ثورات آذار: طموحات سوريةٌ لم تكتمل

0
207
من مظاهرات دوما

ناصر الرباط

آذار (مارس)، اسم الشهر الثالث بالتقويم السرياني المستخدم في المشرق العربي، يحيل إلى اشتقاقات متعددة غير محققة، لعل أصحها هو الاشتقاق من اسم آشور، كبير الآلهة الآشورية الذي أعطى اسمه للإمبراطورية ولعاصمتها، والذي حور الأغريق اسمها ليعطوه لسورية. معادله باللغات الأوروبية ذات الجذر اللاتيني هو «مارس» إله الحرب الروماني الذي يحمل من صفات الجبروت والقوة ما يحمله الشهر نفسه من كثرة العواصف والبرد. وهو كذلك شهر بداية الربيع، فصل الخصب والنماء. وقد جعل الفرس القدماء الاحتفال بالربيع في يوم الاعتدال فيه، أي الـ٢١ من الشهر، عيداً قومياً يدعى النوروز يحتفل به حتى اليوم.
لكن آذار اكتسب معاني جديدة في التاريخ السوري الحديث. فهو شهر الثورات التي لم تكتمل والطموحات التي لم تُنجز. ففي ثامنه عام ١٩٦٣ قام حزب البعث العربي الاشتراكي وحلفاؤه من تجمعات ضباط ناصرية وقومية الهوى بانقلابه العسكري الذي سُمي ثورة على نسق «ثورة يوليو» (انقلاب الضباط الأحرار في مصر عام ١٩٥٢ بقيادة عبد الناصر) أو «ثورة» عبد الكريم قاسم في العراق عام ١٩٥٨، مما أضفى على مصطلح ثورة معنىً زائفاً في الوعي الجمعي العربي إلى أن جاءت ثورات ٢٠١١ لتحاول استعادة المعنى النقي للكلمة. انقلاب «البعث» كان تتويجاً لمحاولات الحزب الوصول إلى السلطة بطرق أقل دموية -الانتخابات، التحالفات، القبول بزعامة عبد الناصر خلال الوحدة- وفشله في ذلك. ولكنه كان أيضاً، وبمعنى أعمق، انقلاباً اجتماعياً ومناطقياً وطائفياً، مهد لصعود ممثلي المجموعات المهمشة في السياسة السورية التقليدية إلى سدة الحكم للمرة الأولى في العصر الحديث. بالإضافة لذلك، كان انقلاب «البعث» رد فعل ضد حكومة الانفصال التي ابتعدت عن فكرة الوحدة التي كانت تحرك الأفئدة الشعبوية في سورية، على جهل فاضح في الأساليب والرؤى وأدوات التنفيذ. ولد انقلاب/ثورة حزب البعث فاشلاً لأسباب هيكلية عميقة وجيوسياسية عالمية معاً. ولكن الحزب، أو على أقل تقدير سارقي تمثيله من ضباط الأقليات، تمكنوا من البقاء في الحكم على رغم التحديات الهائلة التي واجهوها، والتي أداروها بمزيج غريب من الدهاء والغباء والتآمر والأيديولوجية، وفوق هذا وذاك الفساد والمحسوبية داخلياً والارتهان لقوى كبرى وتنفيذ سياساتها خارجياً. تدهورت أوضاع سورية تدهوراً شديداً في ظل حكم «البعث» على رغم بعض الانجازات التي تُحسب من نشر التعليم الإلزامي وفسح المجال أمام النساء وأبناء الأرياف للنهوض اجتماعياً في مقابل تخبط أيديولوجي واقتصادي وسياسي شل الحياة العامة في البلاد. ثم جاء حافظ الأسد عام ١٩٧٠ بما لم يسمه «ثورة» بل «حركة تصحيحية» للمحافظة على وهم الاستمرار مع النظام الذي كان بالحقيقة يقتلعه من جذوره ويحل محله نظام محسوبيات طائفية في الداخل ولعب حذر وخطر في نادي الكبار في الخارج. حول حافظ الأسد سورية إلى سورية الأسد، مزرعة شخصية تستظل بظله الأبوي وتأتمر بأوامره ويحلبها زبانيته لمنفعتهم، ويستخدمها هو كورقة يراهن عليها في مغامراته المناطقية والدولية.
توريث الحكم لبشار الأسد كان تكريساً واضحاً لمفهوم المزرعة الشخصية. فقد أجمع معظم المحللين أن السوريين قد دُجنوا تماماً بعد ثلاثين سنة من الطغيان الأسدي الشرس بحيث أنهم استكانوا لهذا الخرق الواضح لمفاهيم الجمهورية وقبلوا بأسطورة القيادة الأسدية المؤبدة التي تنتقل عبر الجينات من أب لابنه، الأكبر أولاً والثاني لاحقاً عندما تدخل القدر وحرم الأب القائد ابنه البكر الذي كان يُهيأ للقيادة منذ طفولته. مع ذلك تفاءل السوريون بصغر سن بشار وتعليمه وحياته في بريطانيا ومظهره الحداثي وزوجته الحمصية-البريطانية الأنيقة، ولكنه سرعان ما خيب أملهم واستعاد سياسات والده القمعية وتوجهاته الطائفية وزاد عليها نيوليبرالية اقتصادية متهورة وقبلية عائلية جشعة واستزلاماً كاملاً لإيران.
مع ذلك لم تكن ثورة آذار ٢٠١١ الشعبية متوقعة. بل إن العديد من المحللين بمن فيهم بشار الأسد نفسه استبعدوا تماماً احتمال أن ينتفض السوريون، بسبب القمع العنيف والاستخبارات المتغلغلة في كل مفاصل المجتمع وفق تحليل المراقبين، ولأن وجهات نظره متوافقة مع وجهات نظر شعبه على رأي بشار الواهم الذي صرح به لجريدة «وول ستريت» الأميركية قبل اندلاع الثورة في سورية بأسابيع قليلة. صحيح أن السبب المباشر للانتفاضة الشعبية كان التعذيب الإجرامي لأطفال درعا بأوامر مباشرة من ابن خالته عاطف نجيب رئيس الأمن السياسي في درعا آنذاك، إلا أن أسباب الغليان المتراكمة على مدى عقود أربعة من الاضطهاد أكثر من أن تعد. ما كان ينقص السوريين جرعة الأمل التي أمدتهم بها ثورات العرب الأخرى في تونس ومصر وليبيا واليمن، والقشة التي مثلها تنكيل عاطف نجيب بأطفال درعا ثم إهانته لأمهاتهم وآبائهم من بعد. اندلعت الثورة حقيقية وشعبية في أرجاء المحافظات الريفية السورية التي عانت أكثر من المدن الكبرى من عنت النظام وإهماله. قابلها النظام بما هو متوقع منه: قتل واغتيال واعتقالات وتعذيب وإهمال تام لكل مطالب الشعب.
تعسكرت الثورة رداً على إجرام النظام وقتله المتظاهرين، وفقدت بذلك براءتها الأولى. لكن وهم المحافظة على البراءة الذي طالب به العديد ممن لم يكتووا ببطش النظام خيالي. فالقتل الشديد والعشوائي الذي مارسه النظام لم يترك مجالاً للمقاومة السلمية. كذلك كانت تصفية الزعماء المدنيين الذين أفرزتهم الثورة السلمية والإفراج عن المتشددين من الإسلاميين خطوتين في طريق عسكرة الثورة لتبرير القضاء عليها بطرق دموية. ووقعت الثورة في الفخ الذي لم يكن منه مفر. تحولت إلى حروب أهلية مناطقية وطائفية أرادها نظام الأسد وحصل عليها. وتشرذمت إلى جبهات وفصائل مقاتلة ومنظمات إسلامية إرهابية الجذور والأهداف لها أجندات لا علاقة لها بتحرر السوريين بل تعمل على قمعهم ومحو ما حصلوا عليه من حقوق مدنية، مكملةً في ذلك ما برع فيه نظام الأسد سابقاً. وارتهنت هذه القوى المتقاتلة بممولين خارجيين لهم حسابات أخرى لا تقيم وزناً للسوريين ولمعاناتهم، بل يسرها أن ترى سورية خراباً وأهلها مشردين وتراثها تتناهبه الأيدي.
فشلت الثورة في تحقيق أهدافها فشلاً تراجيدياً لتضافر كل الظروف ضدها. ودُمرت سورية وطناً وأرضاً وشعباً وثروةً وفكرةً. دمرها حاكمها وباغيها، وعاونه في ذلك أعداؤه وحلفاؤه، كلٌ لغاياته. ومع ذلك، ومع أننا في هذا الآذار ما زلنا نضع أيدينا على قلوبنا هلعاً مما يحصل لسورية وفي سورية بعد ست سنوات على هبتها في وجه جلادها، فإن ثورة آذار ٢٠١١ لن تُمحى من ذاكرة السوريين، بل ستدخل تاريخهم كنقطة مضيئة عادت فيها إليهم روحهم ووعيهم بذاتهم ولو لوهلة من عمر الزمن قصيرة.

* كاتب سوري وأستاذ في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا

اترك تعليق