داعش قوة الشر الأسود في هذا العالم:: فصل من كتاب الرقة والثورة لـ معبد الحسون

0
708

داعش قوة الشر الأسود في هذا العالم:

تجد داعش بعض أشباهِهِا ونُسخِها المماثلة لدى سلوكيات كثير من الغزاة الفاتحين والمتوحشين عبر التاريخ. وحتى في عصرنا الحاضر قد نجدُ في صنائع بعض الأنظمة الدكتاتورية، خاصة في حقبة العهد الستاليني في الدولة السوفياتية، وبعض الدول الملحقة بها،

أنموذجاً مكافئاً، قد يقلُّ أو يزيدُ قليلاً في درجة توحشه، ولا يبعدُ تاريخ عائلة الأسد وسلوكُها فترة حكمها لسوريا كثيراً عن صنائع داعش. كما نجدُ في بعض المجازر النوعية التي تمَّ تسليطُ الضوء عليها في العصر الحديث، نظائر أمثلة أخرى؛ كما في اجتياح “سربرنيتشا” بعد احتلال البوسنة في 11 تموز من عام 1995 من قبل القوات الصربية، والتي وثَّق العالمُ يومها مذبحة نفّذها الصرب بمسلمي البوسنة، يقالُ بأن عدد ضحاياها بلغ ثمانية آلاف ضحية في يوم واحد فقط..

كذلك في جرائم النازيين ضد الشعوب الأوروبية الذين استولوا على أرضهم، وعلى بعض المختلفين دينياً وعرقياً، وجرائم قبيلة “الهوتو” الأفريقية ضد قبيلة “التوتسي” التي ربما بلغت مليون ضحية، وجرائم “الخمير الحمر” ضد السكان الكمبوديين، وغيرها من الأمثلة المؤسفة في هذا القرن المؤسف.. فضلاً عما ارتكبه نظام الأسدين، الأب والابن، ضد الشعب السوري خلال فترة حكمهما التي قاربت نصف قرن من الزمن، والتي قد يصلُ مجموع ما ارْتُكِبَ في عهديهما من مجازر مروعة، عدداً غير مسبوق من الضحايا، ربما قارب مليوني ضحية خلال 47 سنة..

هل يرجع جذر كل هذه الوحشية وأسبابُها إلى دين ما، أو طائفة ما، أو عِرْقٍ محدد؟ بالتأكيد لا.. فكل الأدلة العلمية لا يمكنها البرهنة على هذا الارتباط الجذري العميق بين التوحش، كسلوك مجاهر به، وبين دينٍ مخصوص أو نسل بشري محدد.. ذلك التوحش الذي يجترئ فيه مرتكبه على إبادة المخالفين وهو في حالٍ من المفاخرة والمباهاة، دون وازع أو ضمير، أو كابح إنساني يمكن أن يعيقه عن هذه الجرائم.

إن قتل الناس بدم بارد، والإفظاعَ بهم، وقطعَ رؤوسهم أو بترَ أجزاء من أعضائهم، أو حرقَهم وهم أحياء، أو إغراقَهم أو تهجيرهم من أرضهم، أو إلقاءهم في ذلك التجويف أو الحفرة المرعبة التي لا يُعرَف لها عمقٌ أو قرار حتى اليوم، والمسماة بـ”الهوتة”.. كل ذلك لا يملك سبباً مُفَسّراً في دين أو إيديولوجيا معينة، فهي سلوكيات ربما مارستها معظم الشعوب من جميع الأديان، ومعظم الأمم والقوميات البشرية عبر تاريخ طويل، وهذا الإغراء بربط المتوحشين بدين أو طائفة أو عقيدة إيديولوجية معينة، ماهي إلا حيلة سياسية مكشوفة ومعروفة الأهداف، وعديمة الجدوى في تفسير أو تعليل الظاهرة، والأقرب إلى الدقة العلمية أن نعلِّلَها بانغماس واستغراق عام في جماعة معينة، (غالباً ماتكون منظمة غير عشوائية)، تمتلك طبيعة وكموناً خاصاً بها، يشجع أطرافَها وأبعاضَها على اجتراء جماعي لكل هذه الأفعال التي تشبه جنوناً جماعياً، والتي قد يتردد الفرد في القيام بها بنفسه، فيما لو فكر وقدَّر، لأن روح المحاكمة الفردية قد تصل إلى حدود العدم في أمثال هذه التكوينات الشاذة..

ولنضرب مثالاً مقارِباً على هذا الاستغراق والتماهي مع روح الجماعة المحيطة، بما يحدث في ملاعب كرة القدم، من حالات الانغماس في هوَس جماعي عام جامح ولا تردد فيه، قد يُخرِج الأفراد بالكلية عن اللياقة العامة التي يتحلون بها في واقعهم كأفراد، وما يبدر أيضاً من سلوك هذياني هلواسي في البارات وصالات السينما والاحتفالات العامة، التي تشجع أجواؤها المحيطة على الخلاعة الجماعية والبادرات المستهترة في بعض الأحيان.

أمثلة الانغماس في روح الجماعة ومزاجها العام هذا، تجد نظائِرَها أيضاً لدى الإحساس بالروح الجماعية التي تستقوي بالقبيلة والعشيرة والطائفة، وحتى الروح الحزبية المؤيدة في واقع بعض الأحزاب السياسية. فالفوضى تستثير في الأنفس الفوضى، وروح الجماعة تتقوى ببعضِها على الجانب المتردد والأخلاقي المستَنكِف.. وتغدو هذه الروح أكثر جاهزية وتقبلاً واستعداداً. زدْ على ذلك إذا أضفنا إلى هذا المزيج ما للقادة والرؤساء من توقير ومهابة، تصل إلى حدّ الثقة المفرطة العمياء، والتي تهيئ الأفراد لتقبل الأوامر واستساغتها وتنفيذها دون كثير محاكمة أو نقاش. حتى أنه في كثيرٍ من الأحيان يضيع الخيط الرفيع بين مسرح الثورات ـ حين يستولي عليه هؤلاء ـ وبين مشفى المجانين.

ولسوف أقتبس مثالاً على هذا الجنون الجماعي لمثل هذه الجماعات، بمثل صغير وشهادة من أبرز منظريهم وموجهيهم النظريين، وكيف تتم صناعة عقل إجرامي محض وخالص الاستعداد والملكات، لقتل معظم البشر، لو أمكن له ذلك أو كان ميسوراً في الواقع. في الصفحة 27 من كتاب (إدارة التوحش)، الذي يُعتَبَرُ دليلاً هادياً، ومرجعاً أساسياً يرتقي إلى مستوى كونه برنامجاً تنفيذياً لا يأتيه الباطل، أو يحيط بمضمونه أي شك بالنسبة لأمثال هذه الجماعات، يقول مؤلفه الذي وضع لنفسه اسماً هو “أبو بكر ناجي” ما يلي:

{.. إحدى المجموعات الجهادية الصغيرة بمصر، والتي لم تكن تتبع تنظيمياً جماعة الجهاد بمصر، أسسها أحد الشباب، وكان قد طلب العلم بقدرما، ودرس كتاب “العمدة في إعداد العدة”، ولكن للأسف أخذ يطبق قواعد علمية مأخوذة من كتب فقه الجهاد، ويُنزلُها على فئات دون الرجوع لأهل العلم الراسخين، وقد انفرط عقد مجموعته خلال مواجهات التسعينات، وقتل ذلك الشاب، رحمه الله وتقبله في الشهداء. ولا أدري لو قدر الله له الاستمرار هل كان سيتدارك ذلك الخطأ أم كان سيفتح على الحركات الجهادية في مصر باباً يدخل منه تشويه إعلامي يصعب مواجهته لما كان سيحمله من المصداقية، وهو باب إراقة دماء معصومة.. ومن القواعد الصحيحة التي تبناها هذا الأخ بتطبيق خاطئ، وبلغني من الأفراد الذين كانوا معه أنهم كادوا أن يطبقوها عملياً بالفعل، أو طبقوها مرة على الأقل، قاعدة تقول: ((مجهول الحال بدار الكفر يجوز قتله تقصداً للمصلحة)). وهي قاعدة صحيحة ، ولكن إذا طُبِّقت على دار الكفر التي أكثر أهلها كفار، أما دار الكفر التي أكثر أهلها مسلمون فلا تطبق عليها تلك القاعدة، والتطبيق العملي لكثير من القواعد الجهادية التي تحفل بها كتب فقه الجهاد يجب أن يكون مرَّ أولاً على راسخ في العلم وأقره قبل أن تطبقه القيادات الميدانية، نعم قد لا يجب أن يرجعوا كل مرة للراسخين في العلم، خاصة إذا تعذر ذلك، ولكن أصل الفئة المستهدفة، او نوع العمل القائم يجب ان يمر قبل اعتماده وتكراره على الراسخين في العلم ، خاصة اذا تعذر ذلك ، ولكن أصل الفئة المستهدفة، أو نوع العمل القائم، يجب أن يمرّ قبل اعتماده وتكراره على الراسخين في العلم في المرة الأولى على الأقل.

ملاحظة: مجهول الحال المقصود هنا هو من لم يظهر منه ما يدل على إسلام أو كفر، فهو ليس عليه علامات الإسلام الظاهرة، وكذلك ليس عليه علامة كفر ظاهرة، ولا يعرف عنه ناقض من نواقض الإسلام.}.(8)

في هذا المقطع الصغير من المؤلف المشهور، يُرسّخ الكاتب مجموعة مفاهيم نظرية، بعضها عقلي ومعرفي = تشريعي، وبعضُها الآخر استيهامي توليدي، فهو يستقي ويقتبس مفردات ذات مدلول واستعمالات خاصة، بغية زرع فكرة لا شعورية، أو غير منظورة في دائرة الوعي، وتركها تسرح في العقل الباطن للقارئ إلى الحد الذي يجعلها تتفاعل بذاتها، كالكائنات الأحادية الخلية، فيُوَلِّد نمُوُها البنيوي الطبيعي منطقاً صارماً في السلوك والتفكير، يرى لنفسه مرجعية مضمونة ومتكاملة البناء، مرجعية مستندُها الدين، بحيث ترتقي إلى درجة الواجب أو الفريضة الدينية التي لا يصح الإيمان أو العلاقة بين المرء وإلهِهِ إلا بها.

أول الغرس البذوري الذي ينتجه هذا النص، هو أن هنالك شيئاً في الإسلام، أو حقيقة موجودة في صلب الدين وأصله وأركانه الإيمانية اسمها “مجهول الحال”. وبناءً عليه، فإن “مجهول الحال” هذا، قد قرَّر العلماءُ قراراً شرعياً، وفتوى واجتهاداً مُجمعاً عليه في “قاعدة شرعية أصولية ثابتة قال بها العلماء”، وهذه القاعدة الشرعية الذهبية تقول: ((مجهول الحال بدار الكفر يجوز قتلُه تقصداً للمصلحة)).

إن هذه القاعدة الأصلية والثابتة في الدين ـ حسب العلماء كما يرى مؤلف الكتاب ـ من حيث النتيجة هي صحيحة، وكما يقرر الكاتب بصريح العبارة، لكنه يلوم ذلك الشاب الذي يستشهد به في مثاله هذا، على أن الشاب لم يرجع إلى”الراسخين في العلم” في تطبيق القاعدة. فهو يأسف فقط لأن الشاب حسب رأيه: ” للأسف أخذ يطبق قواعد علمية مأخوذة من كتب فقه الجهاد، ويُنزلها على فئات دون الرجوع لأهل العلم الراسخين”..(خاصة إذا كان أولئك الراسخون في العلم عملاء مخابرات لأنظمة عربية، كما في حالة أبو لقمان مثلاً)، مع أن شهادته في توثيق علم الشاب واجتهاده هذا هو أنه “كان قد طلب العلم بقدر ما، ودرس كتاب “العمدة في إعداد العدة”، فهو يحيل القارئ لا شعورياً، إلى نص موثوق وعلم ديني معتمد. كما أن هناك مانعاً” شكلياً إجرائياً”، يمنع من قتل “مجهول الحال”، ولذلك يجب ربط هذا القتل المفتوح على مصراعيه، برأي العلماء الراسخين، أو الرجوع إليهم ولو مرة واحدة” لأخذ الـ OK”، وللتدرب بعد ذلك على الاجتهاد والتطبيق العملي بنفسه دون مراجعة أحد. وهذا المانع الشكلي الإجرائي الذي ربما سيؤدي إلى قتل “أولئك المجهولي الحال” هو أنه:” سيفتحُ على الحركات الجهادية في مصر باباً يدخل منه تشويه إعلامي “. إذ لولا ذلك “التشويه الإعلامي” الذي قد يضرُّ بالحركات الجهادية، لما كان لدى كاتب هذا النص مانع من قتل عشرين أو ثلاثين مليون مصري مثلاً، من مجهولي الحال الذين “ليس لهم علامات كفر ظاهرة أو علامات إسلام ظاهرة”.. كما يجب أن نلاحظ تعبيره الخاص في وصف الأقوام الذين يجب قتلهم، بأنهم “فئات”، أسوة بـ”دزينات”..”ويُنزلها على فئات.. و..أصل الفئة المستهدفة”، وما للتعبير من مدلول ووقع نفسي في الأنفس المتلقية..

أخيراً يجب أن نخرج في الخلاصات المفيدة لهذا النص، إلى أنه، وفي المؤدى العام: جميع البشر على هذا الكوكب، والبالغ تعدادهم سبعة مليارات نسمة، هم: إما كفار معلومو الحال يجب قتلهم، ويُقدر عددهم بأربعة أخماس البشر، أو هم “مجهولو الحال”، وهم الخُمس الباقي، وأيضاً واجب قتلهم بعد أن يُستثنى من هذا الخُمس مَنْ تمَّ التأكد من إيمانهم الصحيح و”معلومية حالهم”، من وجهة نظر واضع هذه القاعدة الشرعية، وهم في أبعد الحدود لا يمكن أن يتجاوزوا بضعة آلاف من البشر..

كل هذه الصناعة والصنائع الإجرامية، يتمُّ رفعُها وتصعيدُها والدفع بها عادةً في أجواء ثأرية، أو لها قابليات المزاج الثأري، مثلما هي متجهزة ومشحونة بشهوة مسبقة للإنتقام، وطبيعة عدوانية سافرة الوصف كحالة مَرَضية عصابية، ولديها مظلوميات تاريخية يغذيها الخطاب العام والسرديات السائدة، دون أن نتجاهل الإغراءات المادية والحوافز التشجيعية، والتي تأتي على شكل فرص لمكاسب سهلة ومتاحة كثيراً من مال ومسكن وسيارات، وأحياناً أخرى وفرة الفرص السهلة للاستحواذ على نساء، أوتوهم فخامة مناصب اعتبارية مكتسبة.

ولا تجد هذه الجماعات مناخها المواتي، أو مسرح عملياتها الشيطانية إلا في البيئات التي تضعف فيها سلطة الدولة المركزية، أو تُفتَقَدُ تماماً، مما يوثق علاقات الناس ببعضهم ويفتحها لمزيد من إعادة التنظيم والتخطيط والإجتماع على مثل هذه الأفعال الشنيعة المستَفْظَعَة كلما ازداد انفكاكهم عن جسم الدولة، الجامعة والضامنة للعدالة الاجتماعية العامة، إلى الدرجة التي يتمُّ فيها استبدال الارتباط بالدولة بعقد هذه الجماعات المتوحشة، ومن ثم يتمُّ الانفكاك تدريجياً عن روح المجتمع وأخلاقه العامة وثقافته السائدة المتوارثة، لصالح عصابات يحلو لها أن تزين لأفرادها كل شناعات الجرائم المرتكبة، وكأنها أفعال مقدسة لا تثريب عليها ولا ملامة، بل إن الله يوم القيامة سيكافئهم عليها فوق ما ينالون في هذه الدنيا، والتاريخ فوق ذلك سوف يشيدُ ويطري ويتغنى بما ارتكبوه من جرائم، فهي ضرب من “الفضائل” التي يستحق أن يُمتَدَحَ من يتجرأون عليها وأن يُنظَرَ إليهم بإعجاب.

كما أن كل هذه الجرائم وهذه الوحشية، تمنح الفرد شعوراً زائفاً ومُتوهمَاً بخلود ما، فهو إن مات فرداً لن تكون له قضية تُخَلِّده، أما إذا مات برغبة الجماعة، وفي حالة تكيّف وانسجام تام معها، فإن خلوده مضمون باستمرار هذه الجماعة التي مات من أجلها.. ومما تقدم بات يسهل علينا أن نتفهم الآلية التي تستطيع بها داعش والتنظيمات التي تشبه داعش، أن تقنع أفرادها في منتهى اليسر والاستساغة، وزرع القابليات لنزعة الإقدام على العمليات”الإنغماسية” أو الإنتحارية ، التي يحلو لهم أن يسموها “استشهادية”..

ــــــــــــ

هامش:

(8) ـ ادارة التوحش: لمؤلفه ابو بكر ناجي . ص 27.

Download (PDF, 719KB)

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.