، في العراق وسوريا معاً؛ فإنّ صدمة اكتشاف مقادير الأوهام، في بشائر أمثال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الإيراني حسن روحاني ورئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي… لن تتأخر كثيراً، للأسف.
وليست هذه الخلاصة وليدة قراءة واقعية، أو حتى تكهنية، تستند إلى المعطيات الملموسة على الأرض السياسية والعسكرية، فحسب؛ بل هي استئناس بسيط، لكنه مسلّح بحيثيات صلبة ودامغة وحاسمة، بتجارب الماضي القريب، في العراق ذاته، الحاضنة الأمّ التي شهدت صعود الداعشية خلال سنوات 2006 ـ 2008، ثمّ انكسارها وإعلان دحرها، وصولاً إلى عودتها مجدداً في العراق وسوريا معاً، وانتشار عقيدتها وأنصارها في أصقاع مختلفة، لا تبدأ من الموصل وتلعفر ودير الزور والرقة، ولا تنتهي في باريس ولندن ومدريد وبروكسل…
ثمة حقيقة أولى تخصّ المجتمعات المدنية، والأحرى الحديث عن تجمعات السكان، التي سددت أفدح الأثمان نتيجة استعجال هذه البشائر حول هزيمة «داعش». ففي الموصل، كما في الرقة، على سبيل اثنين من الأمثلة الأبرز، لم ينسحب التنظيم الإرهابي إلا بعد أن دفع خصومه ـ من التحالف الأمريكي إلى جيوش الأنظمة، ومن «قوات سوريا الديمقراطية» إلى «الحشد الشعبي»… ـ إلى أن يعيثوا قتلاً وتدميراً وتخريباً بالبشر والحجر. وإلى جانب المآسي الكثيرة، على مستوى عشرات الآلاف من العوائل والأفراد، ترسخت أحاسيس عداء مريرة، ليس ضدّ «داعش» التي تنهزم وتنسحب فقط؛ بل أيضاً ضدّ «المحررين»، الذين لم يميزوا بين جهادي إرهابي ومدني بريء، أو تعمدوا التمييز بين سنّي وشيعي أو عربي وكردي.
هذا رصيد معنوي مخيف وخيم، لن تتردد النسخة المقبلة من «داعش»، أو تنويعاتها أياً كانت، في استغلاله وتوظيفه واستثماره؛ حيثما كانت المعاقل التي ستلجأ إليها نُسَخ المستقبل، وأينما استفاقت الخلايا النائمة عن سابق قصد، أو تلك التي تقصّد التنظيم إخفاءها تحت الأرض استعداداً لمواجهات آتية. فإذا صحّ الافتراض بأنّ التنظيم انطلق أصلاً في صيغة ميليشيات جهادية متشرذمة، بقرار لوجستي وتكتيكي، في مكامن صحراوية وعرة وشاقة المنال؛ ثمّ تطور إلى ما يشبه الألوية المنظمة والجيوش المصغّرة، التي نجحت في احتلال مدن كبرى كاملة؛ فإنّ العودة إلى الصيغة الأولى ليست عسيرة بالطبع، مع فارق أنّ في الإعادة فوائد كثيرة، وخبرات تكتيكية، وطاقات تجنيدية، وتسلّح نوعي…
مرجح، إذن، واستناداً إلى منطق تجارب الماضي، أنّ أرض «داعش» الثالثة قد لا تنأى كثيراً عن مواضعات أرض 2006 وأرض 2014، من حيث تكتيكات الهجوم المضاد والانقضاض المباغت والقضم البطيء؛ ولكن طبائع توظيف الرصيد المعنوي، العقائدي والتجنيدي، قد يتحوّل نحو طرائق أكثر ذكاء، وبالتالي أكثر توحشاً، في تجذير أحاسيس السخط والمرارة والخيبة لدى الجهاديين الجدد المتطوعين. ثمة جرائم الأنظمة في العراق وسوريا، ومعها جرائم التدخل الأمريكي والروسي والإيراني، في الرصيد «الكلاسيكي»؛ ولكن ثمة، في المستجدات، قرار ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ومجازر التحالف السعودي في اليمن متضافرة مع قبائح الحوثيين، واستفحال الممارسات الطائفية للميليشيات المذهبية…
وما تكشف، حتى الساعة، عن عجائب التواطؤ الأمريكي في إخلاء مقاتلي «داعش» من المدن والبلدات والقرى التي كانوا يحتلونها، ليس سوى رأس جبل الجليد؛ الذي يتكامل مع اتفاقيات أخرى معلنة عقدها «حزب الله» في عرسال مثلاً، ولن يطول الوقت حتى تُترجم آثارها مباشرة، وربما على الأرض الثالثة المقبلة إياها. هذا إذا تأجلت، إلى حين فقط، عواقب عودة المئات من جهاديي أوروبا إلى بلدانهم الأصلية، هناك، حيث يُستثمر الرصيد على النحو الأكثر هولاً وعاقبة.

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.