حول كلمة رياض الترك

    0
    1727

    أحمد مولود الطيّار

     

    في كلمته  – عبر السكايب – في افتتاح “المؤتمر الأول لمنظمة المهجر لحزب الشعب الديمقراطي السوري ” والمنعقد في العاصمة الفرنسية باريس، ركّز  رياض الترك على عديد من النقاط التي تثير الجدل، و  لا يمكن في هذه العجالة التطرق إليها ومناقشتها كلّها في هذا المقال، إنّما ما استرعى الانتباه قوله (  من المعروف أن العديد من التنظيمات الإسلامية لم يكن لها تاريخ في مقارعة الاستبداد. كما لم تتطور نتيجة القمع الذي مارسه النظام على مدى سنوات الثورة. لقد تكونت نتيجة الدعم الخارجي. لقد فرضت ذاتها بقوتها العسكرية. ومن المؤسف أن قادتها أمعنوا في طروحات ذات بعد طائفي هو أقرب إلى طروحات القاعدة ووليدتها داعش. كما خاضت صراعات فيما بينها. وهذا ما جعل أداءها يضرّ بقضية الثورة)

    لا يختلف كاتب هذه السطور كثيرا فيما ذهب إليه الترك في نقد تلك التنظيمات العدمية، وكيف أضرت بالثورة، لكن  النقد الذي يوجهه الترك لتلك التنظيمات يستتبع نقدا من نوع أخر يذهب إليه ذاته و إلى حزب الشعب وسياسته اللاحقة فيما خص تنظيما اسلاميا – تفرعت عنه تنظيمات كثيرة أثناء الثورة – مارس الكثير من الأخطاء والخطايا بحق الثورة السورية. والمقصود هنا تنظيم “الإخوان المسلمون”. و لا نعرف من خلال الاقتباس الذي أوردته هنا إن كان   يشمل الترك في نقده هذا تنظيم “الإخوان المسلمون” أم فقط تلك التنظيمات الاسلامية التي تكاثرت كالفطر السام في جسد و روح الثورة السورية وـأصابتها بمقتل ؟

    للإنصاف هنا ولكي يستوي النقد وتكون الصورة واضحة؛ من حق القارئ غير المطلع على بعض من تاريخ سوريا عامة والحزب خاصة لا بد من  العودة قليلا إلى التاريخ، وهو قريب لا تزال أحداثه وشخوصه راهنة وحية، والمقصود  فترة الثمانينيات و الحرب الشاملة التي شنها حافظ الاسد لتطويع كل شرائح ومكونات المجتمع السوري. هذه الفترة المهمة من تاريخ سوريا تم اختزالها – للأسف- في عنوان عريض ومظلل :  (الصراع المسلح بين النظام والإخوان).  ربما مآل تلك الانتفاضة التي شاركت فيها أطياف وشرائح كثيرة من المجتمع السوري بدءاً من عام 1979 وحتى 1982 و النهاية المأسوية  حيث استبيحت مدينة حماه،  وما ترتب عن ذلك  من بقاء النظام والإخوان كطرفين مسلحين، حيث فرغت الساحة  و تحولت سوريا إلى قاع صفصف،   وتم زج الآلاف في السجون  من  كل القوى المدنية والديموقراطية، بحجة القضاء على “الإخوان المسلمون”، وتحولت سوريا فيما بعد إلى مملكة للصمت حسب تعبير الترك. فماذا كان موقف الحزب ورياض الترك آنذاك؟

    (النظام بسياساته وممارساته هو المولد الرئيس للعنف، وما عنف “الإخوان المسلمون” إلا ردّ فعل عنيف على عنف أكبر.) كان هذا الموقف فحوى سياسة “المكتب السياسي – الحزب الشيوعي السوري ”   الذي صار  اسمه فيما بعد “حزب الشعب الديموقراطي السوري” وهي سياسة  عبرت عنها أدبيات الحزب و مواقفه وتصريحات رياض الترك شخصيا.  فيما بعد دفع الحزب و جراء هذا الموقف أثماناً باهضة. فزج النظام السوري بكل قيادات الصفين  الأول والثاني في المعتقل، ودفع رياض الترك شخصيا سبعة عشر عاماً قضاها في زنزانة انفرادية، ولم يفرج عنه إلا بعد وساطة قام بها الحزب الشيوعي الفرنسي .  كُتب فيما بعد عن تحالف مزعوم بين “المكتب السياسي” و”الإخوان المسلمون” أثناء أحداث الثمانينييات،  وهو زعم تنقصه الأدلة ويكذبه الإخوان أنفسهم عبر اقصائيتهم المتأصلة  وشعورهم  بالظفر،  و أن النظام قاب قوسين أو أدنى من السقوط، حيث أصدروا بيانهم الشهير،  و استهلاله كان يطالب كل القوى اليسارية آنذاك ب”عودوا الى جحوركم”! و كاتب هذه السطور نشط لأكثر من عقدين من الزمن في المكتب السياسي و من ثم حزب الشعب حتى خروجه من سوريا عام 2008 ، وما يقال عن تحالف وتنسيق ما هو إلا افتراء  رخيص،  و محاولة الإيهام بذلك هو  اشتغال مقصود من النظام السوري لتبرير اعتقالاته لكل القوى اليسارية التي رفضت عنف الطرفين،  وللأسف وقع كثير من كتاب ومعارضين محسوبين على المعارضة، وقوى سياسية  في “همروجة” هذا التحالف غير الموجود أصلاً.

    مما لا شك فيه أن موقف الحزب آنذاك يُثمن ويعبر عن موقف مبدئي سياسي و أخلاقي، ولم يعط النظام الذريعة في حربه المجنونة، و أيا يكن الموقف من الإخوان المسلمين أيديولوجياً وسياسياً. لاحقاً   وبُعيد خروج الترك من المعتقل واستلام بشار الأسد السلطة خلفا لأبيه؛ سافر الترك في جولة أوربية ، و جرت في لندن  لقاءات وحوار تلفزيوني بين الترك والمراقب العام السابق للإخوان صدر الدين البيانوني عبر قناة “المستقلة”  التي كان يديرها معارض تونسي معروف. ثم   اغتيل الحريري،  وتم تشكيل “إعلان دمشق” الذي شاركت فيه  معظم القوى السياسية من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين ومن بينهم  “الإخوان”. هذا تكثيف سريع لما حدث قبل اندلاع الثورة السورية .

    مع الثورة السورية وكيفية تفجرها المعروف، وخلوها من قيادات توجهها وتديرها؛ بات لزاما وعلى كافة الصعد وجود تلك القيادة. و  هنا تم توليد “المجلس الوطني السوري” بالطريقة التي يعرفها الجميع . وبرز على السطح مرة أخرى التحالف القديم بين حزب الشعب و”الإخوان”.  و قد كتب وقيل الكثير  بأن “المجلس الوطني” هو “الطبخة” التي أنضجها تفاهم رياض الترك مع “الإخوان”. هنا  لم يعد الحديث عن “تحالف مزعوم تنقصه الأدلة” مفيداً، فالمجلس الوطني ضم عدد كبير  من شخصيات “الإخوان” تجاوز الربع واستولوا على حصة أكبر من حجمهم الحقيقي على الأرض، وهم الذين لم يلتحقوا بالثورة إلا فيما بعد، حيث صدر بيانهم الأول المؤيد للثورة  في أواخر نيسان ٢٠١١ كذلك ضم المجلس شخصيات من  حزب الشعب، وحتى هذه اللحظة يرأسه جورج صبرا الشخصية الثانية في الحزب، و قد قيل أن كلمات رياض الترك عبر السكايب لم تنقطع منذ مؤتمر المعارضة الأول في انطالية التركية.

    مما لا شك فيه أن التحالفات تدخل في صلب العمل السياسي وليس عيباً التقاء أطراف سياسية متنافرة سياسيا و ايديولوجيا في عمل مشترك أهدافه محددة و واضحة، إنّما العيب هو في استمرار تلك التحالفات إن ثبت عقمها   وفشلها بحيث لا  تفضي إلى الهدف المنشود.  وفي التحالف الذي نشأ أثناء الثورة السورية بين حزب الشعب و”الإخوان المسلمون” أتبث الواقع وأثبتت مجريات الثورة أنّه تحالف أضرّ بحزب الشعب وبرياض الترك وبالثورة السورية في المقام الأول . كيف؟

    كان يتردد في كواليس الحزب وفي اجتماعاته أن الحزب في سياساته ومحاولة التقرب من “الإخوان المسلمون” يهدف إلى “دمقرطة الإخوان”،  كذلك دفعهم لتبني  مشروع مدني ديمقراطي وسوريا دولة لكل موطنيها. ربما نجح الحزب في هذا المسعى، حيث أقدم التنظيم على سلسلة أعمال نظرية تؤكد على أن سوريا دولة مدنية ديموقراطية،  ثم  توجها عام ٢٠٠١ ب “ميثاق شرف وطني لعمل المعارضة السورية” . بدا فيما بعد أن “الأخوان” يمارسون تقية سياسية، و أن كل ما يقومون به مجرد تكتيكات وحرتقة سياسية، حيث ممارساتهم على الأرض تؤكد أنهم يقولون شيئا ويمارسون عكسه. فلقد بقي الإخوان المسلمين “أمينين” لاستراتيجياتهم سواء الفكرية و الأيديولوجية وما ينتج عنها من تكتيكات قصيرة النظر  في معارضة النظام السوري، حيث العنف أسرع الطرق في الوصول إلى السلطة. كذلك انتهازيتهم الواضحة، ووضعهم  قدماً هنا وأخرى هناك، فهم مثلا في “إعلان دمشق” و في ذات الوقت في “جبهة الخلاص” مع عبد الحليم خدام. كما  تجلت تلك الانتهازية وادارة الظهر لمن وقف وضحى من أجلهم عندما أعلنوا “تعليق أنشطتهم المعارضة للنظام”  أثناء الهجوم الاسرائيلي على غزة في محاولة واضحة للتقارب مع النظام، قادها آنذاك عرابهم القطري – المصري الشيخ القرضاوي وكذلك حزب العدالة والتنمية التركي الذي يرأسه اردوغان عندما كان اردوغان في شهر عسل مع بشار الأسد (…). أيضا وهنا الأهم؛ اتباعهم ذات تكتيكات فترة الثمانينيات  أثناء الثورة، فبدأوا  تكديس السلاح وتجميعه، و  استخدامهم أموال الإغاثة للسيطرة و التحشيد،  أما سوريا في ايديولوجيتهم فهي فندق صغير على طريق سريع يقيمون فيه مؤقتاً إلى  حين الوصول إلى “الدولة الاسلامية” .

    يمكن تعداد الكثير في موبقات ” الإخوان” وعبثية التحالف معهم والمراهنة عليهم،  إنّما  ما يهم في هذا المقال هو:  ما هي مراجعة حزب الشعب ورياض الترك لهذا التحالف؟ هل سيخرج علينا رياض الترك مقدماً مراجعة نقدية حقيقية لكل ملابسات وكواليس علاقة حزبه مع “الإخوان المسلمون”؟ ثم، هل ما وجهه من نقد إلى تلك التنظيمات الإسلامية  – في كلمته المشار اليها – يشمل تنظيم “الإخوان” ؟  و هل يتحمل الترك مسألة ذلك التحالف وأسباب فشله إن أقر بالفشل؟ هل التحالف – هنا مع الاخوان –  والتحالفات عموما “الى الأبد” أم فرضتها وتفرضها ظروف معينة ؟  الموقف من العنف الرئيس – عنف النظام – والعنف الحاصل كرد فعل – عنف الاخوان –  كان في الثمانينيات موقف أخلاقي بالدرجة الأولى وسياسي بامتياز ، إنما الاستمرار على ذات الموقف فيه قلة بصيرة وعدم ادراك لسيرورة التاريخ السوري ومنذ بداية الثورة وحتى الآن،  وسيرورة “الأخوان ” بيت القصيد، حيث ما يشير اليه الترك وتلك التنظيمات الاسلامية معظمها خرج من تحت عباءة “الإخوان” إن كان على مستوى الايديولوجيا أم على مستوى التكتيك فإلى  متى يستمر “غسيل” الإخوان؟ أيضا يقول الترك عن حزب البي يي دي أنه حزب إرهابي ويرفض التعامل معه،  في ذات  المستوى ألا يمكن تصنيف  “الإخوان ” بما قاموا ويقومون به في قائمة الإرهاب ؟  أسئلة وعلامات استفهام كثيرة تحتاج إلى إجابات .

    و أختم بما قاله رياض الترك من كلمته المشار إليها موضع النقاش :

    (مطلوب وقفة نقدية لهذا الأداء خاصة أننا نمر في مرحلة دقيقة وحساسة تتطلب من قوى الثورة مخرجًا يوحد صفوفها وفق ما تتيحه لها المتغيرات الجديدة التي سنشهدها في الأيام القادمة).

    اترك تعليق

    This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.