هولاكو في الرقة… من النظام إلى “داعش” فالمليشيات الكردية: علي حمد

0
50

عمر الرقة الحالية لا يبتعد عن عام 1860. كانت قبلها المدينة أرضاً خربة منذ تدمير هولاكو لها قادماً من بغداد عام 1258، على الرغم من أن تاريخ المدينة لا يقل عن ستة آلاف عام، بل وثمانية آلاف عام إذا ربطناها بتاريخ تل المريبط، حيث بنيت هناك أول بيوت في التاريخ، بالتزامن مع مساكن أريحا في فلسطين.
في بداية الاستقلال عن الدولة العثمانية، كانت الرقة قضاء أو منطقة تتبع حلب، مثلها مثل دير الزور، وعندما أصبحت الأخيرة محافظة، أُتبعت الرقة بها في بداية عهد استقلال سورية عن فرنسا. وأصبحت محافظة منذ عام 1958.
الرقة مدينة بعيدة عن العاصمة دمشق، وعن الساحل السوري، ليس بمفهوم الجغرافيا والمسافات، فدير الزور والحسكة أبعد بالمسافات عنهما، بل بالمعنى النفسي للإهمال والنسيان، ولذلك كانت منفى بالمعنى الحرفي للكلمة حتى خمسينيات القرن الماضي، وأشهر من نُفي إليها سلمان المرشد، مؤسس المذهب المرشدي في الأعوام 1925 – 1928.
لكن الرقة دخلت في السنوات الأخيرة تاريخ الإعلام العالمي من باب اتخاذ “داعش” المدينة عاصمة له، تحت اسم “ولاية الرقة”، حيث احتفظت باسمها كما هو، مثلها مثل الموصل، وخلافاً لدير الزور التي غيّر التنظيم اسمها إلى “ولاية الخير”، كما غيّر اسم محافظة الحسكة إلى “ولاية البركة”. سيطر “داعش” على الرقة بسهولة ولكن بالتدريج، متسللاً بين الكتائب والفصائل التي طردت مفارز أمن النظام منها في 6 مارس/آذار 2013. وبداية، لم يكن “داعش” أحد الأطراف التي تدعي معارضة النظام وسيطرت على المدينة في ساعتين، فوجوده العلني في الرقة بدأ في يونيو/حزيران من العام نفسه. وبعد شهرين، كان أوّل ظهور قوي للتنظيم، في آخر أغسطس/آب، عندما نسفت سيارة مفخخة مقر قيادة “لواء أحفاد الرسول” في محطة القطار شمالي المدينة، فهرب من بقي من اللواء في اتجاه حلب وإدلب ودير الزور.
بعدها، سارت محاولات “داعش” الانقلاب ببطء على بقية الفصائل في المدينة، وهي “لواء ثوار الرقة” و”حركة أحرار الشام” و”جبهة النصرة”، إلى أن أعلن السيطرة على الرقة في 4 يناير/كانون الثاني 2014، بطرد آخر من تبقى من “جبهة النصرة” في المدينة.
هذه المقدمات ضرورية للإجابة على السؤال المتشعّب: لماذا سيطرت فصائل معارضة على الرقة بسهولة وطردت النظام منها عام 2013، ثم لماذا سيطر “داعش” على المدينة بسهولة في بداية عام 2014، وتالياً لماذا سيطرت “قوات سورية الديموقراطية” مدعومة بطيران التحالف ضد “داعش” على الرقة بعد تدميرها؟
ونشتق من ذلك السؤال: كيف كانت الرقة تحت سيطرة النظام، وأين كان سكانها في كل تلك المراحل؟

المدينة المتمردة
على المستوى السياسي، تحتفظ الرقة بومضتين تاريخيتين وحيدتين مميزتين تنفرد بهما عن بقية المدن والمحافظات السورية، الأولى تشكيل دولة مستقلة غير معترف بها من الاحتلال الفرنسي، أو من دول المحيط (10 أغسطس/آب 1920 – 16 ديسمبر/كانون الأول 1921)، وهي دولة حاجم بن مهيد، التي انفرط عقدها بفقدان حاجم الأمل في دعم الأتراك الذين تصالحوا مع فرنسا وتخلوا عنه. وابن مهيد شيخ عشيرة الفدعان المنتمية إلى قبيلة عنزة الكبيرة، بدأ التحضير لاستقلال قضاء الرقة (من نهر الخابور شرقاً حتى تخوم حلب غرباً، ومن جرابلس وخط قطار الشرق السريع شمالاً إلى بلدة السخنة جنوباً)، وأعلن حاجم دولته بالتزامن مع وصول قوات الانتداب الفرنسي إلى دمشق بعد معركة ميسلون قادمة من لبنان؛ والدولة الثانية هي “الدولة الغفانية” التي أعلنها غفان التركي من فخذ “الموسى الظاهر” المنتمي إلى عشيرة العفادلة، ليوم واحد، وقيل حوالي أسبوع، في تحدٍّ للفرنسيين في 4 يوليو/تموز 1941، التي تسمى شعبياً “فلتة 4 تموز”.
وهاتان الحادثتان، وإن كان فيهما عنصر رفض الاحتلال، ومقاومته، لكنهما تفتقدان للتنظيم والاستمرارية شأن الثورات التي تناوبت على الوجود الفرنسي، من جبل الدروز، إلى جبال العلويين، وحلب وإدلب، وريف دمشق، ودير الزور، ولذلك ليس لهما ذكر إلا في التاريخ المحلي والشعبي في المدينة.

المدينة النائمة
منذ إنشاء محافظة الرقة عام 1958، حتى قيام الثورة السورية، تطوّرت مدينة الرقة ببطء، تعليمياً واقتصادياً، لكن عدد السكان ارتفع بارتفاع الاهتمام باللقاحات للأطفال والأمهات، وليس المستوى الصحي ككل، فاتجه السكان إلى الاستقرار والبناء متحولين من حياة شبه بدوية تعتمد على رعي الأغنام، من دون أن ترصد حركة واسعة للهجرة من الريف إلى المدينة إلا في نهاية الستينيات.

كانت الحركة السياسية في الرقة شبه معدومة في الستينيات، وكان السقف السياسي لشيوخ العشائر الوصول إلى المجلس النيابي

في الستينيات، كانت الحركة السياسية في المدينة شبه معدومة، فالسقف السياسي لشيوخ عشائر الرقة كان الوصول إلى المجلس النيابي، ووحده الأديب الدكتور عبد السلام العجيلي كان وزيراً لمرات عدة في بداية الستينيات، خاصة في عهد الانفصال بانفراط عقد الوحدة مع مصر.
ومع استيلاء حافظ الأسد على السلطة، لم يختلف الوضع السياسي لشيوخ العشائر كثيراً، كما لم يؤسس الشباب الذين بدأوا يتجهون إلى إحراز تكوين ثقافي لحياة سياسية متصلة بالأحزاب في دمشق وحلب، إلا على نطاق ضيق ومحدود. وقد تكون بداية السياسة في الرقة بدأت مع ظاهرة الشيخ “بَرْيَج العبدالهادي الذيب”، شيخ عشيرة “البَرْيَج”.
وبَرْيَج ليس مجرد مغامر، بل صاحب طموح سياسي أيضاً، ولذلك لم يرضَ بالسقف السياسي في أن يكون نائباً عن عشيرته ومنطقته في أول “مجلس للشعب” في عهد حافظ الأسد، كما لم يتمكّن من إقناع شيوخ العفادلة بزعامته، وهي العشيرة للبَرْيَج، كون المشيخة التاريخية كانت معقودة لأولاد وأحفاد “ذياب المدلج”، ولا تزال.
وبالتوازي مع بداية تشديد حافظ الأسد قبضته على عموم سورية، اتصل بَرْيَج بقيادات في حزب البعث العراقي، أو هم اتصلوا به، ووعدوه بالمكانة عندما يأتي الجيش العراقي لـ”تحرير دمشق”، وأمروه بتسليح أتباعه استعداداً لذلك. وبناء على ذلك قاد بَرْيَج شاحنته منفرداً عبر الحدود العراقية، وعاد بها محملة بالسلاح، إلا أنه صادف دورية حرس حدود تقوم بجولة روتينية فطاردوه وتبادلوا النيران، فأصاب أحدهم وقتله، كما أصيب هو في رجله وزحف عبر الحدود، وتابع طريقه إلى بغداد.

انضم أفراد كثر من عشيرة البريج إلى صفوف “داعش” وقاتلوا معه

مبرر الحديث عن بَريج وعشيرة البَريَج، هو الدور الكبير الذي قام به أفراد كثيرون منهم كمقاتلين في صفوف “داعش”، وأمنيين وأمراء وشرعيين. بعد تلك الحادثة، لم تقم لناحية الكرامة قائمة، وهي “حاضرة البريج” شرق الرقة، فقد ظلت القبضة الأمنية مشدّدة حولها لسنوات، وشملت الاعتقالات والإعدامات أولاد بريج الذين كانوا أطفالاً ولم يبلغوا وقتها، وظلوا في سجن تدمر من عام 1980، إلى عام 1991، إضافة إلى إعدام مقربين من أولاد عمومته، والحكم على آخرين بأحكام مؤبدة.
وأولاد بريج هم الأشقاء جابر وحسن وبوزان، والأخ غير الشقيق توباد. ويعد بوزان وتوباد (الذي شبَّ مع والده في بغداد) من الذين لعبوا أدواراً دموية في تنظيم “داعش”.

نهايات النظام في الرقة
الرقة ليست المحافظة الوحيدة في سورية ذات البيئة العشائرية شبه البدوية، لكنها الأكثر قرباً من هذا التوصيف، خلافاً لدير الزور والحسكة في منطقة الجزيرة، وخلافاً لباديتي حمص وحماة ذات المكوّن العشائري، ومحافظة درعا التي تأثّرت بالمدنية مبكراً لقربها من دمشق العاصمة.
ففي الرقة، وحدها، لا يتعارف اثنان على أن أحدهما من “بيت فلان”، والآخر من “بيت علان”، بل بالانتماء إلى العشيرة والفخذ، كون العشيرة أصغر تكويناً من القبيلة. ومعظم عشائر منطقة الرقة تعود بالنسب إلى قبيلة البوشعبان التي تنتشر على ضفتي الفرات نزولاً وامتداداً في العراق.
الآن، الرقة في يد تنظيمات الأكراد حتى لو تلطت وراء اسم “قوات سورية الديمقراطية” الذراع العسكرية لـ”مجلس سورية الديمقراطية”، فالأصل هو “وحدات حماية الشعب” الكردية، وكل المكونات الأخرى في “قسد”، من عربية وكردية غير منتمية لـ”حزب الاتحاد الديمقراطي”، وسريانية آشورية، هي من قبلت بقيادة الأكراد السياسية والعسكرية، وكل من اعترض على تفرّدها بالسلطة أصبح خارج “قسد”، بل كاد أن يكون مُحارَباً، ومثالها “لواء ثوار الرقة”، الفصيل الوحيد المرشح دائماً ليمثّل الرقة من بين مئات التشكيلات العسكرية في سورية التي تدعي معارضتها للنظام الأسدي.

بدأ الحديث الآن عن إقليم الرقة

آخر أخبار “لواء ثوار الرقة” المقيم حالياً في قرية “جهجاه” شمال عين عيسى أن قائده “أبو عيسى” يزرع بعض الخضار في أرض بجانب البيت الذي يسكنه ليأكل منها هو وعناصره في انتظار أن تدعمه قوة ما ليقوم بدوره في تحرير مدينته، لكن المدينة “حررتها” الآن “قسد” بعد “تدميرها” بدعم جوي من طيران التحالف ضد “داعش”، ومن الطيران الأميركي خاصة، ولم تعد المدينة في حاجة إلى “تحرير” لواء ثوار الرقة، إلا إذا كان الحديث عن حرب كردية – عربية يتوقّع كثيرون أنها مؤجلة الآن لكنها آتية من دون شك، خاصة في محافظة الرقة، حيث يدعي الأكراد أن تل أبيض، أو (كري سبَّيه) إقليم تابع لكانتون “عين العرب – كوباني” في “الكيان الكردي” الموعود، بعد القامشلي (قامشلو) ورأس العين (سري كانيه)، وعفرين، بل إن الحديث بدأ الآن عن إقليم الرقة، ولعله كانتون، حيث يتندر متابعون على فيسبوك أن المقابل الكردي للرقة سيكون (راكو). ومن بين تلك التسميات لم نعرف قبل قيام الثورة السورية سوى اسم (كوباني)، وهو اسم غير كردي قطعاً، وإنما هو تحريف لكلمة “كومباني” الإنكليزية، أي شركة، ترافق إطلاقه مع إنشاء المدينة عام 1905 قرب مخيم لشركة ألمانية أنشأت الخط الحديدي لقطار الشرق السريع المساير للحدود السورية التركية الحالية والواصل إلى الموصل ثم بغداد.

الرقة ما قبل الثورة

بدأت التظاهرات الخجولة في الرقة منذ أواخر مارس 2011، لكنها قلَّما وصلت إلى الإعلام المرافق للثورة

صلاة عيد الأضحى في جامع النور في الرقة، يوم 6 نوفمبر/تشرين الثاني 2011، لم تكن حادثة بلا دلالة، على الأقل في عُرف من اقترحوا على بشار الأسد أن يذهب لصلاة العيد هناك، فأولئك يعرفون تماماً هشاشة المجتمع في الرقة، وافتقاده لأي نوع من التنظيم مقارنة مع تجارب المدن الأخرى في الداخل. فالتظاهرات الخجولة بدأت في الرقة منذ أواخر مارس/آذار 2011، لكنها قلَّما وصلت إلى الإعلام المرافق للثورة السورية، ولذلك انتشر الوصف الجارح لحمية أبناء الرقة على فيسبوك بتشبيه المدينة بشخصية “أبو بدر” الضعيف المنقاد إلى زوجته في مسلسل “باب الحارة”.
قبل حادثة صلاة العيد، يُقال إن النظام خصص مبلغ 25 مليون ليرة ليتم توزيعها على شيوخ العشائر، شراء للذمم، وفقاً لمكانة العشيرة وشيخها، فالشيوخ الأصغر مكانة نالوا رشاشات، أو مسدسات، أو أراضيَ. ونفي حصول خبر الـ25 مليوناً لا يغيّر في الأمر شيئاً، فسيرة نظامَي الأسدين مع شيوخ العشائر يؤشر إلى ذلك، حتى لو كان السيناريو مختلفاً، لكون منحٍ كهذه كان الشيوخ يدفعونها، كأتاوات عادة، للمحافظين ورؤساء المفارز الأمنية، نقدياً، أو عينياً، لشراء المكانة، أو للتوسط لأبناء العشيرة حين يتعرضون لمساءلة أمنية.
وبالعودة إلى قصة بَرْيَج العبدالهادي، فقد نالت محافظة الرقة في السنوات التالية لهروبه إلى العراق، وفي كل مناطقها، نصيبها من تهمة “البعث العراقي”، الصحيحة والتعسفية معاً، باعتقالات شملت عشرات البعثيين، وتجاوزات على كرامات المدنيين في ظل الأحكام العرفية السارية قبل ذلك بعشرين عاماً، ووصل الأمر بالحكم الأمني لمحافظ الرقة محمد سلمان (وزير الإعلام لاحقاً) إلى توجيه اتهام شعبي له باغتيال الدكتور محمود الأطرش وزوجته (ينحدران من قرية الشيحة في حماة) في بداية شتاء عام 1984، حين كانا عائدين ليلاً من زيارة عائلية لابنتهما المقيمة في محافظة الحسكة. وهذا الاتهام قيل همساً بالطبع، كون المرحوم الأطرش كان صوتاً بعثياً معارضاً للقبضة الأمنية لمحمد سلمان، وله مكانة علمية واجتماعية محترمة كأستاذ للأدب العربي في ثانوية الرشيد، وأمين سابق لفرع حزب البعث العربي الاشتراكي في الرقة. ولا يستند هذا الاتهام فقط إلى الجو الأمني المشحون بالخوف في الرقة، بل لأن حادث سيارة الأطرش التي كان يقودها بنفسه جاء في فترة التحضيرات للمؤتمر القطري الثامن لحزب البعث العربي الاشتراكي، وانتخاباته القاعدية (عُقد المؤتمر مطلع عام 1985).
كما قتل أسامة نجل الدكتور محمود الأطرش تحت التعذيب على يد الشبيحة في سبتمبر/أيلول 2014، لانحيازه للجيش الحر ومساعدة مقاتليه في محيط قرية الشيحة، وحماة، ورفضه مغادرة سورية بعد تهديدات له. بالطبع، كان ذلك التاريخ في الرقة تفصيلاً مما فعلته القبضة الأمنية الأسدية في عموم سورية، بعد مذبحة حماة، وحصار حلب وتدمير حي المشارقة فيها، ومذابح جسر الشغور، ومذبحة سجن تدمر في بداية الثمانينيات. استمرت حالة الخوف، وانكفأ مجتمع الرقة العشائري والمثقف على نفسه، حاله حال المدن السورية الأخرى، مع فارق أن مجتمع الرقة ازداد محلية فوق ما هو عليه كمجتمع بعيد ومبعد، ومستثنى من حركة التنمية التي كانت تسير ببطء في عموم سورية نتيجة حصار النظام القائد لـ”جبهة الصمود والتصدي”، قبل أكثر من عشرين سنة من ابتداع مصطلح “الممانعة” في عهد المفاوضات مع “إسرائيل” لاسترجاع الجولان.

عهد الثورة

لم يكن الفرق بين شباب المدن الأخرى وشباب الرقة في الوعي والانحياز المبكر للثورة، بل في التجربة ودرجة التنظيم

لم يكن الفرق بين شباب المدن الأخرى وبين شباب الرقة في الوعي والانحياز المبكر للثورة، بل في التجربة ودرجة التنظيم، فصفوفهم كانت مخترقة أمنياً، بحيث كانوا يجدون عناصر الأمن أمامهم في أي مكان يتفقون أن يبدأوا فيه تظاهراتهم وهتافاتهم. ولن نجد فرقاً أيضاً مع المدن الأخرى لناحية غالبية المنحازين إلى الثورة، أو الخذلان اللاحق لكلا الطرفين ممن حملوا السلاح بحجة حماية المدنيين الثائرين من غدر أجهزة النظام، حين تسلطوا على الناس بدرجة مشابهة بالشكل على الأقل لحقبة النظام الأسدي.
ولنفهم كيف أن محافظة الرقة كانت مستلبة للنظام الأسدي بأداته البعث، وأجهزة استخباراته، نذكر في هذه المقدمة كيف سقطت بسهولة تامة في يد فصائل مسلحة معارضة أغلبها من خارج المحافظة. فمن جهة، لم يكن المقاتلون المعارضون في “الفصائل المحلية” يمتلكون القوة الكافية لطرد النظام منها، ومن جهة أخرى، كان النظام مطمئناً إلى أنه لن يفقد السيطرة على الرقة، فمفرزة استخبارات قليلة العدد والعتاد كافية لاستمرار سيطرته عليها. هكذا كان النظام يعتقد، لكن فصائل ينتمي معظم مقاتليها إلى إدلب ودير الزور ومنبج، بالإضافة إلى “لواء ثوار الرقة” استطاعت في ساعتين إنهاء وجود النظام تماماً في المدينة. ووقتها، غمز ثوار فيسبوك من قناة شباب الرقة أن من “حرر” الرقة ليسوا من أبناء الرقة، وذكروهم بشخصية “أبو بدر”.
وحين اندحرت هذه الفصائل شيئاً فشيئاً أمام “الدولة الإسلامية في العراق والشام”، خلال أشهر، وانفرد “داعش” بالسيطرة على المدينة، وغيَّر اسمه إلى “الدولة الإسلامية”، حتى بعد أن التصق به نعت “داعش”، فرَّ مَنْ نجا من العناصر كلٌّ مع فصيله إلى نطاق محافظته.
وفي الفترة القصيرة لربيع الرقة الخالي من النظام، قبل سيطرة “داعش”، برز شباب الرقة، وشيوخها وعائلاتها، أفراداً، في استقبالهم النازحين من المحافظات التي تعرّضت مبكراً لعنف النظام، باستخدام الرصاص ضد المتظاهرين المدنيين، تدرجاً إلى المدفعية والهاون والدبابات، وصولاً إلى ضرب المدن بقذائف الطائرات والبراميل المتفجرة، والصواريخ متوسطة المدى.
وحتى قبل خروج الرقة من قبضة النظام، ومنذ بدايات 2012، قدّم المتطوعون في الرقة والجمعيات الخيرية، كل شيء للنازحين، من المسكن والطعام والكساء، وأمنوا حياتهم، مستعينين بأموال المتبرعين الأفراد ومساعدات أبناء الرقة العاملين في الخليج، في وقت فاق عدد النازحين عدد سكان المدينة في أقل التقديرات. وهنالك تقديرات تقول إن عدد سكان المدينة وصل في منتصف عام 2012 إلى أكثر من مليون ونصف المليون، أي حوالي ثلاثة أضعاف عدد سكان المدينة المقدر بحوالي نصف مليون نسمة.

اترك تعليق