(تحرير) “المطار والفرقة 17 واللواء” بقرار من نظام الأسد: من كتاب الرقة والثورة لـ معبد الحسون

0
345

ربما لم يعد مجدياً اليوم كثيراً القولُ بأنَّ ماسُمّيَ بتحرير المطار والفرقة 17 واللواء 93، كان قراراً اتُخِذَ من قِبَل نظام الأسد نفسه. سيبدو هذا الإقرارُ في نظر كثيرين بؤساً سياسياً في الحكم على الأحداث، ومصادرة استباقية لإلباس ذلك الانتصار الداعشي، السريع والنوعي، لبوسَ المؤامرة التي تستبقُ الموقف في الافتئات عليه. وصولاً إلى الحكم على داعش حكماً واضحَ التجني، وجريء الافتراء بحق أولئك “المجاهدين”. مع هذا لن أتراجع عن هذا الحكم الذي لا أراه يخرج عن منطق الأمور والموضوعية قيد شعرة. فلنتأمل المشهد كما هو في الواقع، ودون كثيرٍ من الزخرفة والقول البديع:

ـ القطع العسكرية الثلاث باتت تشكل خلال أعوامٍ من الثورة عبئاً على النظام، وكلفة لامعنى لها. فهي قطع محاصرة بكثافة من مقاتلي الجيش الحر، قليلة الفاعلية القتالية، كما أنها تستهلكُ ـ أي تلك المواقع العسكرية ـ حاجاتها اللوجستية ومخصصاتها القتالية اليومية، عبر إنزالات تتم بوساطة مروحيات. لا أمل في أن تحقق أي انجاز عسكري، وباستثناء أنها كانت مراكز متقدمة لإدارة الحرب على الثورة عن طريق عملاء على الأرض، متغلغلين داخل المدينة وأريافها، فليس واضحاً ماهي وظيفتها العسكرية، ولا أهدافُها التي يمكن أن تجنيها من هذا التصدي لحصارها المزمن، والذي لم يخرج بجدوى أو طائل للطرفين، لا لها ولا للمحاصرين، والجمود الحاصل، كواقعة عسكرية، كان مرشحاً لأن يستمر لمائة سنة قادمة، دون فائدة أو نتائج فيما لو استمر بنفس الظروف، ونفس الآليات التي تحكمه وتحيطه.

ـ إذا فكرنا جيداً واقتنعنا بأن داعش كانت تؤدي وظائفها على الأرض ضد الثورة بأفضل مما كان يؤديه النظام، وخيرٍ من أدائه على الأرض بما لا يقاس، وأنها كانت تنجز في شهر ما يعجز النظام عن إنجازه في سنة، وتنفذ عمليات انتقام ضد الأهالي والثوار على حدٍ سواء، وهي تتحرك استخباراتياً بحركة مطلقة الحرية، فإنه يصح الاستنتاج عندئذٍ أن”إهداء” المكان الذي كان يشغله النظام، ممثلاً بقواته النظامية في مطار الطبقة، وشمال المدينة حيث الفرقة 17 تحتل موقعاً استراتيجياً مفضلاً يفصل نصف المحافظة الشمالي عن نصفها الجنوبي، والموقع الحصين للواء 93، المشرف من تلٍ عالٍ على أرض منبسطة تحيطه من جهاته الأربع؛ إذا تمَّ منح هذه الميزات الاستراتيجية القتالية لداعش مؤقتاً، أما كان ذلك أجدى وأولى من ذلك التصدي اليائس لمقاتلي الجيش الحر؟

ـ من جهة أخرى، أما كان ذلك التحرير الإفتراضي الإعلامي، سوف يمنح داعش الشعبية التي تفتقدُها، وسوف يقنع من لم يصل إلى القناعة التامة بعد، بأن هؤلاء “المجاهدين” هم وحدهم من تطوى الأرضُ تحت ضرباتهم.. مؤيدين بالروح القدس وبالملائكة التي نصرت النبي يوم بدر..؟ أليس كل هذا كافياً لضخ كتلة بشرية مترددة وهي تنتظر بين الإقدام والإحجام؟ أليس المطلوبُ اليومَ هو تزويد داعش بحاضنة أهلية مقاتلة ومؤيدة حتى تظل طرقُهُا مفتوحة؟ إن إنجاز “هذا الفتح المبين” في مدة لا تتجاوز ستة أشهر، فيما عجز الجيش الحر عن التقدم فيه قيد شعرة واحدة، خلال ثلاث سنوات، لم يَخْطُ فيها إلى النصر قاباً، ولم ينجزْ شيئاً مذكوراً.. أليس هذا بحد ذاته معجزة؟

ـ من جهة أخرى.. أليس مجدياً أن ينتقل السلاح الذي لم يعدْ له جدوى أو فائدة، من أيدي”الأخوة جنود الاسد”، إلى “الأخوة المجاهدين في سبيل الله”، طالما أن هؤلاء الأخيرين يحرزون النصر تلو النصر على الثورة وأهلها، وأما الخشية من فقدان “المكان” فهو أمرٌ غير ذي بال أو كلفة، فإن الدولة العميقة التي لم تكن تحتاج إلا إلى بضعة مكاتب صغيرة في مطار الطبقة، سوف تنتقل بكامل أطقمها وأجهزتها المزودة بما تحتاج، لإصدار أوامرها وتعليماتها إلى مكاتب جديدة في مبنى المحافظة داخل المدينة، ولن تتكلف بأكثر من استبدال اللباس العسكري الأسدي بالزي الأفغاني، أو المظهر الجهادي المتزود بأقنعة سوداء تغطي الوجوه، وإطلاق اللحى واستبدال لغة التخاطب بكنى وأسماء جديدة.. فما المشكلة أن يخاطَبَ القائدُ والرئيسُ من قبل مرؤوسيه باسم الأمير أبو حمزة أو أبو قتادة، بعد أن كان في موقعه السابق ينادى بعبارات مثل سيادة اللواء حيدر وسيادة العقيد سليمان؟

ـ سوف يضمن هذا التحرير، لا شعبيةً جديدة والتفاتاً مدهشاً إلى التنظيم الأسطوري فحسب، وإنما سوف ينهي عبء الضغط الشعبي الذي أخذ يتفاقم ويتزايد من قبل أهالي الجنود والضباط في الساحل والداخل، والذين علت أصواتهم تطالب السلطة بفك الحصار عن أبنائهم المحاصرين منذ سنوات، والذين لا يُعرفُ مصيرهم على وجه الدقة، وقد ينفجر هؤلاء الأهالي في وجه النظام، أو قد يتسببون في انهيارٍ وانحلال عام في معنويات الجنود الذين يقاتلون مع الأسد حتى ذلك التاريخ، وانكفاء المؤيدين انكفاءً مُرَوّعاً لا يرتجى له إصلاحٌ أو لملمة نتائج بسهولة(1)..

ـ من جهة أخرى فإن تمثيلية تسليم هذه المواقع العسكرية لداعش، بحجة تحريرها المزعوم من قبل التنظيم، سوف يستوعب إمكانية التذرع بفقدان أعداد كبيرة من العناصر والضباط الذين تمَّ إرسالهم في مهام قتالية في أوقات سابقة أو لاحقة، حيث لم يتمكن النظام أن يصرح عنها ولا عن طبيعتها، ولا أن يعترف لذويهم أين سقط هؤلاء وفي أية ظروف، والأمر نفسه بالنسبة لكل من تمت تصفيته من ضباط النظام ومقاتليه قبل هذا التاريخ، وجرى التكتم على هذه الجرائم، فقد باتت الفرصة مواتية، والمدخل إلى الإعتراف بهم أكثر من مبرر، لإبقاء مسافة التأييد بين النظام وبين جمهوره صلباً لا يعتريه شرخ أو اهتزاز من جهة، ولمنح ذويهم راحة نفسية، وشرفاً افتراضياً بتسميتهم “شهداء الوطن” الذين سقطوا دفاعاً عنه، وهم يؤدون واجبهم العسكري في القتال على جبهات الفرقة 17، أو اللواء 93 أو مطار الطبقة.. ناهيك عن أنّ معظم مقاتلي القطع العسكرية الثلاث كانوا مجندين من المناطق السنية، والتي لن يذرف النظام عليهم دموعاً بالتأكيد فيما لو ضحى بهم أو أهدى أرواحهم ودماءهم لداعش،(2) أو في مواجهة مع تنظيم إرهابي كريه، سوف يمتدح دولياً ومحلياً، وهو يعلن عن حجم خسائره في مواجهته، كما سوف يشفع تعميم هذه الشهادة والإعلان عن مقتلهم، بتعويضات مالية تستكمل الجزء الناقص من الخبر، وتعمل على توفير جائزة ترضية لجمهورهم وحواضنهم.(3)

ـ الموضوع كله متوقف على التضحية ببضعة عشرات من رؤوس الجنود، الذين سوف تضطر داعش إلى التضحية بهم لإكمال المسرحية، ولتصويرهم وإعطاء انطباع عميق وشامل في ذهن كل متابع لما يجري، بأن”آلاف المقاتلين” من قوات الأسد قد جرت تصفيتهم بعد أن استولت داعش على الفرقة والمطار واللواء(3)، بينما يكون هؤلاء الجنود، أو المهمون منهم في واقع الأمر، قد نُقِلوا إلى منازل ذويهم وعوائلهم في إجازة مُنِحُوها بعد تحملهم للمشقات وصبرٍ وجهدٍ دام سنوات.. ولن يفسد الأمر، لضرورات التمثيل، قطع رؤوس خمسة أو سبعة أشخاص، وتعليق رؤوسهم عند دوار النعيم ليكونوا مادة دسمة تتلهى بها الفضائيات الإخبارية ومواقع الأخبار على النت(4).. كذلك فإنها سوف تكون مناسبة سعيدة تشبه أعياد تقديم الذبائح والقرابين في أعياد التضحية والنحر، وفرصة لتصفية المعتقلين والسجناء المحتجزين في المطار والفرقة واللواء، وتصويرهم على أنهم جنود مقاتلون في جيش الأسد. حيث في مطار الطبقة وحده تمَّ جمع معظم أسرى ومعتقلي الشعيطات الذين أسرهم التنظيم في ريف دير الزور، بعد الاشتباك مع عشائر الشعيطات، وأعدم أكثر من مائتين وخمسين منهم أمام الكاميرات، بعد تسميتهم “أسرى النظام النصيري” و”خنازير النصيرية الكفرة” الذين تمّ أسرُهم في مطار الطبقة العسكري.. وما إلى ذلك من الحيل والشعوذات التي يقتضيها التمثيل والتصوير، وقد تمَّ التعرف على وجوه أسرى الشعيطات هؤلاء من قبل ذويهم، من الصور التي قامت داعش بتصويرها، وهي تزعم أنهم مقاتلون في جيش النظام من الأسرى الذين استسلموا في المطار، بينما وصل حوالي 97% من عناصر المطار إلى ذويهم سالمين.

بقي أن ننوّه إلى نقطة هامة لا يجب إغفالها؛ وهي أن اللواء والفرقة القريبين من منطقة عين عيسى الكثيفة بالقرى، قد قدمت شهادات موثقة من قبل الأهالي بأن الفرقة واللواء، قد بُدِئ بتفريغهما، ونقل “العناصر المهمة” فيهما،( لا حظ مسمى “العناصر المهمة”..! هل هنالك في العالم بأسره جيش جدير بالإحترام، ولديه ذرة من الشرف والكرامة، يميز بين مقاتليه، ويُقَسِّمُ مصيرَهم وأرواحهم بين”عناصر مهمة” و”عناصر غير مهمة”..!!؟؟)(5)

منطقياً يكاد يكون من شبه المستحيل أن يفرَّ أكثر من 800 ضابط وجندي من قوات الأسد من الفرقة 17 المحاطة بالمحاصِرين، وحتى لو افترضنا أنه قد تمَّ إنفاذ منفذ نجاة، وفتح ثغرة بطريقة ما، فإن الجغرافيا المحيطة لن تسمح إلا بوقوعهم ثانية في الأسر وهلاكهم جميعاً. إذ لا أمل في وصولهم حتى إلى اللواء الذي يفصلهم عنه حوالي سبعين كلم، واللواء نفسه محدود من كل الجهات بجغرافيا لا تساعد أي عسكري فار منه على الوصول إلى جنوب الفرات، حيث أقرب موقع يحامي عنه جيش النظام.. المؤكد أن هذه التمثيلية الدموية الشائنة، لم تكن لتنجح لولا مساعدة الميليشيات الكردية في الشمال، ميليشيات الـpkk التي تعاونت واستقبلت الفارين وعملت يداً بيد، مع مروحيات النظام وقيادة داعش على نقل معظم الجنود إلى مناطق الساحل وسوريا الداخلية، والغريب أن المسرحية الهزلية المرتجلة لم تتورع عن تصوير المشهد بأن عناصر الفرقة قد فرُّوا ووصلوا خلال ساعات قليلة إلى الشمال، حيث اللواء 93، ومن ثم انحازوا وبمنتهى السهولة إلى مطار الطبقة، منتقلين إليه “في صحبة السندباد ربما، وعبر بساط الريح”، ولم يمضِ عليهم مساء اليوم التالي حتى كان المئات منهم بين عائلاتهم وأهليهم،(6) في الساحل، يتصورون ضاحكين، ويرسلون بالصور والأخبار المطمئنة عن أوضاعهم وصحتهم، بينما كان”الأخوة المجاهدون” في الرقة، يبتهجون بنصرهم الأثيل، ويطلقون الأعيرة النارية في الهواء، فرحاً بهذا النصر الذي لا يعدله “إلا نصر الله للمسلمين يوم بدر وخيبر”..

كما أنه لا يجب أن نذهل عن أن المخبرين، وأعوان النظام الذين تربوا خلال سنوات على علاقات عمالة استخباراتية بالفرقة 17 وباللواء والمطار، قد تُرِكوا في أيدٍ أمينة بعد رحيل القطع العسكرية الثلاث، وأصبحوا مادة مخابراتية متجددة، تعمل بين أيدي التنظيم العابث بالمحافظة، وحتى منظومات الدعارة التي كانت تشتغل على ترفيه ضباط وعناصر الفرقة واللواء، كلها قد تحولت جميعاً للعمل لحساب داعش.{العاهرتان المذكورتان في تقرير الجوية المرفق أصبحتا لاحقاً “أميرتين في فرقة الخنساء النسائية” في التنظيم، واحتلت المدعوة “أم عبود” أعلى المناصب بين أمراء داعش}.(7)

ــــــــ

هوامش الجزء السادس:

Download (PDF, 1.18MB)

اترك تعليق