بين داعش ولواء ثوار الرقة، مقتل السعودي “سالم”: من كتاب الرقة والثورة لـ معبد الحسون

0
827

مقتل السعودي “سالم”:
حين نتحدث عن معركة مع داعش، لا ينبغي أن نذهلَ عن حقيقة مؤكدة، وهي أننا كنا نعيش تفاصيل معركة مؤجلة بصورة يومية ودورية، أو معركة مُرَحَّلة حتى إشعار آخر بيننا وبين تنظيم داعش. هذا شعورٌ التصق بوعي عام غير شخصي، وهو أيضاً يُدَلّلُ على انطباع متحفز بصورة دائمة كان يغذي مخيلة الدواعش ضد الجميع. فالوضع كان أشبه بالتنقل في غابة تغص بوحوش مفترسة، غير ظاهرة بالعين المجردة، لكنها محسوسة بطريقة ما، وأصواتُها لا تكاد تنقطع ليل نهار، وقد شحذ كلُّ امرئ ما طالت يده من سلاح ليتقي الضربة الأولى. فالحديثُ إذن عن أسباب مباشرة لانفجار المعركة يكاد أن يكون تفصيلاً ثانوياً على هامش الحدث، صحيحٌ أنه استقر في الذاكرة بأن اختطاف الدكتور”أبو ريان”، مدير معبر تل ابيض ـ من تنظيم أحرار الشام ـ وتعذيبَه تعذيباً وحشياً قبل الإجهاز عليه، هو السبب المباشر المُعَجِّل للاصطدام، وقد تصلح هذه الحادثة لان تكون واقعة مركزية تعزز المعنى التأريخي حين كتابة تاريخ المعركة الحاسمة مع التنظيم وأسبابها المباشرة، لكنها أبعد من أن تفسر طبيعة المعركة، ولا تصلح لقراءة الوقائع كم هي، فالواقع اليومي كان محشواً بنوايا مبيتة تنتظر، وباحتكاكات وتحرشات متبادلة بين الدواعش وجميع الأطراف دون استثناء.. والعكس صحيح أيضاً..
كانت حادثة استشهاد الدكتور أبو ريان، حدثاً مستفيضاً على مستوى سوريا، وقد توسع عبر الإعلام ليكون في أوائل الأخبار حتى في مستواها الإقليمي والدولي، وقد شرعت حركة أحرار الشام تستعد للمعركة منذ اليوم التالي. وكانت نُذُرُ الاشتباكات بينها وبين التنظيم وأخبارها قد تتابعت في منطقة تل أبيض، واتسعت إلى مناطق أخرى في ريف حلب الشرقي والشمالي. كما كانت تحركات جميع مكاتبها وقياداتها ـ على مستوى الرقة/المدينة ـ دائبة بصورة يومية، وببديهية معلنة لم تعد تحتمل التأجيل أو التأويل، أو حتى بعض الحرص على السرية في الحركة والعمل. في هذه الأثناء كان الرجل الأول، صاحب القرار الأهم في جبهة النصرة، هو الشخصية المعروفة على المستوى الشائع بلقب “أبو العباس الضرير”، أو “أبو العباس الأعمى”. وهو رجل خمسيني تقريباً، شبه كفيف، من رجال القاعدة الذين قاتلوا في العراق، وكان مبعوثاً من قبل الجولاني إلى الرقة لإعادة تنظيم وتجميع قوى جبهة النصرة الهزيلة والمبعثرة إلى حد التلاشي في المحافظة كلها. ولقد اتخذ الرجل من مقام أويس القرني مقراً دائماً له، ومكتباً معلناً لتنظيم النصرة، ومكاناً مفضلاً للعلاقات العامة في تواصله مع جميع الناس، بينما احتفظت النصرة بالبناية المقابلة لمدخل الجسر القديم مقراً للقيادة العسكرية، وحاجزاً يراقب حركة الخروج والدخول إلى المدينة عبر الجسر القديم.
شرع تنظيم أحرار الشام ينظم حملة علاقات عامة يومية مع جميع الأطراف، ولم يكن من الأطراف الفاعلة والمسلحة المتجهزة والمتبقية يومئذٍ على مستوى المدينة سوى لواء ثوار الرقة وجبهة النصرة. وقد تمَّ التوافق بعد عدة لقاءات بيني وبين أبو مصعب ـ مسؤول المكتب الأمني لدى الأحرار، والذي انتقل بعد حادثة أبو ريان إلى المكتب الدعوي في الحركة ـ (وهو بمثابة فريق العمل السياسي المباشر للحركة) ـ على تنظيم اجتماع رسمي بصورة يومية لهذا الغرض بين أبو عيسى وأبو حيدرة، القائد العسكري والميداني في أحرار الشام، على أن أتابع العمل من جهتي في اللقاءات والاجتماعات بصورة يومية مع أبو عباس الأعمى، وأن يكون مكتب أبو عباس الأعمى هو المكتب المركزي الذي تنتهي إليه كل تفاصيل الاتفاقات، صغيرها وكبيرها، والخلاصات المتعلقة بتأطير حلف موحد لقتال التنظيم. وقد استمرت مشاوراتي اليومية مع أبو العباس، بصورة منتظمة ويومية لفترة أكثر من ثلاثة أشهر في خريف عام 1913، وبتوافق وتنظيم مستقل مع أبو عيسى الذي كان ينظم نفس اللقاءات مع الأطراف القيادية الفاعلة في أحرار الشام، خاصة أبو مصعب وأبو حيدرة..
ينبغي التذكير بأن حادثاً مهماً قد لعب دوراً حاسماً في تأجيج الصراع وبدء التحضر للمعركة والاستعداد لها على مستوى جبهة النصرة، هذا الحادث هو قضية خطف أبو سعد الحضرمي التي سبقت هذه الأحداث بأكثر من ثلاثة أشهر، والتي ماطلت داعش في الاعتراف بها، وتبرأت من نسبتها إليها بداية، ثم اضطرت، وبالرضوخ لكثرة الشواهد والأدلة، إلى الاعتراف بأنها هي من أقدم على خطفه؛ كما أعلن الدواعش بأن أبو سعد ما يزال حياً يرزق، وأنها سوف تفرج عنه في وقت قريب. كل هذه المناورات كانت تهدف إلى كسب المزيد من الوقت، وإعطاء الفرصة لترتيب أوضاع المعركة ومسرح عمليات قتالية ملائم من وجهة نظر التنظيم.. وبدا جلياً بأن أبو سعد الحضرمي قد نُفِّذَ فيه حكم الإعدام من قبل داعش منذ وقت سابق، وأن قادة داعش كانوا يكذبون ويضللون النصرة طوال الوقت، وحين أصدرت النصرة بياناً تمهلهم فيه حوالي عشرة أيام تقريباً للإفراج عن أميرها المختفي، عندها اعترفت داعش صراحة بأنهم قد قتلوا الرجل منذ وقت طويل، وقد اتهموه بالردة والبغي وتهماً أخرى كثيرة، فاستشاط غضب النصرة وقطعت خيط المفاوضات بينها وبين داعش، وأعلنوا أن داعش قد قطعت كل شعرة تفاهم فيما بينهما، وأن القتال حتى الموت هو السبيل الوحيد، والخيار الأخير الباقي بينهما..
لابد من الاعتراف بداية بأن شخصية أبو العباس الأعمى المتماسكة والرزينة، كانت تختزن تجارب عميقة، وذكاء وفطنة نادرتين. ومن الحق أن أنوّه بذكاء الرجل وواسع خبرته واطلاعه على كل التفاصيل، فقد كان شخصاً ذكياً ورزيناً، كما أنه أبدى من الاحترام لهذا الموعد اليومي الذي تمَّ الاتفاق عليه بيني وبينه كل الاهتمام والحفاوة، حتى أنه حين كان يصدف أحياناً، ولضرورات أعماله وانشغالاته الكثيرة، أن يكون مشغولاً بمواعيد والتزامات ضرورية، فإنه كان يعتذر فوراً لمجالسيه ما إنْ يُبَلغ بوصولي إلى باب مقام أويس، مقر إقامته الدائم. وقد كان حفياً في استقباله لي، ولم ألاحظ عليه طوال تلك المدة من اللقاءات اليومية ما يمكن أن يثير حفيظتي على الرجل.. في هذه الفترة اقترح أبو العباس أن يتم تشكيل غرفة مشاورات موحدة، يكون مقام أويس مستقرها، وكان لي تحفظ على أن يكون(مكان)غرفة المشاورات، هو نفسه مكان غرفة العمليات الموحدة، وكان إصراري النهائي على أن تبقى النقطة”ج” ـ مدرسة ربيعة الرقي بجانب الماكف في حي الرميلة ـ هي مقر غرفة العمليات المركزية، وأن لا يغادرها أبو عيسى إلى أي مكان آخر، تحت أي سبب أو ظرف. ولم يعارض الأحرار وأبو العباس هذا المقترح، وفيما بعد، في آخر أيام المعركة، تمَّ نقل جميع القيادات الميدانية إلى النقطة”ج”، وأصبح سير المعركة يُدار مركزياً منها.
في هذه الأجواء التي شحنت المدينة بالتوتر، جاءت حادثة مقتل الأمير الداعشي السعودي المدعو سالم، فكانت بمثابة صب الزيت على النار.. وقد حدثت الحادثة على التفصيل التالي:
ـ في نهاية شهر تشرين الثاني عام 1913، كان الأمير الداعشي السعودي الجنسية سالم يجتاز بسيارته شارع المجمع الغربي، ماراً من أمام حاجز نقطة الكتيبة المرابطة عند مركز بنك الدم. هذا الحاجز كان مسؤولاً عنه حصراً أحدُ القادة الميدانيين المعروف بلقب”أبو طارق دبابات”، وبالمصادفة كان يتواجد أمام الحاجز كل من أبو اسماعيل العسكري، وهو قائد ميداني في لواء ثوار الرقة، وأحد قادة الكتائب، واسمه”محمد عبد الكريم الخلف”، والمعروف بلقب”أبو حمزة” ، وبعض شباب يافعين كانوا يتبعون لكتيبة صغيرة معظم منتسبيها من الشبان اليافعين، تسمى كتيبة الرسالة، ويلقب قائد الكتيبة بلقب”سيف الرسالة”. حين أشار عناصر الحاجز إلى السيارة المفرطة في سرعتها، والتي كانت تجتاز أمام الحاجز، وأجبروا سائقها على التوقف، توقف المدعو سالم دون أن يخاطب أحداً أو ينزل من السيارة، ولما طُلِب منه التعريف بشخصيته، أجاب بطريقة مستعلية ومحتقِرة بأنه لا يقبل أن يتنازل ويتحدث مع أمثال هؤلاء الشباب من “الحثالة والجيش الحر الحرامي”، والكفار، وغير ذلك من عبارات مستفزة.. فاستثار غضبَ جميع المتجمهرين أمام الحاجز، وأصروا على طلبهم منه وبفظاظة نسبية، أن يترجل من السيارة، لكنه أصر من جانبه على الرفض، فتوقف أبو اسماعيل العسكري بجانبه ليقنعه بالوقوف درءاً للمشاكل ودفعاً للشر، بينما حاول”محمد عبد الكريم الخلف”، أبو حمزة، أن يفتح باب السيارة اليمين ليحدثه من داخلها.. فشتم الجميع وأغلق الباب على أبو حمزة بعد أن صار في داخل السيارة، وشغّل السيارة منطلقاً بها.. فأشهر بعضُ شباب الحاجز بنادقهم ليجبروا السيارة التي كانت تحاول الفرار بسرعة على التوقف، بعد أن تجاوزت الحاجز بحوالي خمسين متراً، فما كان منهم إلا أن فتحوا النيران عليه وهو داخل السيارة، فانتثرت دماؤه وهو داخل مقعد القيادة حتى ملأت المكان، (وأبو حمزة مايزال جالساً في المقعد المجاور بجانبه)، وما إن تمّ إسعافه إلى المشفى الوطني فوراً، حتى كان قد فارق الحياة.
كانت هذه الحادثة، في مقابل حادثة أبو ريان التي شكلت غيمة من الدخان تُخَيّم على المدينة، والتي سحبت كل صواعق الأمان بين التنظيم وبين الأحرار، بمثابة الضربة النهائية التي تهاوت بها كل ملابسات الهدنة الهشة والمؤقتة، بين داعش وجميع الأطراف المقاتلة المسلحة في المدينة.. والتي أملت واقعاً مُخاتلاً لا هو بالحرب ولا هو بالسلم، ولا يدرى كيف ستكون بدايته ولا نهايته. فقد أصرّت داعش على الفور، أن كلّ من كان موجوداً من الجيش الحر في المكان أثناء الحادث، يعدّ قاتلاً أو متسبباً بمقتل السعودي، فهم مدانون بالقتل العمد والمباشر، وأنهم شرعاً يجب أن يُقتلوا قصاصاً بمقتل سالم، فعلى لواء ثوار الرقة أن يُسَلِّمَهم لداعش أو أن يُعلَن لواء ثوار الرقة بأسره طرفاً باغياً يجب إعلان الحرب عليه شرعاً. فاتصل أبو العباس الأعمى فوراً بقيادة داعش في المحافظة، وطلب منهم إرسال مندوبين ممثلين عنهم للتفاوض، ولحل المشكلة بالطرق الشرعية السلمية. وقد وافقوا على طلبه، غير أنهم اتهموه علناً بأنه يقف مع”البغاة”، ويظاهر المنافقين وأعداء الله على المسلمين ويتقوى بهم.
ـ بالطبع في الفترة التي تلت قتل السعودي سالم، كانت المدينة قد امتلأت بالحواجز، واتسم المظهر العام لجميع شوارع وساحات المدينة ومداخلها من كل الجهات، بسمة المرابطة والاستعداد للقتال، وبعد مساجلات متشنجة، تمَّ التوافق على أن تجتمع لجنة شرعية مؤلفة من الطرفين، وأن ينزل الجميع على قرارها الشرعي مهما حكمت به.. وقد اجتمعت اللجنة الشرعية المفوضة في البت بقرار مقتل السعودي سالم عدة اجتماعات، وكان قرار الطرف المفوَّض من اللجنة من قبل داعش أن يُقتل كل عناصر حاجز بنك الدم المسؤولة عن مقتل سالم، وبعد مشاورات مع النصرة، التي أخذت دوراً توفيقياً وحَكَماً بين الطرفين، وعدد من الاتصالات البينية قادها أبو العباس وأبو عيسى وآخرون، اقترحتُ على أبو العباس وأبو عيسى التركيز على أن المفاوضات يجب أن تتمحور حول الأفكار والنقاط التالية:
1ـ المسلمون دماؤهم واحدة ومتكافئة، فإذا كانوا قد رفضوا التشارع في قضية مقتل أبو سعد الحضرمي، الذي أنكروا الاعتراف بقتله بضعة أشهر، فليس من حقهم أن يطالبوا بدم أحد، وإذا أرادوا فتح جميع ملفات من قتلوهم وخطفوهم، فإننا مستعدون إزاء أية مباحثة شرعية بمقتل السعودي.
2 ـ لا يجوز أن يدان عدد كبير من الأفراد، مشكوك في اشتراكهم وجريمتهم بدم شخص واحد، وليس مقطوعاً بهذا الاشتراك، مما سيؤدي إلى مفسدة أعظم، لأن القاعدة الشرعية تنص على: (إن الظنَّ لا يغني من الحق شيئاً)، كما تنص القاعدة الأصولية في التشريع على أنه: (إذا تعارضت مفسدتان، روعي أشدهما باتباع أخفهما ضرراً)..
3ـ إن سالم استفزَّ جميع عناصر الحاجز، وأخرجهم عن طورهم بعبارات مسيئة مؤكدة، وأنهم أطلقوا النار وهم في حال من(الإغلاق والغضب)، ولو أن الحادث نفسه جرى عند حاجز لداعش فاليقين أنهم سوف يتصرفون التصرف نفسه. خاصة في حال من عدم الوعي والتركيز، وفقدان القدرة على المحاكمة العقلية. كما أجمع جميع عناصر الحاجز على أن غايتهم كانت إيقاف السيارة، وليس قتل الرجل. فالنية المؤكدة كانت متجهة من قبل شباب حاجز بنك الدم على منعه من التفلت منهم وإيقاف السيارة، ولا يوجد أية نية مبيتة أو قصد مسبق بالقتل.
4ـ طالما أن جميع من كان على الحاجز قد أنكروا واقعة التسديد بقصد القتل، وإنما إطلاق النار بقصد إجباره على التوقف، بعد أن قام بما يشبه عملية خطف لـ”محمد عبد الكريم الخلف”، “ابوحمزة”، فإننا يجب أن نعتبر الحادث دفاعاً عن أبو حمزة، وهو ما يعني: إما أن الجميع مشتركون في القتل، وهذا يحمل على إقامة حد القتل على أكثر من عشرين فرداً على وجه الظن، وهذا مرفوض بالبديهية والشرع، أو أن يقبل التنظيم بحقن دمائهم، وقبول الدية من لواء ثوار الرقة.
ـ تمَّ التراجع بعد ذلك من قبل شرعيي داعش عن مطلب قتل كل عناصر الحاجز، وطالبوا ـ بإصرار ـ بقتل “أبو حمزة” قصاصاً بسالم، لأنهم اعتبروه المتسبب الأول، بسبب دخوله سيارة سالم ومنعه من الفرار. وهذه النقطة تمَّ إسقاطها أيضاً بسهولة: إذ كيف يمكن قتل إنسان باتهامه بالقتل وهو لم يكن يحمل سلاحاً ساعة وقوع الحادث، وكان في داخل السيارة، بينما الرصاصة جاءت من خارج السيارة..؟ (في هذه الحال سوف ينزل القصاص وحدّ القتل بإنسان ثبت بأنه لم يقتل)، وقد رفضت اللجنة الشرعية بداية كل هذه الحجج وهذا الدفاع، وبعد تهديدهم والضغط عليهم من قبل أبو العباس الأعمى، وافقوا على مبدأ الدية، ولجأوا إلى حيلة أخرى مكشوفة: إنهم يقبلون الدية مقابل دم سالم، ولكن بحكم العُرف في مقدار الديات، والعادة المعمول بها في السعودية، لا في سوريا. وكما يتوافق عليها أهل المقتول وعشيرته في مسقط رأسه في السعودية.. وهكذا، وبحساب بسيط، حين سيتم الأخذ بالمبدأ والعرف والعادة المعمول بها في الديات في مدينته، ستعدل ديته ـ بالعملة السورية ـ حوالي خمسة مليون ليرة سورية تقريباً.. الحقُ أنني استوعبتُ مقاصد داعش من هذا القرار، وهو أن يتمَّ “تشليح” واستنزاف كل، أو معظم ما كان يملكه اللواء من مال مدخر، حتى إذا ما حانت لحظة مواجهة محتملة، بل هي أكيدة لا ريب فيها، يكون اللواء قد أقدم على المعركة وهو مفلسٌ تقريباً، وعاجزٌ حتى عن تأمين لقمة خبز مقاتليه.. (ولقد تمّ رفض هذا الاقتراح أيضاً، والإصرار على دفع ديته التي لم تُدفع لداعش فيما بعد، بالعملة السورية، وكما هو مقرر عرفاً في ديّة أي سوري، حسب أعراف وعادات أهل الرقة)..
أصبح التقابل في الطبيعة المحتقنة والمصممة على المواجهة حتى الموت، والتصفية الأخيرة حالة إزائية، أملاها الواقع الذي كان يتطور يومياً: أبو ريان/أحرار الشام، مقابل أبو سعد الحضرمي/النصرة، مقابل السعودي سالم/لواء ثوار الرقة.. فالخيوط كلها تتقابل لتصب نهاياتها عند واقع يؤكد بأن المعركة المقبلة مع تنظيم داعش هي واقعة لاريب فيها، وهي محصلة وناتج تطور كل حصاد الأحداث السابقة عليها، وأكثر من ذلك، هي معركة نهائية استئصالية لامجال للإعتقاد بأن مابعدها قد يجري مجرى ما قبلها..
المدينة باتت منكفئة على نفسها، وغير متحمسة لمزيد من الاستنزاف والتعب، ومن الواضح أن معظم جمهور الثورة وقواها قد انسحب أو غادر إلى تركيا أو اتجه خارج محيط المحافظة، وليس ثمة آمال كثيرة يمكن أن تراهن على أصدقاء أو داعمين أو مشجعين متعاطفين، فقد التزم الجميع الصمت: الأصدقاء الجيدون والأصدقاء السيئون، خاصة قوى الثورة الرسمية ممثلة بالإئتلاف الذي لم يكن يُراهَن عليه ولا على وطنيته بالأساس، وبقي خيار التوافق فيما بين الأطراف الثلاثة على خوض المعركة الفاصلة: لواء ثوار الرقة، وحركة أحرار الشام، وجبهة النصرة، خياراً قسرياً وممراً إجبارياً يجب عبورُه إلى الضفة الأخرى مهما كلفت الأثمان.
كان تنظيم داعش عقب مقتل السعودي سالم قد شرع في تكثيف ملاحقته ومراقبته لأبوحمزة، وأصبح الظنُ بأنهم قد جعلوه نصب أعينهم بغية استهدافه يقيناً ثابتاً، ولم نكن نملك أكثر من تكثيف الحراسة، والمرافقة المتابِعة له أثناء تنقلاته الاضطرارية. وأخيراً وجدنا أن أفضل الملاذات الآمنة له يمكن أن يكون الفرقة 17 والمرابطة عليها ليل نهار، والاختفاء من المدينة نهائياً؛ فهناك كانت ماتزال بضعة نقاط رباط باقية، وقد سبق أن ذكرت بأنني نصحتُ أبو عيسى بأن يسحبَ معظم المقاتلين المرابطين عند الفرقة 17 قبل حوالي ثلاثة أشهر من هذا التاريخ، وانتهت ظنوني منذ وقت مبكر بأن أي اشتباك أو إهدار لطلقة واحدة على الفرقة سوف يصب في صالح داعش مستقبلاً، وإننا لن نستطيع تعويض تلك الذخيرة حين الحاجة الماسة إليها، وقد صدّقت الأيام التالية توقعاتي وظنوني تلك.
لكن داعش تنبهت إلى مكان رباط أبو حمزة عند الفرقة 17، بعد ملاحقة واستقصاء دؤوب، ولم تكن تحتفظ إلى جوار الفرقة، كما أسلفتُ سابقاً، سوى بكتيبة مرابطة صغيرة، كنا نعلمُ مسبقاً أنها مجعولة هناك للتجسس على الجيش الحر، ومراقبة كل ما يحدث حول الفرقة.. وقبل ليلة رأس السنة، تمكن أحد قناصي داعش، وقد اقترب من موقع رباط أبو حمزة الذي كان مع مجموعة صغيرة دائبين على حفر خندق طويل قرب الفرقة، تمكن من تسديد قناصته وإصابة أبو حمزة فوق صدغه الايمن(3) ثأراً لسالم السعودي.. ولقد تبرأت داعش من الفعلة كعادتها، وأشاعت في اليوم التالي أن أحد قناصي الفرقة 17 هو من سدد باتجاه أبو حمزة وقتله، لكنني بعد أن تحققت من مكان الإصابة ومسافتها من موقع عناصر داعش حول الفرقة، وبُعْدِ الفرقة النسبي عن الخندق، والمدى المجدي المحقق للإصابة، لم يعد يساورني ريب بأنهم هم من قتل أبو حمزة.. رحمه الله..
ـــــــــــ
هامش:
(3) ـ الشهيد محمد عبد الكريم الخلف “أبو حمزة ”

Download (PDF, 752KB)

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.