أسئلة عن الألغام وأبناء الحرام: معبد الحسون

0
263

الرأي – خاص

توعبُ الحقيقة الماثلة أمامنا، والمستخلصة من واقع ما يحدث في الرقة اليوم، فوق ما يمكنُ أن نستوعبَ، ويُرادُ منّا أن نتمثلَ المشهد ونحن نمثلهُ، أو نتفهمه ونحن نبذل أسئلة مندهشة تُثَبِّتُ مجموعة الحقائق التالية:
إن تنظيم داعش قد انسحب من الرقة/المدينة، بعد أن أغرقها بكمية من الألغام تكفي لتغطية مساحة من امتداد جغرافي ربما يعدلُ بلاد الشام أو مصر أو ليبيا تقريباً.. وإنه، أي التنظيم، قد آثر بذْرَ كل هذه الألغام في داخل المدينة وحدها، بعيداً عن ريفها الذي كان هو الآخر واقعاً في قبضته لمدة تزيد عن السنتين ونصف.. وإن هذه الألغام هي حصراً ألغام مضادة للأفراد، (وبتعبير أدق هي مضادة للأفراد المدنيين من المستضعفين)، إذ يبدو أن داعش لاتمتلك ألغاماً مضادة، لا للدبابات ولأ لأيِّ نوعٍ من الآليات التي يُحتمَلُ أن يستخدمها “العدو” المهاجم.
كما أن داعش لم تفخخ قبل الإنسحاب طرق انسحابها، (تكتيكياً، حتى تقطع على العدو أية فرصة أو إمكانية لمهاجمتها من الخلف)، أو مَقرَّاتها التي كانت تشغلُها، أو كلَّ مايُحتَمَلُ، ولو تَخيلاً، أن يبادر المحتل المنتصر المؤقت حتى الآن، أو الفاتح المحرر ـ سَمِّهِ ماشئت ـ إلى شَغْلِهِ وملءِ حَيِّزهِ بأفراده وعناصره المقاتلين، لكي تفتكَ هذه الالغام به وبهم، وإنما آثرت أن تنثر هذه الألغام في مساكن المدنيين وبيوتهم، بل وحتى في بعض الأحياء الشعبية البائسة والفقيرة، وكما يُبذرُ الحَبُّ في الحقل.. ولسنا ندري أي مغزى عسكري أو قتالي من فِعل ذلك.
الأغربُ أن هذه الألغام التي تقتل يومياً سكان الرقة بالعشرات، أو تبترَ أطرافَهم، لم تُصب أيَّ مقاتلٍ من الطرف الآخر، “العدو المفترض”، (ونحن إنما نُمَحّصُ المغزى العسكري المحض لهذا التكتيك القتالي، ولا نتمنى أو نقحم رغباتنا الشخصية كما قد يُتَوَهم)؛ فهل كان مقصود هذا التكتيك القتالي خطأً وغباءً عسكرياً من التنظيم، أم كان فعلاً مقصوداً غايتُهُ إتمام الإبادة التي بدأها قبل ثلاث سنوات خلت ضد السكان المدنيين حصراً؟ وإذا كان الجواب هو افتراضَنا الأول أو الثاني، أَوَلم يكن واجباً على القيادة العسكرية المقتحِمة للمدينة، أن تُصدرَ بياناً يفسرُ الحدود الدنيا لما جرى ويجري؟ أو تعقدَ مؤتمراً صحفياً تشرح فيه ظروف وملابسات هذا القتل الجماعي الذي يُنفَذ ضد سكانٍ مدنيين أبرياء، ما إن تَوَقف قصف الطيران عن مهمة تنفيذ الإبادة الجماعية والعشوائية غير المميزة بهم..؟ والتي استدامت قريباً من ثلاث سنوات أخرى سَلَفت قبل ظهور التنظيم وبعده؟
جرت العادة أنه لو أقدم تمساح، مثلاً، في واحدة من مجاهل أفريقيا على نهش ركبة أحد أفراد القبائل القاطنين بجواره، أن يبادر شيخ القبيلة ورئيسها على الفور، بمخاطبة أفراد قبيلته، شارحاً مفسراً الظروف والملابسات، أو مهدداً متوعداً، أو محذراً مُنَبِّهاً.. أو مُتقولاً أيَّ كلامٍ مرسلٍ على عواهنه يشرحُ ولايتَه على أفراد قبيلته ويبررُها، ويُعززُ معنى قيوميته على هؤلاء الرعايا.. لكن الرقة التي يدعي النظام الحاكم في دمشق أنها جزءٌ من الدولة التي يحكمها، والذي صرح مندوبه الجعفري قبل أمس في جنيف لوفد المعارضة الذي ذهب ليفاوضه، أن “سوريا دولة وليست دكاكين”، وكان يجدر به وبالدولة التي يعنيها ويمثلها، أن تتحدث عبر وكالاتها ومسؤوليها الرسميين، عن هذه الطاحونة الدموية التي تفتك برعايا دولته المزعومة، وعن المأساة الجماعية التي يعيشها مواطنوها.. بل أن تقول هذه “الدولة” أيَّ كلام يشعر بأنها مهتمة أو تعلم بما يحدث لأولئك المواطنين المفترضين التابعين لها.
كما يُفترضُ بـ”الدولة الثانية”، التي انتزعت ولاية “الدولة الأولى” عن السكان، وأعني بها “الدولة الإسلامية في العراق والشام”، أن تقول أيَّ شيءٍ متعاطفٍ عن رعاياها الذين تمزقهم الألغام يومياً، وهي المطالبة، شرعاً وقانوناً وأخلاقاً، بأن تكون مسؤولة عن أي ناقة تعثر على شاطئ الفرات، دعك وناهيك عن آلاف الرعايا المسلمين الذين تزعم أنهم من رعاياها وأهل ولاياتها، والتي انتزعت منهم، أفراداً وجماعاتٍ، بيعةً لخليفتها المزعوم، الذي يُفترض أنه بات صاحب الولاية والحل والعقد على رعاياه الذين تركهم خلفه وأسلمهم إلى مصيرهم البائس وقدرهم المخيف، بعد أن نقل مقاتليه بالباصات المكيفة، مرتحلين عن الرعايا المبايعين، وعن عاصمة الدولة والخلافة التي كانت إصداراتهم الإعلامية المصورة متوالية وتترى حول كل كافرٍ فيها يستحق قطع رقبته بسبب قولٍ أو وشاية، بينما لم تجد رغبة ولا فسحة لإصدارٍ أو بيانٍ، عن قتل الآلاف من أولئك الرعايا بالألغام.
ثم أخيراً، كان يجدر بأولياء الأمور في الدولة “الثالثة”، الجديدة المنتصرة والمحررة، التي تمثل “الديمقراطية وأخوَّة الشعوب”، أن تصرح على لسان قادتها العسكريين والسياسيين، ومجلسها المدني المحلي، أي تصريح يشرح ملابسات تلك الألغام التي تفتك وتحصد يومياً أرواح “الأخوة من شعوب الرقة”، ويَعِدُ، ولو كذباً، بخلاصهم النهائي والقريب منها.. كما كان يجدر أيضاً بالتحالف الدولي، أو بتعبيرٍ أكثر تقريرية ومباشرة، بالأمريكان، الذين تكلفوا وأنفقوا مئات الملايين على طائراتهم وقذائفهم وصواريخهم في سبيل البرهان على “إنسانيتهم” وأسباب تدخلهم لخلاص أولئك السكان الذين ابتُلوا بالإرهاب الدولي، واستنقاذِهم منه، إذ كان كافياً منهم أن يصرحوا تصريحاً واحداً كاذباً هو الآخر، أو أن يذرفوا دمعة واحدة كاذبة، أو يصدروا بياناً يشرح ما يجري، ويفسرُّ حيثيات ما يقع فصولاً على الأرض التي تحالفوا من أجل إنقاذها وخلاص سكانها المدنيين.
لم يعد يشرحُ المشروحَ، ولا يفسرُ المُفَسَّرَ المسكوتَ عنه، أن نردد ونكرر في كل مناسبة، بأن الرقة وأهلها، إنما وقعت ووقعوا، كضحايا اعتباطيين، بين براثن اللصوص والكلاب، وبين أنياب الضباع والذئاب، وأن رحلة أهلها الدموية بين الألغام، إنما هي توافقٌ وإتمامُ التمام، بين مجاميعٍ من أبناء الحرام.. ممن يعدون الغدر بالسكان الآمنين “سياسة”، وإبادة المدنيين “استراتيجيا”، وبتر أطراف الأطفال “وجهة نظر”، وتقطيع أوصال النساء والرجال والشيوخ “حنكة في إدارة الصراع الدائر”، والصمت الدولي المطبِق عما يقع للأهالي “مرحلة من مراحل الحل”.. الأهالي الذين لا يعلمون حتى ساعة كتابة هذه السطور؛ من اشترى تلك الألغام ومن باعها، ومن زرعها ومن حرث أرضها ومن بذرها.. وكل ما يعلمونه عنها أنها المفرمة التي تفرمُ لحمهم يومياً في “هولوكست” جماعي طويل المراحل والأطوار، ومتعدد السياقات والوسائل، وأساليب تذويب البشر وإسالة لحمهم وشحمهم على ثرى هذه المحافظة المنكوبة، وتراب هذا الوطن المستباح الحزين.
معبد الحسون 2/ 12 / 2017

اترك تعليق