جبهة النصرة، خديعة أبو العباس الأعمى وبداية الإنكسار:: من كتاب الرقة والثورة لـ معبد الحسون

0
400

خديعة أبو العباس الأعمى وبداية الإنكسار:

 

يجب أن أؤكد ثانية بأن الوضع العسكري الذي تمتْ السيطرة فيه على كامل مقدرات ومفاصل المدينة، حتى رابع أيام المعركة كان يستحيلُ تفكيكُه أو التلاعب بنتائج الانتصار الحاسم فيه على تنظيم داعش. لقد خسرت داعش معركتها في الرقة، وهي على وشك أن تصير خلفنا وجزءاً من الماضي. فقد كانت المعركة في نهاياتها، وعلى وشك الإنتهاء.. ومسألة إنقاذ ماتبقى من داعش، ومن جميع عناصرها المحاصرين داخل المدينة يُعد ضرباً من المعجزات القتالية، أو الخيال العسكري إن صح التعبير..

في اليوم السابق على إعلان حركة أحرار الشام نيتها الصريحة الانسحابَ وترك المعركة، والذي سوف أفَصِّلُ فيه لاحقاً، جرى حادثٌ صغير بالمقاييس العسكرية القتالية، لكنه كان أكثر من حاسم ومصيري في تطور مجريات ما حدث بعدئذٍ. ولم يكد ينتبه إليه كثيرون في غمرة الحدث العام، وروعة التقدم الساحق الذي أحرِزَ ضد تنظيم داعش. فقد تفاجأنا بأمر مبهم وغامض الدلالة، من قبل قيادة النصرة إلى جميع عناصرهم ومقاتليهم المرابطين عند الجسر القديم بالانسحاب فوراً، وترك حاجزهم قبالة الجسر، وهم الذين كانوا بمثابة متراسٍ صادٍ أغلق مدخل المدينة الجنوبي، ومنع داعش التي جمعت كل قواها في الريف الكائن على امتداد خط الشامية، جنوبي النهر، (من أطراف حلب، وحتى التبني في محافظة دير الزور)، من التقدم أو اقتحام المدينة، أو رفد مقاتليها المحاصَرين  بقوة جديدة ومقاتلين جدد ..

كان ذلك الحاجز، يكفيه من أعداد المقاتلين مادون العشرين مقاتلاً حتى يتحكموا بحركة العبور من خلال الجسر القديم والوصول إلى كورنيش النهر، ومثله كذلك ما يمكن أن يقال عن الحاجز الآخر، حاجز الجسر الجديد. وكانت قيادة جبهة النصرة، كما سبق القول، قد اتخذتْ من مقام أويس القرني مركزاً رئيسياً لها. فجاءت الأوامر إلى مقاتلي النصرة بترك الحاجز الذي كان يقع بجانبه مقر القيادة العسكرية للنصرة، والتوجه فوراً إلى المقام ومرابطة الجميع فيه. أثار القرار دهشتي حقاً، فبعد أن انسحب عناصر النصرة وأخلوا حاجزهم والمبنى عند الجسر القديم، تدفق حشد الدواعش بأعداد هائلة من طرف الجسر. واستولوا جزئياً على قسم من كورنيش النهر خلال فترة وجيزة، وهنالك نصبوا فوراً أعداداً من مدافع الهاون، وشرعوا برميٍ متواصلٍ وكثيف على الحاجز الثاني عند الجسر الجديد، والذي منع ـ حتى الساعة ـ تسلل أي داعشي من الدخول إلى المدينة.. باختصار شديد، لو أن داعش ـ على سبيل الفرضية ـ قد استدعت مدداً عسكرياً تعداده آلاف المقاتلين بكامل سلاحهم، لما أمكنها أن تجتاز الجسرين فيما لو ظل هذان الحاجزان مرابطين عند مدخل الجسرين، ولو استمر القتال لعام كامل، ولم يكن الأمر يحتاج لصدها لأكثر من تدعيم هذين الحاجزين بشكل دائم وصمودهما..

بعد أن استولت داعش على نقطة حاجز النصرة، الذي كان يغلق الجسر القديم تمام الإغلاق في تصديه ومواجهة أي دعم أو تعزيز محتمل للدواعشة من جهة الشامية، استمر الرمي الكثيف والمتواصل على حاجز أحرار الشام مقابل الجسر الجديد بضعة ساعات، وبدأ عناصر الحاجز يطلبون عوناً ونجدة عاجلة، وكميات من الذخيرة للتصدي لقصف الدواعشة المتواصل بمدفعية الهاون، ومع إلحاحنا والطلب العاجل من قيادة الأحرار أن يحافظوا على صمود حاجز الجسر الجديد بأي ثمن، ريثما يتم تدبر أمر الخرق الفظيع الذي ترتب على قرار قيادة النصرة بسحب حاجزهم، وليمنعوا الثغرة الثانية من الإختراق، ثغرة مدخل الجسر الجديد، إلا أن المفاجأة الثانية لم تتأخر طويلاً عن المفاجأة الأولى؛ فقد صدرت الأوامر فوراً من قبل قيادة الأحرار بالتراجع وترك الجسر الجديد.

أصبح محور(الجسر الجديد ـ المركز الثقافي ـ مبنى المحافظة)، وجميع الطرق المتصلة به محتلاً ومسيطراً عليه من قبل داعش خلال ساعات، ولم تتوقف الأعداد الهائلة من مقاتلي التنظيم، الذين تدفقوا من ريف الشامية ومن محافظات أخرى عبر الشامية، بعد استدعائهم على عجلٍ خلال الأيام الماضية، وخلال ساعات اليوم الخامس للمعركة، تمكنت داعش من السيطرة على شارع النور، واستعادت كل محاور القتال المتصلة بالدرعية، وأعادت احتلال كل المباني الرئيسية التي تمت السيطرة عليها فترة الأيام السابقة، من أقصى جنوب المحافظة إلى أبعد نقطة شمالاً. وحين حصل الاجتماع ليلاً في غرفة العمليات المشتركة في النقطة”ج”، والاستفسار عن السبب الذي جعل أبو العباس وقيادة النصرة الآخرين ينسحبون من الجسر القديم، مما أعطى سبباً وذريعة للحاجز الآخر، حاجز أحرار الشام عند طرف الجسر الجديد، بالانهيار سريعاً، لم يُقَدِّم أبو العباس إجابة شافية، واكتفى بأن راح يجمجم ويشكو بأن عناصر النصرة كانوا على وشك الحصار والوقوع في الأسر، وأن بعضهم أصيب إصابة بليغة، مما اضطره إلى التصرف بسرعة لحمايتهم، وصدور أمر عاجل بتجميعهم عند مقر مقام أويس. في الوقت الذي تدخل أبو المنذر الذي كان موجوداً أثناء ذلك في غرفة العمليات، وراح يموّه الموضوع ويلقي علينا خطبة حماسية بيانية عصماء، كخطب صلاة الجمعة، شديدة الأثر، عن فضل الصبر والرباط، وأن تولية الأدبار والتحيز في مواجهة العدو إلى فئة، من السنن المؤكدة في غزوات النبي، وأنه ما رميتَ إذ رميتَ، ولكن الله رمى، وكلُّ شيءٍ بأقدار الله؛ فالنصر منه والانكسار بإرادته.. كانت خطب أبو المنذر تكاد تكون تمهيداً نفسياً للاستعداد لتقبل فكرة الانسحاب والهزيمة.. وهكذا تُرِكَ الجواب الشافي المطلوب من أبو العباس تفسيره، والإجابة عليه، معلقاً، وقد ضاع في زحمة الخطب الإنشائية البيانية المؤثرة التي تولى إلقاءها علينا أبو المنذر السعودي..

بعد حادثة حاجز الجسر القديم هذه، بدأ أبو العباس يُلَمِّح بأنه قد عزم قراره على طلب دعم كبير من جبهة النصرة في دير الزور، وعرض في أكثر من مناسبة تلت ذلك أنه أجرى مجموعة اتصالات، ووضع قيادة الجبهة في صورة ما يجري على الأرض من تطورات في الرقة. وفي الأيام التالية، أعاد القول مبتهجاً بأن دعماً هائلاً يقارب الثلاثة آلاف مقاتل من النصرة، بكامل ما يحتاجون من أسلحة وذخائر ومؤن، على وشك الانتهاء من إعداد تجهيزاتهم وعدة سفرهم إلى الرقة خلال ساعات قادمة.

كان أبو العباس لا يستطيع التنقل أو الحركة ـ بسبب كفّ بصره وعاهته الدائمة ـ إلا بالاستعانة بابنه الشاب الذي كان في حدود العشرين عاماً، وفي يوم 13 كانون الثاني بداية عام 2014، (وهو اليوم الذي بدأ فيه الانسحاب من المدينة)، وكنتُ في مقر أحتجاز أسرى داعش في مدرسة البحتري، ترامى إلى سمعي حديث عن سفر أبو العباس إلى منطقة الشحيل في ريف دير الزور الشرقي، بغرض مرافقة الحملة العسكرية الكبيرة التي أسهب قياديو النصرة في استجلابها من الشحيل إلى الرقة ادعاءاً، (طبعاً في هذا التاريخ كان قد مضى على مغادرة جميع عناصر حركة أحرار الشام حوالي أسبوع تقريباً)، فأسرعتُ إلى النقطة”ج”، وكنتُ أضمرُ في نفسي أن أعرض فكرة خطرت لي على أبو عيسى، وهي أن يبادر إلى احتجاز الشاب الصغير، ابن أبو العباس، معنا في النقطة”ج” لحين عودة الشيخ، وذلك لتهاوي ثقتي التي بدأت تتناقص بكل ما يُقْدِمُ عليه هؤلاء، وحين وصلت النقطة”ج” كان المشهد مخيفاً حقاً..

أصيبَ أبو عيسى قبل لحظات من وصولي ـ وكان قد خرج لبرهة يتفقد بعض المصابين الذين شُرِعَ في معالجتهم عند كازية الدّلوم قرب النقطة”ج” ـ بطلقٍ ناريٍ طائش من جهة الدواعشة، فبُتِرَت إصبعه، وكان دمه ينزف غزيراً، ولم يعد متاحاً تقديم أية معالجة سريعة له، كحالة إسعافية عاجلة، للافتقار إلى أبسط المستلزمات، من شاش أو قطن طبي أو مطهر عادي أو غير ذلك.. لا له ولا لأيٍ من الجرحى.. وكان معظم قادة الكتائب متواجدين في النقطة وهم في أجواء أشد ما تكون من الإحباط واليأس، فقد كان هجوم داعش قد توالى خلال الأيام الخمسة التي تلت حادثة الحاجزين المرابطين عند الجسرين، بحيث لم يعد يفصلُها عنا إلا بضعة كيلو مترات، وكل مقاتلي اللواء تقريباً قد تجمعوا وحوصروا في محيط شارع الماكف والنقطة”ج” والشوارع الفرعية القريبة..

كانت المفاجأة شديدة الوقع والتأثير على نفسي، حين ألفيتُ أبو العباس وابنه ومعظم عناصر النصرة، قد غادروا المكان، خلا حوالي خمسة قياديين وإداريين آثروا البقاء معنا، ومنهم أبو المنذر السعودي.(وسوف أشرح لماذا بقي أبو المنذر ولم يغادر معهم بعد قليل)، وحين استعلمتُ عن الموضوع بادرني جماعة النصرة بالقول: “ذهبوا مع الشيخ أبو العباس لمرافقة الرتل القادم من الشحيل، لمساعدة عناصر الرتل على السير ليلاً والوصول بسرعة عبر طرق مأمونة”.. فانتحيتُ بأبو عيسى، الذي كان قد شحب لونُه ونزف دمُه طويلاً بعد بتر إصبعه، حتى بات لايقوى على الكلام بسهولة، وجلسنا جانباً مستفسراً عما يجري.. فقال همساً:

ـ أظنه قد هرب نهائياً، ولن يعود..

فسألته: كان بإمكانك أن تحتجز ابنه كرهينة حتى يعود ..؟ فلم يُعلقْ على كلامي. وطلب مني أن أتصل بأبو العباس وأحادثه عن طريق السكايب، مستفسراً منه للمرة الأخيرة.. اتصلتُ به عبر السكايب، وراح الرجل يقسم بأغلظ الأيمان أن الأمور كلها على مايرام، وأن الرتل على وشك التحرك خلال أقل من ساعة، وراح يعدد أنواع الذخائر والأسلحة التي يحتويها الرتل، ثم سألني إن كنا نحتاج شيئاً آخر نسيه، لأذَكِّره بتجيزه وإحضاره قبل أن ينطلق الرتل بعد لحظات، واستمر يتدفق في الكلام المطمئن خلال نصف ساعة، وقد شجعنا على المقاومة والصبر والصمود لاثني عشرة ساعة.. لا أكثر، ريثما يحضر..

بدت فكرة الإنتظار حتى نهار اليوم التالي خيالية ومفرطة في التهور، فالمعركة على وشك الحسم قبل الصباح في المؤكد، وكل هؤلاء المقاتلين هم في حكم الشهداء أو الأسرى خلال الساعات القادمة على أبعد التقديرات. وحين اتصل أحد عناصر النصرة بأبو العباس في الساعة التي تلت ذلك، لم يردّ عليه أحدٌ ، وبدا مؤكداً بأن أبو العباس قد غادر الرقة إلى الأبد كما هو مظنونٌ به.. فلم يعدْ يسعُنا إلا أن نأخذَ قراراً عاجلاً بطريقة ما، للانسحاب على وجه السرعة.

خيانة أحرار الشام:

سوف أعود أدراجي إلى ثمانية، أو تسعة أيام مضت قبل هذه الأحداث الأخيرة التي أسردها الآن..

بالتحديد أكثر، إلى اليوم الخامس من بدء المعركة، وقبل حادثة فتح الثغرتين لداعش عبر الجسرين، حيث كان النصر المؤكد على داعش، كما شرحت وفصلت في الفصل الماضي، قد وصل إلى قرار شبه مؤكد، وهزيمة داعش باتت في حكم المنتهية، ولا تنتظر إلا الإعلان عنها بين فينة وأخرى. في هذه الأثناء، أي في اليوم الخامس، حدثت حادثة مركزية صادمة حقاً، ولم تكن متوقعة تحت أي احتمال، ولا في أية ذهنية مفتوحة على مآلات الأحداث كما كانت تجري عليه في الواقع.. هذه الحادثة سوف أدعوها”اعترافات مؤيد”..

مؤيد شاب في العشرينات من عمره، وهو من شخصيات كتائب حذيفة بن اليمان غير المعروفة، وشبه السرية في الوسط العام الرقاوي والثوري.. كان هذا الشاب ـ القيادي نوعاً ما في كتائب حذيفة ـ يُعَدُّ المرافق الشخصي لـ”الخال أبو معاوية”، (وهو أبرز شخصية مؤثرة في حذيفة بن اليمان، وأقرب قيادييها من قيادات داعش، ومن أبو لقمان شخصياً)، فهو مستودعُ أسراره العميقة، وصندوقه الأسود إن صح التعبير، لأن “الخال أبو معاوية” لم يكن ليتحرك أية حركة دون مرافقة مؤيد هذا أو استشارته، فهو شديد الالتصاق به بحكم درجة قرابة قوية لم أعد أتذكرها اليوم، (وأظنه كان ابن اخيه المباشر، أو أحد أبناء عمومته)، فضلاً عن كون مؤيد صديقه منذ أول أيام الثورة وفترة تأسيس كتيبة حذيفة، وزيادة على ذلك ـ وهذا أحد أسباب التزامه الدائم بمرافقة “الخال أبو معاوية” ـ فقد كان مؤيد هو المسؤول المالي ومدون كل مصادر وواردات وصرفيات وإنفاقات كتيبة حذيفة، وهو المُطّلع على أدق أسرارها الداخلية..

وقع مؤيد إذن في قبضتنا أسيراً في ثاني أو ثالث أيام المعركة، ولقد ذكرتُ فيما سبق بأن حذيفة بن اليمان كانت قد انحازت إلى تنظيم داعش منذ أول إعلان بدء المعركة والقتال، بل ولعلها كانت الفاعل الأهم والأكبر في عدة المعركة التي كانت داعش تستعد لها. فكان أسرُ مؤيد يعد بحق صيداً ثميناً من جهة لواء ثوار الرقة. وأثناء التحقيق معه اعترف مؤيد بأمر لا يكاد يُصَدَّق، بل الأصح أنه باح بسر خطير. وربما لم يكن في تلك اللحظة  الحرجة، قد عَقَلَ خطورة ما أدلى به من شهادة عابرة، ولم ينتبه كثيراً إلى ما قال.. ولقد حسبتُ ما أدلى به مؤيد، للوهلة الأولى، نوعاً من الكذب الرخيص والتلبيس الصريح المضلل والمُتَعَمَّد، أو هو ضرب من التملص والهروب من أي إقرار بحقائق ما كان يختزنه من أسرار خاصة به، ومن تفاصيل ومعلومات عن داعش.

كان مؤيد ـ رابع أو خامس أيام المعركة ـ يسردُ علينا ـ مُدلياً ومعترفاً ببعض الوقائع العادية غير المهمة ـ بعضَ مادار في تلك الاجتماعات والمشاورات بين قياديي داعش، وبين بعض الكتائب المنضوية الأخرى تحت جناح داعش، ومنها كتائب حذيفة، (والتي استهدف عناصرُها أثناء الاشتباك، وعلى رأسهم أبو حمزة الشامي، أكبر عدد من اللواء، وسقط برصاصهم معظم شهداء الثوار)، أو بعض الكتائب المبايعة داعش سراً أوعلناً،  ففي فترة التحضير للمعركة، ومثلما كنا منشغلين في حركة عمل متواصلة ودؤوبة قبل اشتعال المعركة، كان الطرف الآخر، داعش وجميع الكتائب المتحالفة معها في القتال، في حالة اجتماع لحظي وتدبر دائم واتصالات متواصلة.. وأثناء أحد هذه الإجتماعات السرية، التي جمعت معظم أمراء داعش وقياديين آخرين من كتائب أخرى، كان “الخال أبومعاوية” قد حضر إحدى تلك الاجتماعات السرية الخاصة، وبرفقته ـ كما هو معتاد دائماً ـ الشاب مؤيد، وقد حضر أبو لقمان الإجتماع..

وأثناء الحديث أبلغ أبو لقمان الجميعَ تفصيلاً مُهماً أثناء التحضير للقتال؛ فأخبرهم بأنه اتفق مع تنظيم أحرار الشام ـ الطرف الأساسي في المعركة ـ وأخذ منهم عهداً أكيداً ووعداً نهائياً، ومن  ” أعلى مستوى في قيادة أحرار الشام”، أنهم سوف يفتحون ثغرة للتنظيم من جهة الجسر الجديد لوصول الإمدادات إلى داعش من خارج المحافظة، ثم ينسحبون من أرض المعركة، بل ومن كامل محافظة الرقة بعد بدء القتال بثلاثة أو أربعة أيام. ولقد أقسم أبو لقمان على ذلك، وبلَّغ الحاضرين بالأمر، وكأنه أمر منجزٌ لا رجعة فيه، وقد انتهى ومضى، وما عليهم إلا أن يستعدوا لمعركة لن يشارك “أحرار الشام” إلا في بداياتها، ومن باب ذرّ الرماد في العيون ليس إلا.. وبما أن “جبهة النصرة” لم تكن تشكل عقبة أو تفصيلاً مُهماً في حسابات داعش القتالية، لضآلة حجمها التنظيمي والعسكري، ولقلة عدد مقاتليها في الرقة، فقد بلّغهم أبو لقمان القرار التالي: عليكم إذن أن تستعدوا لقتال لواء ثوار الرقة فقط.. فإذا تمَّ الانفرادُ باللواء في ساحة القتال ، فإن نتائج المعركة، والحال كذلك، قد باتت شبه مؤكدة ومحسومة، وأنها أصبحت منتهية منذ هذه اللحظة.. وأضاف أبو لقمان: اعتبروا الرقة منذ الدقيقة الأولى لبدء القتال، قد أصبحت بكاملها خالصة لنا، وتحت سيطرتنا الكاملة.. وبطبيعة الحال، فقد كان مؤيد يدلي بتلك الأقوال، وهو معزول في قبضتنا، ولا يعلم شيئاً عما كان يجري في الخارج من تفاصيل وتطورات في ميدان المعركة..

للوهلة الأولى كما ذكرت، لم يساورني أي ريب في أن مؤيد كان يكذب ويلفق، بتوصيل هذه المعلومة عرضاً إلى أسماعنا، ولغرض خبيء في نفسه.. ولما فرغت من الأسرى ورجعتُ مسرعاً إلى النقطة”ج”، وقبل أن أتمكن من تبليغ غرفة العمليات بمعلومة الأسير الخطيرة هذه، هالني ما فوجئت به وألفيته قد أصبح أمامي، وليس خلفي.. كان معظم القادة العسكريين في تنظيم أحرار الشام في النقطة”ج”، قد فرغوا لتِّوههم من إبلاغ أبو عيسى قرارَهم هذا، بلهجة معتذرة خجولة، فانتحيتُ مع أبو عيسى على انفراد، متسائلاً.. فأجاب ـ بالحرف ـ بلهجة محبطة ومرارة واضحة:

ـ ” الجماعة طلعم خرطي.. بلغونا انهم بدهم ينسحبون الحز”.

فقلت له: وما العمل الآن؟ هذه خيانة صريحة..؟

قال: خيانة أو غير خيانة.. ماذا أستطيع أن أفعل لهم..؟ هل أستطيع منعهم؟ قتالهم..؟ هل أستطيع إجبارهم على التراجع عما عزموا عليه..؟ لقد ورطونا في القتال وهاهم الآن يتركون أرض المعركة.. بل ويريدون ترك محافظة الرقة بأسرها، بعد أن نهبوها بالكامل، وامتصوا كل قطرة خير وفضلة مال فيها..

كانت غرفة الإجتماعات الرئيسية في النقطة”ج” تغص بالحاضرين: الأفراد القياديين والإداريين في النصرة، الذين لم يذهبوا مع أبو العباس ولم يرافقوه إلى ريف الزور، وآثروا البقاء في المدينة ومتابعة سير العمليات القتالية إلى نهايتها، (كان أبرز هؤلاء أبو فرح وأبو دجانة وأبو زينب ـ الذي لم يكن حاضراً وقتها ذلك الإجتماع، إضافة إلى أبو المنذر السعودي بالطبع)، وبضعة من القيادات الميدانية العسكرية لأحرار الشام، مع الشرعيين والأمنيين، وبعض قادة الكتائب في لواء ثوار الرقة.. وكان الشرعي العام لأحرار الشام، هو من بدأ الحديث أولاً، فقال مخاطباً الجميع:

ـ تعلمون أيها الأخوة أن تنظيم داعش قد أفتى بكون حركة أحرار الشام مرتدين أصليين.. كما أفتى بأن جميع المقاتلين الآخرين، سواءً منهم الأخوة في جبهة النصرة أو في لواء ثوار الرقة، هم من البغاة أو مجرد فئات باغية.. هذا يعني أن قتاله ضدنا ومواجهته لنا، سوف تستمر إلى النهاية، وحتى القضاء على أحد الطرفين بالمطلق، لأنهم لا يرون ـ حسب فهمهم للدين وللشريعة من منظورهم ـ أن المرتدَّ الأصلي تُقبلُ توبتُه، أو تحقنُ عودتُه عن الردة دمَه، بل إنهم أفتوا بأنه يُقتلُ حداً لا ردةً، حتى وإن رجع عن ردته وتاب عنها.. هذا يعني أنهم سوف يقاتلون حتى الموت، وحتى آخر رجل فينا وفيهم.. وهذا أمر مُكلفٌ في الدماء ولا نرى الحكمة في مواجهته واحتماله..

أضاف أبو حيدرة، القائد العسكري للأحرار، مستأنفاً حديث الشرعي:

ـ الأمر بالنسبة إليكم أهونُ من ذلك بكثير، فإن مجرد الدخول في الصلح أو الإقرار بالجنوح عن القتال وحقن الدماء، يعتبرُ بالنسبة إليهم “فيءٌ إلى أمر الله”، عملاً بالآية الكريمة التي تنص على قول الله: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما، فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيءَ إلى أمر الله).. فواقع حال لواء ثوار الرقة والجبهة، يمكنُ أن يُفضَّ هذا النزاع بمجرد تدخل طرف آخر من الأطراف، والدعوة إلى الصلح وحقن الدماء، أما بالنسبة للأحرار، فالأمر مختلف.. إنهم لا يرون إلا قتالنا حتى النهاية، ولايقبلون بصلحٍ مع مرتدٍ، حسبما يزعمون..

في الواقع الذي كان عليّ حينئذ أن أواجهه معاينة، وأن أقرَّ به دون لبسٍ أو تزوير للحقيقة العارية، أنني لو لم أقع بمحض الصدفة، وقبل ساعات من هذا الإجتماع، وأصغي بنفسي إلى ما أدلى به مؤيد من اعترافٍ خطير فاهَ به دون احتراز، ربما لصدَّقتُ ما يقوله هؤلاء، بل ولربما حملتُ مقالهم على أكثر ما يحتمل من جدية، أو رأيت ولمستُ فيه ملمحاً من صواب، أو نية طيبة واستشراف ماهو خير للجميع وماهو أقرب إلى السلامة.. هذا افتراض أولي محتمل.. بل سوف أذهب أبعد من ذلك في تنظيف كل النوايا التي باتت تغلف المواقف، فأقول لو أن رواية اعترافات مؤيد الأخيرة تلك، قد وصلتني سماعاً من صديق ما، مهما بالغتُ في الثقة المفرطة به وبنقله وروايته، فلربما لم تمرَّ هذه الرواية دون سحابة من ظلال شك أكيد، ولما ارتفعت ريوبي بخيانة تنظيم حركة أحرار الشام إلى رتبة اليقين المطلق الذي لا يُكَدِّرُه أي تأويل.

تتابع سير ذلك الإجتماع ـ الأخير ـ بليداً وئيداً ثقيلاً، ومفتوحاً على هبوب رياحٍ من الحزن والإحباط والشعور بلا معنى كل مايدور من حولنا، وكان أبو المنذر السعودي قد انتظر حتى فرغ قادة أحرار الشام من تقديم ما وَسِعَهُم من أعذار ومبررات للإنسحاب، ليستأنف بعدهم في أخذ المبادرة، والانطلاق في الكلام على عواهنه مذكراً بفضل الصبر على أذى العدو ومكر الخوارج البغاة وشرهم، مكرراً علينا نفس الآيات والأحاديث التي اعتاد أن يسمعنا إياها في كل مرة..

وأخيراً اتفق القياديون في حركة أحرار الشام فيما بينهم، وبين بعض القادة الميدانيين في لواء ثوار الرقة، على أن يسلموهم مما تبقى من ذخائرهم الخاصة مقدار حمولة سيارتي شحن صغيرتين، مليئتين بصناديق ذخيرة خفيفة، إضافة إلى تعهدهم بترك إحدى الدبابات التي يملكونها تحت تصرف اللواء، لمتابعة قتاله لتنظيم داعش قبل أن يغادروا المحافظة نهائياً.. وهو القرار الذي عزموا عليه، وشرعوا في التحضير له عقب انصرافهم من الاجتماع مباشرة.. وفي العموم، لم تستوفِ الذخيرة التي تركوها لنا ـ كجائزة ترضية مُسْكِتة ـ أكثرمن حاجتنا إلى الذخيرة لمدة أسبوع قادم في أعقاب ذلك اليوم. أما الدبابة التي تركوها بين أيدينا وخلفوها قبل رحيلهم، فلم تعد ذات فائدة أو قيمة، ولم نحتَجْ إليها في أمر من أمور القتال في مواجهة داعش، لأنها كانت تحتاج إلى زيت خاص وذخيرة من قذائف الدبابات الخاصة بها.. وهو ما لم نكن نملكه، ولا زودنا تنظيم أحرار الشام به، فاضطُرِرنا إلى رَكنِها جانباً حتى حانت ساعة رحيلنا بعد الأسبوع الذي تلا ذلك، وقد أقدمنا على حرقها حتى التفحم قبل رحيلنا وانسحابنا فيما بعد، وتركها وراءنا حتى لا تستفيد داعش منها..

في تلك الليلة نفسها، أقدم الأمنيون في حركة أحرار الشام على فتح المقرات جميعها، وأطلقوا سراح من كان في سجونهم من أسرى وسجناء ومخطوفين شتى.. وبسرعة لافتة خلال دقائق، كان كل من في معتقلات الأحرار قد ألْفوا أنفسهم في الشارع دون سؤال أو جواب. كان أحرار الشام يستعجلون الرحيل ويعدون الدقائق حتى يصلوا إلى خارج حدود المدينة، وحين صار قرارُ رحيلهم واقعاً مؤكداً، وعلى شيوع علمٍ به من القاصي والداني، أعلنت بعض فصائلهم وكتائبهم أنها لن تمضي معهم، ولن ترافق الرتل الذي تجهز حينئذٍ للرحيل، وبلّغوا قادتهم صراحة أنهم يؤثرون القتال حتى الموت ضمن صفوف لواء ثوار الرقة، والبقاء مع أهلهم وأخوتهم حتى النهاية، على أن يُقْدموا على انسحابٍ مُذِلٍّ كهذا الانسحاب، الذي لن يتخلصوا من ثقل عبئه الأخلاقي على كواهلهم ما عاشوا بعد تلك اللحظة، وذلك ما جرى به الأمر حقاً فيما بعد، فقد انضم إلى صفوف كتائب الثوار مجموعات وأفراد شتى من أحرار الشام، ظلت تقاتل مع الثوار حتى ساعة الإنسحاب الأخيرة من المدينة..

وقبل قرار انسحاب حركة أحرار الشام بفترة غير معلومة، يبدو أنهم قد عقدوا عزماً، وبيتوا نية أخرى على قرارٍ آخر لا يقلُّ طيشاً وإجراماً عن فداحة الخيانة التي أقدموا عليها، فقد كان هنالك من مقاتلي حركة أحرار الشام، من المرابطين على الفرقة 17 في مواجهة جيش النظام، منذ حوالي السنة التي مضت، قريباً من 140 مقاتلاً، معظمهم من أهالي الرقة وشباب المحافظات الشرقية، وقليلٌ منهم من باقي المحافظات السورية الأخرى.. ولقد رسموا خطة الإنسحاب كالتالي: في حال انسحابهم ومرورهم الإجباري بجانب الفرقة 17، فإن تعرضهم لهجومٍ وشيك من قبل قوات الفرقة 17، ووقوعهم بين فكي داعش والنظام، هو احتمال قائم وفي حكم المؤكد.. هذا فيما لو أخلوا القوس الواسع من دائرة الحصار المطبِق على الفرقة، والذي يشاركون فيه بعديد نقاط الرباط في ذلك الحصار، وبأعداد تقارب الـ 140 مقاتلاً كما ذكرت، فرأوا أن يتخلوا عن مقاتليهم الجاثمين في الخنادق في مواجهة النظام، (خاصة وإن معظمهم كما أسلفت، هم من منتسبي الجيش الحر فيما سبق من أبناء مدينة الرقة)، وأن ينسحبوا خلسة، ودون تبليغ أخوانهم في الخنادق بنيتهم تلك بالإنسحاب..

مضى رتل الأحرار خارج المدينة، وانقطعت السبل بأولئك المقاومين على جبهة الفرقة 17، حيث فوجئوا بهذا الوضع الجديد غير المحسوب وغير المتوقع، وبدأت ذخيرتهم تتلاشى ساعة تلو أخرى، ومؤونتهم من الطعام تنفذ بالتدريج، فلا من يُمَوِّنهم ولا من يُذَخّرهم.. ولست أدري إن كان هذا الوضع الجديد  المتصل بأولئك المقاومين، جزءاً من الصفقة التي أبرمها أبو لقمان أمير داعش مع قيادتهم أم لا.. غير أن الذي حدث، هو أن داعش أطبقت الحصار عليهم مباشرة من خلفهم، وطالبتهم بتسليم أسلحتهم والاستسلام فوراً..

رفض مقاتلو الأحرار التسليم لداعش، وطلبوا من قادة داعش أن يفتحوا لهم ثغرة تمكنهم من الخروج من هذا الحصار، منسحبين من المرابطة على الفرقة 17، وأن يتركوهم يمضون خارج المحافظة.. وقد فاوضتهم وسايرتهم داعش بعض الوقت، ثم وافقتهم على أن ينسحبوا إلى حدود محافظة الحسكة، شريطة أن ترافق رتل انسحابهم حتى قرية الشركراك على حدود الرقة الشمالية، وأن لا يحملوا معهم ما تبقى من ذخيرتهم. وبعد أن تم للدواعش ما أرادوا، رافقوا رتل الأحرار الكبير هذا إلى مبعدة عدة كيلو مترات خارج المدينة، وهناك عند أحد الخنادق الكبيرة، قاموا بمباغتتهم والغدر بهم، حيث نفَّذوا فيهم إعداماً جماعياً، فلم ينجُ من رتل أولئك المنسحبين أحد، حيث تمت إبادتهم جميعاً، فتركتهم داعش في ذلك العراء، ثم قفلوا راجعين إلى المدينة..

Download (PDF, 688KB)

اترك تعليق