دولة الهمجيـــــة سورية 1979 – 1982 بقلم ميشيل سورا

0
473

ترجمة الدكتور محمود الغباش[[1]]

 

في شباط/فبراير من عام 1982، عندما كان حرس نظام الطغيان السوري يقصفون حماة، رابعة المدن السورية، التي يربو عدد سكانها عن ربع مليون، في أوج حملة عسكرية أودت بحياة زهاء عشرة آلاف قتيل – تفتقر الأرقام إلى الدقة (بين سبعة آلاف وخمسة عشر ألفاً)، افتقاراً مشؤوماً لكنه ذو دلالة كبيرة – كانت الصحافة الغربية برمتها، رغم أسفها للعنف طبعاً، تكاد تبرِّر هذه الحملة باعتبارها شراً لا بد منه لإبعاد شبح الخمينية([2]) عن بلدان الهلال الخصيب؛ باعتبارها، بشكلٍ ما، عملية جراحية ضد “معقل الأصولية” الإسلامية في سوريا([3]).

وفي الفينة ذاتها نشرت مجلة لو ماغازين ليتيرير (Le Magazine Littéraire) عدداً خاصاً عن “نهضة الاسلام” ذا افتتاحية تليق بأبدع ما في مدوَّنات تاريخنا الاستعماري الرسمية من صفحات: “إن عالمنا الغربي […] بكل عيوبه، ومهما كان منخوراً أو متعفّناً، هو أيضاً عالم مقاومة النازيين، وسمفونيات بتهوفن، ومناهضة الاستعمار. إنه ليس عالم هؤلاء المجانين بالله، الذين لا يعرفون أن يكونوا إلا جلادين للبشر؛ أولئك المجانين بالله الذين يكرهون الفكر ‏والمثقفين، والانتقاد، والثقافة، والحب، والجمال. فيجب القول: كلّا ثم كلّا …”.

أما المراقبون المحنكَّون، فحدّث ولا حرج عن تصويرهم ‏المقولَب للدولة العلمانية المجدِّدة التي تواجه معارضة دينية ظلامية، تدعمها أكثر قطاعات المجتمع اتّساماً بالطابع التقليدي. إن شهداء حماه يستصرخون ضمائرنا. ففي هذا الجو من الإقصاء الفكري الذي تخلقه وسائل الإعلام الغربية، ينبغي رفع الصوت عالياً للمناداة بالحاجة الملحّة إلى التحليل المتروّي ‏وفتح باب الاجتهاد([4]) النظري للوقوف في آن معاً ضد بعض فورات الحماس لـ”الروحانية السياسية”([5]) التي يُفترض أن الإسلام الكفاحي يتّسم ‏بها، وضد اليقينيات العتيقة والبديهيات الجسيمة التي تسوقها العقلانية البلدية.

يقيناً إن التحليل حيال الأزمة يسفر عن ضحالة في المفاهيم نادرة المثيل، لا ‏سيّما عند مقارنته بغزارة الممارسة ‏السياسية التي تقوم بها سلطة تعرف من جهتها كيف تستغل صدوع المجتمع بمهارةٍ أقلُّ ما يقال فيها أنها فاتنة، وكيف تلعب بجميع الثنائيات المتناقضة في آن معاً دون أن تسود إحداها أبداً سيادة تنطوي على خطر خلق وضع لا عودة عنه. فالفكر الديكارتي، متمسكاً باستراتيجيته، يشطِّر الواقع بدفق من التساؤلات التأكيدية المتّسمة بطابع منهج الإثبات الكينوني التي يَستبعد كلٌّ منها سائرَها: مشكلة طائفية؟ صراع طبقي؟ انتقام الريف؟ نظام عسكري؟ سلطة البعث؟ إسلام ثوري/إسلام رجعي؟ وبالطبع: اليمين/اليسار، الشرق/الغرب، إسرائيل/فلسطين، إلخ. أمّا حافظ الأسد، فقلّما يهمه، على الرغم من التشدُّق البعثي، أن يؤسِّس نظاماً (نشير استطراداً إلى أن ذلك هو منشأ الصعوبة التي يواجهها معارضوه في اجتثاث جذوره). بل إننا نقول، مستعيرين صورة عرضها جيل ديلوز (Gilles Deleuze) وفيلكس غطّاري (Félix Guattari) في كتابهما “ألف صعيد”([6])، بأنه، على العكس من هذا المنطق (الكينوني) الغربي الذي تطرقنا إليه تواً، منطق الشجرة وجذورها، يتمدَّد تمدُّدَ أرمولة تتشعَّب تحت الأرض، وفق منطق ذرائعي لضم المتعدِّدات في حيّز واحد تعمره التحالفات، والتناقضات المتلاعَب بها، والمجاوزات.

هكذا راحت السلطة خلال عام 1980، لقطع الطريق على الحركة الشعبية التي كانت آنئذ في أوجها، تعبّئ جميع مؤسسات التأطير البيرُقراطي للمجتمع ـــ من النقابات و”المنظمات الشعبية”، والاتحادات، إلخ ـــ والقوى السياسية المنضوية في “الجبهة الوطنية ‏التقدمية” (البعث، والحزب الشيوعي[[7]]، والاتحاد الاشتراكي)، وما في العالم العربي من منظمات حليفة أو عميلة مثل “الحركة الوطنية اللبنانية” و”المقاومة الفلسطينية”. وعلى الصعيد الخارجي، وَقَّعت معاهدة “صداقة” مع الاتحاد السوفياتي وضَمِنت المساندة من صندوق الطنين الآخر ـــ الموازي لما يشكِّله الإسلام ـــ المتمثِّل في بلدان الاشتراكية القائمة([8])، وعقدت تحالفاً استراتيجياً مع الثورة الإيرانية عازفةً على وتر قرابة تاريخية بين العلويين والإسلام الشيعي، واستمرت في الوقت ذاته في علاقاتها المفهومة جيداً مع المملكة العربية السعودية، مموِّلها الأساسي… وعلى نغم آخر، قرعت طبول النفير في الطائفة العلوية بواسطة جمعية ظلامية طائفية سنعود إلى الحديث عنها هي جمعية علي المرتضى([9])، التي يقودها واحد من أشقاء الرئيس، هو جميل الأسد. وقد استغل جميل الأسد من جهته مناحي جديدة للشقاق في المجتمع، فحصل على البيعة من بعض من قبائل البدو في منطقة الشامية (الضفة الغربية لنهر الفرات) ومن بعض قبائل الأكراد في الجزيرة (الضفة الشرقية لنهر الفرات) لقاء توزيع بطاقات هوية سورية، إلخ. وفي هذا السياق تقيَّضت لبعض القبائل فرصة إبراز شجرة نسبها لكي تثبت أنها تنحدر من أصل شيعي لا مُشاحّة فيه، فتحظى عن هذا الطريق بمكان لها في دائرة التبعية للسلطة العلوية. وعلى نطاق أوسع كانت هذه الجمعية تستعدي أهالي الريف على المدينة ـــ حافظةِ الإسلام ومعقل الحركة الشعبية ـــ وذلك ببعثها في الذاكرة الجماعية شعوراً عدائياً موروثاً من علاقة استغلالية ترقى إلى عدة قرون خلت. هكذا جاء فعل السلطة تعويلاً على مضلَّعات للقوى شديدة التنوع في شتى مستويات التراتب الاجتماعي، ومراهَنةً على كل شيء، على جميع الصُعُد. وبالمناسبة نفسها، برهنت السلطة أن المشكلة لا تؤول إلى صراع “أغلبية” مع أقلية مسيطرة، وأنه ما من حاجة أبداً إلى القسر في التحليل للقول بأن كل فئة في سوريا هي أقلية بالنسبة إلى فئة ما أخرى فيها([10]).

ووسط هذا الحيّز، يقوم التلاحم، تلك العصبية التي قال بها ابن خلدون([11])، و التضامن الآلي الذي قال به دُركهايم (Durkheim)[12]، عنصراً محرِّكاً للمنظومة. فهذه “العصبية” تتكون انطلاقاً من شتى تصدعات الواقع الاجتماعي في سوريا. وسيتبيَّن فيما يلي أن هذه العصبية تنفي الدولة على جميع مستويات النظر في هذا الواقع. فيجب أن تُدرس الدولة دراسةً يُكفّ فيها عن الاقتصار على النظر إليها من خلال جهازها، من حيث وظيفتها المتمثِّلة في الهيمنة على المجتمع السياسي (وحتى في تخريبه) ـــ كما جرت العادة دائماً عندما يسارَع بعض الشيء إلى مقارنة “الفوضى” اللبنانية بقوة واستقرار “الدولة” السورية – وأن تُدْرَس أيضاً من حيث وظيفتها في الهيمنة الرامية إلى الحظو بقبول شتى قطاعات المجتمع الأهلي، وإلى التمكن من توحيد “الأمة” إديولوجياً وثقافياً.

 

الصدع الطائفي؟

في مستوى أول للتحليل، يعايَن الصدع الطائفي بين العلويين، الذين يشكلون زهاء 10 في المئة من سكان سوريا، حيث يقطن معظمهم السلسلة الجبلية المسمّاة  باسمهم، والواقعة في شمال غرب البلد على امتداد ساحل البحر المتوسط، وبين “الأغلبية” المسلمة السنية (أكثر من 70 في المئة من السكان).

وبالنسبة إلى الإخوان المسلمين، هنا يكمن “التناقض الأساسي”: فهم يطرحون الأزمة الراهنة كنتيجة لـ”مؤامرة” على الإسلام، يبقى العلويون منفِّذيها الأساسيين في حين أن البعث والجيش ليسا إلا أداتين في أيديهم.

ويُحرَّر صك الاتهام هذا على نحو عابر للتاريخ. فاستناداً إلى أن أصل الفرقة العلوية يرقى افتراضاً إلى الاسماعيليين في القرنين التاسع والعاشر، يحمّلها الإخوان المسلمون دونما تمييز مسؤولية جميع “الجرائم” التي اقترفها مجموع الشيعة السبعيين([13]): سرقة القرامطة لحجر الكعبة الأسود في القرن العاشر، وحكم الفاطميين في القاهرة (من القرن العاشر إلى القرن الثاني عشر)، و “التعاون” مع الصليبيين وسقوط القدس… وآخر هذه “الخيانات” هي إضاعة سهل الجولان في حزيران/يونيو 1967 وتسليم القنيطرة قبل أن تدخلها القوات الإسرائيلية بإحدى وعشرين ساعة. والحال أن ذلك يشكِّل أهم وثائق الملف، لأنه يُبْطِل يرد الحجة التي تتشدَّق بها السلطة التي ما تنفك تصوِّر “عصابة الإخوان” كـ”خونة” للأمة وعملاء لإسرائيل. إن هذه الأطروحة عن “المؤامرة” تمكِّن الإخوان المسلمين بالمقابل من تأكيد حق السنّة الثابت في أن يقودوا شؤون البلد، وأن يجسّدوا، بشكل ما، شرعية تاريخية قامت على مدى أربعة عشر قرناً.

فما القول في هذه الرؤية إلى البعدين الاجتماعي والسياسي عبر موشور الطائفية؟ لئن كانت هذه الرؤية تستهوي عدداً من المراقبين الغربيين التائبين عن الأخذ بمنظومة دُركهايم، فيبدو عند التأمل أنها تضاهي في المغالاة التحليل الماركسي التقليدي للظاهرة المعنية من منظور الطبقات الاجتماعية ـــ باعتبارها التناقضات الوحيدة “الجائزة” ـــ والبنى الفوقية، وهو التحليل الذي تتبنّاه السلطة ويساق بنفس اللغة الممجوجة في كل الوسط السياسي. فقد أمكن لحافظ الأسد أن يقول، في خطاب ألقاه في نيسان/أبريل 1976، “لم نتعود على استعمال مثل هذا الكلام”، رداً على ما شاع آنئذ من اشتباه فيه بالرغبة في إقامة تحالف علوي مسيحي ضد الإسلام في النزاع اللبناني.

إنه لا يمكن نفي كون فكرة الدولة العلمانية تظل، على الرغم من كل شيء، حاضرة في المتخيَّل السياسي في سوريا. وممّا يعزِّز استمرارَ حضورها أن نموذج الدولة، القائم على عبارة بطرس البستاتي الشهيرة “الدين لله والوطن للجميع”، تم تصورُّه في الأوساط السورية للنهضة العربية في القرن التاسع عشر، وأن سوريا كانت أول “جمهورية” تعلَن في العالم العربي عام 1946 تجسيداً لهذه “النزعة الحداثية”. ثم إن الأهم هو أن واقع الطائفية في سوريا ـــ على تعذر نكرانه ـــ لا يفترض وجود طوائف دينية منظَّمة بالمفهوم اللبناني السائد للعبارة والمقابل لأكثر أشكال المنظومة تنجيزاً.

ففي الأزمة الراهنة ليس المستويان السياسي والطائفي للتحليل متحاكيين تحاكياً مطلقاً. بل يمكن القول بأن بعض تيارات المعارضة، كـ”حركة 23 شباط” (بعث صلاح جديد ذي الاتجاه المتشدِّد، الذي تولّى السلطة من عام 1966 إلى عام 1970) أو “رابطة العمل الشيوعي”، يحشد حشده الأساسي بين ظهراني الجماعة العلوية، ويسري ذلك إلى مدى أضيق حتى على الحزب الشيوعي ‏(مجموعة رياض الترك المسمّاة بـ”المكتب السياسي”)([14]). فالرجوع‏ إلى موجات الاعتقال الأخيرة التي شملت هذه المنظمات (في تشرين الأول/أكتوبر 1980 فيما يخص الحزب الشيوعي، وآذار/مارس 1982 فيما يخص الرابطة) وتبيُّن أرقام منطقة اللاذقية، يكفيان لإدراك التفاوت السياسي في الطائفة العلوية. وذلك دون أن يؤخذ بالحسبان الجانب العشائري والعائلي الذي يكتمل به تشرذم المجتمع العلوي: عشيرة الحدادين وعشيرة الكلبيين كواحد من خطوط الشقاق الأولى، ثم قواعد الحسب والنسب التقليدية التي تضبط العلاقات بين عائلات العشيرة نفسها، كما عليه حال عشيرة الكلبية في القرداحة، قرية الرئيس الواقعة في جبل العلويين والتي أصبحت المركز السياسي للطائفة. وفي هذا الإطار تشغل عائلة الأسد مكانة ثانوية إجمالاً بالقياس إلى عائلات أخرى أرفع مقاماً، مثل آل اسماعيل وآل جركس، وحتى آل الخيِّر.

وذلكم بالضبط هو الدور المبوح بإناطته بـ جمعية علي المرتضى السابقة الذكر، المتمثِّل في تقوية لحمة الجماعة العلوية لجعلها طائفة ‏سياسية ــ لا طائفة دينية فقط كما في السابق ــ على غرار موارنة لبنان ‏الذين يشغل مثالُهم الأفكارَ في القرداحة، وتنمية ‏”شخصية ” علوية ــ على حد قول جميل الأسد نفسه ــ لدى هذه الفرقة الممقوتة في المدوَّنات الرسمية للتاريخ الإسلامي. فيا ترى أين يجب إحلال العشيرة والطائفة في تراتب التحليل الاجتماعي؟ على أية حال، يشكل الانتقال من العشيرة إلى الطائفة برنامج جمعية علي المرتضى، ويطرحه العاملون في سبيله بمثابة عملية تجديد.

أمّا وجهة نظر الدولة الحديثة فهي بالطبع مختلفة، إذ ليس في ذلك وفقَها إلا عودة إلى النظام الملّي الذي كان سائداً في ظل الإمبراطورية العثمانية، أي تنظيم فئات الأهالي غير المسلمة على هيئة طوائف دينية تنحصر السلطة فيها بأيدي زعمائها الروحيين. وقد ثبتت صحة وجهة النظر هذه في الميدان عندما تعدت جمعية المرتضى على ساحة الحزب الذي يقال إنه “حاكم”، تعدّياً من وجوهه تقديمُها في اللاذقية، إبّان الانتخابات التشريعية التي أُجريت في تشرين الثاني/نوفمبر 1981، مرشَّحين لها ضد مرشَّحي البعث. بل إن نوعاً من التوتر بين المنظمتين، الطائفية والسياسية، ظهر في خريف عام 1981، عندما كانت تعبئة الطائفة العلوية في أوجها، بلغ حد الاشتباك بين أعضاء ميليشيات الطرفين، كما حصل في إدلب، البلدة التي يقارب عدد سكانها  60000، الواقعة بين حلب واللاذقية. واليوم يشهد نشاط الجمعية نوعاً من التباطؤ. ويمكن اعتبارها واحدة من قوى النظام “الاحتياطية” في صراعه مع الحركة الإسلامية.

 

الجيش؟

ثمة مستوىً ثانٍ من البديهي أن يقوم عليه التحليل بداهةَ قيامه على المستوى الأول: الجيش باعتباره إطار تحشيد للعصبية المهيمنة. لقد رأينا أن هذا المستوى ليس حاسماً عند الإخوان المسلمين: فهم يرون أن الجيش ليس إلا أداة للسيطرة العلوية وهو نفسه مشروخ بالصدع الطائفي إلى درجة أن هناك اليوم جيشين في سورية، أحدهما أسير الآخر.

وإذا نُظر إلى وضع الجيش هذه النظرة فإنه يدلّ بمعنىً ما على حصول تقدم منذ السنوات الأولى للنظام البعثي حينما كان المماليك من شتى الآفاق الطائفية والإقليمية لمّا يزالوا يتنازعون السيطرة على الجهاز العسكري([15]). لقد صُفِّيت جماعات الاستقطاب الواحدة تلو الأخرى: في 1965 مجموعة محمد عمران (العلوية)، وفي 1966 مجموعة سليم حاطوم (الدرزية) بعد إحباط محاولة انقلابه، وفي 1968 مجموعة الضباط السنّة من منطقة حوران في جنوب البلد (الذين ما زال زعيمهم أحمد سويدان في السجن منذئذ) وأخيراً “زمرة العلّيين” (العلوية) التي فُكِّكت في أواسط السبعينات، بإبعاد بعض عناصرها (علي الحسين وعلي صالح) وبإشراك بعضهم في السلطة مباشرة (علي حيدر قائد الوحدات الخاصة، وعلي دوبا رئيس المخابرات العسكرية).

فخلافاً للوضع الذي كان قائماً في عام 1970، عندما كان انقلاب حافظ الأسد ـــ الذى تفادت مجموعته التصفيات المتتالية انطلاقاً من استئثارها بالسيطرة على الطيران ـــ منتظَراً بين عشية وضحاها على مدى الأشهر الستة التي سبقت مآل 16 تشرين الثاني/نوفمبر، ليس هناك اليوم في الجيش أية قوة من شأنها تهديد السلطة القائمة. وهذا استنتاج لا يبطله انقلاب خالد عطايا، ‏الذى أُحبط فى كانون الثاني/يناير 1982، والذى يدل بمعنىً ما كلَّ الدلالة على طبيعة الحركات التي تهزّ الجيش دورياً: حيث إن بعض الضباط، البعثيين عموماً، والسنّة غالباً، يتجمعون على عجل حول برنامج حد أدنى للإطاحة بالحكم، مقتنعين بأن مجرد صدور البلاغ الأول([16])، سيجعل “الجماهير” تنزل إلى الشارع تأييداً لهم. إن هذه العفوية، و هذا الفراغ السياسي، ينذران بطول بقاء النظام الحالي، إلا اذا طرأ ‏طارئ، أو اغتيل رئيسه، أو تخلّى عنه مموِّلوه من أصحاب النفط.

لكن هل يجوز والحالة هذه القول بأن الجيش بنى الدولة؟ أو بعبارة أخرى أنه يجب تصنيف سوريا في عِداد الدكتاتوريات العسكرية ـــ بمفهوم النظام الذى تكون فيه السلطة في أيدي جيش الدولة ـــ شأنها شأن بعض بلدان أمريكا اللاتينية؟

نعرف كم كان علم الاجتماع الأمريكي قد عقد من الآمال على العسكر باعتبارهم عامل تجديد. فيجب في هذا الخصوص إعادة قراءة منفريد هالبرن (Manfred Halpern) أو إدوارد شلز (Edward Shils). فيا لَمذاق جمل من قبيل الجملة التالية، عندما توضع على محك الواقع الحالي: “يمكن رد تدخُّل العسكريين في السياسة في الشرق الأوسط إلى تعلُّقهم بالأفكار الحديثة على صعيد النظام والفعالية والنزاهة في إدارة الشؤون العامة، تلك الأفكار التي لا تتجاوب مع التقليد المحلي في الحكم والتي اكتسبوها بفضل إعدادهم الحديث”([17]). يجب من الآن فصاعدأ معارضة هذا النسق المطمئن في تفاؤله بالنهج التبياني الذى يتّبعه أمثال بيير كلاستر (Pierre Clastres) بشأن الحرب التي “تبقي على المجموعات مبعثَرة مقسَّمة”، والتي “تُضادّ الدولة وتجعلها مستحيلة”([18]).

لقد أسس ميشيل عفلق حزب البعث في أواسط هذا القرن معتقداً بأن عهد البطولة سينفتح أمام الشعب العربي. ولديه اليوم، وهو في سجنه في بغداد، متَّسع من الوقت ليتأمل قول تُكفيل (Tocqueville) المأثور عن الديمقراطية التي تفضل “العادات المستكينة” على “الفضائل البطولية”. فالبطولة المعنية قد آتت فئةً من الفرسان لمعت في سحق المجتمع الأهلي الذي كان جيل عفلق، على وجه التحديد، لمّا يزل يمثِّله على المستوى السياسي، أكثر من لمعانها في ساحة المعركة التي تضع مستقبل “الأمة” في الميزان. ولئن لم يعد “أرباب الحرب” يسعون إلى الفوز بالسلطة، فهم يظلّون يشكِّلون جهازاً أساسياً في المنظومة، في دائرة توزيع الوظائف العامة وعطايا بلدان النفط، التي يستوفون حصة منها من باب اعتبارهم المدافعين عن “الشرف” العربي ضد إسرائيل والإمبريالية.

 

المدينة؟

لنستشهد بـ “ألف صعيد” (الصفحة 280): “آلة الحرب […] ليس غرضها الحرب […]. إن لها منشأ آخر، وهي تشكيلة أخرى غير جهاز الدولة. فمنشؤها الرُحّالي يجعلها في تضاد وإياه”. فإذا عدلنا عن فهم الرُحّالية بمعناها الرعوي الضيق المأخوذ به عموماً الذي يساويها بالبداوة لنفهمها في صلتها بـ”منطقة ريفية متنائية، ومنحدر جبلي، ‏وبور منبسط حول إحدى المدائن”، أي باختصار إذا فهمنا بها ما “ليس بالمدينة”([19])، لوجدنا من جديد مفهوم ابن خلدون عن البادية، في تعارضها مع الحاضرة، ذلك ‏الصدع الذي يشكِّل مستوى آخرَ لقراءة الواقع السوري وللإحاطة بالأزمة والذي يتّسم بأهمية كبرى وإن كان كثيراً ما لا يؤبه له.

فينبغي أن نعرف حق المعرفة أن الحركة التي تهز سوريا منذ نحو أربع سنوات تكاد تكون حضرية حصراً، كما بيَّنته الإضرابات والتظاهرات التي قامت إبّان الذكرى السابعة عشرة لـ “الثورة” ‏في 8 آذار/مارس 1980، في جميع المدن السورية باستثناء دمشق، وكما بيّنته أيضاً موجات القمع الكبرى التي طالت حلب في ربيع 1980، ثم طالت حماه في نيسان/أبريل 1981 وخصوصاً في شباط/فبراير 1982. ونقول هنا اعتراضياً إنه قد تكون هناك استثناءات من القاعدة عندما يغلب الجانب الطائفي على كل الجوانب الأخرى: كما في منطقة ‏الغاب، ذلك السهل الواقع الى الشرق من جبل العلويين حيث توجد قرى علوية، وسنية، ومسيحية، تقوم بينها منذ قرون علاقة تنازعية، أو كما في اللاذقية التي أمكن أن تَشُق وحدتَها، في أيلول/سبتمبر 1979، اضطراباتٌ عنيفة انطوت على مواجهة بين حي الصليبة السني وحي الرمل العلوي([20]). هذا مع أن ما جرى خلال أحداث اللاذقية تلك كان استفزازات فظة قامت بها السلطة…

لقد كانت تقود هذه الحركةَ، في مكوِّنها العصري، نقابات ذوي المهن الحرة كالمهندسين والأطباء والصيادلة، وخصوصاً المحامين، وذلك حتى حل هذه النقابات في نيسان/أبريل 1980، ‏والتصفية الجسدية لبعض الشخصيات ذات التأثير ضمن القطاعات ‏المهنية المعنية. وعلى هذا المستوى أمكن تَلَخُّص المنطلق المطلبي في رفع حالة الطوارئ، النافذة منذ صبيحة “ثورة” الثامن من آذار/مارس 1963، وفي إعادة الحريات الديمقراطية الأساسية. ثم إن تجار السوق، المرتبطين بالإخوان المسلمين، كانوا يمثِّلون النظام الحضري التقليدي ومجتمعاً أهلياً يصبون إلى أن يكونوا آخر معاقل مقاومته لـ “الدولة الحديثة”. أما الدولة المعنية ـــ أو نقيضة الدولة كما رأينا ـــ فقد غدت تجسِّدها خلافاً للحداثة أقليةٌ دخيلة على النظام الحضري، هي نخبة قائدة جديدة وصلت إلى السلطة مع “الثورة” عن طريق الجيش والحزب، ذات أصول ‏ريفية شديدة التميز: عليون ودروز واسماعيليون([21])، وكذلك سُنّة من منطقتي حوران والفرات (مما يؤكد مرة أخرى أن صُعُد التحليل ليست متحاكية).

‏ وفي متخيَّل الحركة المعارضة للنظام يعاش هذا الوضع إلى حد كبير بالقياس إلى النسق الإسلامي لتقنين علاقة المدينة بالريف. ومن ثم تأتي الاستعانة بابن خلدون، ذات الأهمية التبيانية الواضحة. ففي هذه المنظومة المرجعية تعرَّف المدينة بأنها مركز للحضارة، أي للإنتاج المادي والفكري. لكن الحضارة على وجه التحديد، بصفتها نتاجاً لمجتمع “عضوي” (كما يقول دُركهايم)، لا تتوافق مع تضامن الجماعة (العصبية) الذي ينفرد بمنح السلطة، فيمكن من ثم أن يضمن التماسك الاجتماعي. وبالتالي فإن المدينة مُخْضَعة لسلطة “العصبية”. فهي، فداءً لأمنها وازدهارها، تتخلّى للمحاربين الرُحَّل (لـ”السائبين”، إذا استعرنا المصطلح nomos الذي اقترحه جيل دولوز و فيلكس غطّاري([22]))، عن أمر حكمها والدفاع عنها. فإرنست جلنر (Ernest Gellner) كان محقاً جداً إذ كتب قائلاً إنها “عاجزة سياسياً”([23]). وتقابل تبعيتَها الكاملةَ على هذا الصعيد للعصبية المسيطرة الوظيفةُ الإديولوجيةُ التي تطرقنا إليها تواً، باعتبارها إطاراً لإنتاج دعوةٍ، أي، بعبارة أخرى، شرعنة لسلطة الحكام. وفيما يتعلق بالحالة التي تهمنا، نعرف ماهية الدور الذى أدته الدعوة القومية العربية في سيطرة “السائب” العلوي على المجتمع.

ودعماً لهذه الموضوعة، تُلاحَظ ضآلة عدد أبناء المدن المنخرطين في الأحزاب السياسية السورية، وخصوصاً على مستوى قيادييه. ففيما يتعلق بالبعث، يلاحظ سامي الجندي([24])، وهو من أوائل نشطائه، أنه نما في الريف منذ نشوئه، وظل هزيلاً في المدن، وخاصة دمشق. وهو يضيف بلهجة الإدانة: “كانت […] حتمية  العمل السياسي الجدي [تقتضي] ترسيخ الحزب في دمشق والسيطرة على قواها الشعبية قبل الانتقال إلى مدى آخر. ولكن الحزب كان مستعجلاً يبحث عن غنيمة سهلة والعمل في دمشق عسير. […] خطيئة البعث المميتة أنه شتت قواه حينما كان ينبغي عليه أن يركزها أولاً في دمشق […]. […] لم يدرس البعث بناء دمشق الاجتماعي الذي تكوّن خلال آلاف السنين فبات إرثاً عضوياً. قنع البعثيون أن دمشق لا يمكن أن تكون بعثية فأقاموا بينهم وبينها جداراً من المستحيل […]”. وعلى المنوال نفسه، يمكن للمرء أن يقرأ، في وثيقة مستنسخة، صاغها “حزب البعث الديمقراطي الاشتراكي العربي” (حركة 23 شباط) بعدئذ بعشر سنوات هي أيضاً نقد ذاتي لتجربة الحزب التاريخية، أن مما يفسِّر الفشل أن الحزب لم يكن قط منتشراً في المدينة انتشاراً كافياً، وأن قياديّيه كانوا دائماً غرباء عنها([25]). هاتان الوثيقتان كلتاهما تخلصان إلى الاستنتاج ذاته: أن البعث، بالتفافه على العائق الذي تشكلِّه دمشق – والمدينة بوجه أعم – أخفق في دخوله المجتمع الأهلي وفي تطوُّره كحزب، بمفهوم التنظيم السياسي. إنه بقي في طور العصابة، في طور الشرذمة كما من شأن إلياس كانيتي (Elias Canetti)  أن يقول، بقي تجمعاً من شكل “سائب” (nomos) يعبِّر عنه تعبيراً كاملاً مصطلحُ “الجماعة” العربيُّ الدارجُ استخدامه في الخطاب السياسي العربي المعاصر كمرادف لمصطلح “الحزب”.

فالمدينة، بعد أن سُلبت منها دعوتها القومية، تقوم اليوم كحامية للإسلام ولإرث حضاري عمره أربعة عشر قرناً. لكن مهما كان مدى جِدّة ظاهرة “نهضة الإسلام” هذه، فهي يجب أن لا تنسينا العرى الوثيقة التي ربطت دائماً هذا الدين، ذا البعد الجماعي البارز، بالمدينة، التي هي بالتعريف مكان للتجمع (لقد خصَّصت العربية اسم الفاعل “جامع” للدلالة على المسجد الكبير الذي تقام فيه صلاة الجمعة)، حيث تجتمع إذن كل شروط التديُّن. وفي هذا الشأن أيضاً يجب الذهاب إلى أبعد من التعبير الديني المحض عن هذه الحركة، الذي يحظى وحده باهتمام وسائل الإعلام، وإحسان فهم مناطها: نظام القانون والمعرفة الذي تعتزم المدينة الدفاع عنه تجاه “الهمج” الجدد، الذين يسهرون ‏خلافاً لذلك على أن لا يفلت شيء من قبضة نظام حكمهم. ‏لقد تطرقنا إلى المصير الذي هُيِّئ لحركة ‏المحامين. وبحسب المنطق نفسه، يحيق الخطر بالجامعة، على اعتبارها المكان المهيأ لتخريج النخبة المدينية. فممّا ‏يعيق اشتغالَ هذه المؤسسة ويفقدها كل سمة علمية الإجراءُ التعسفي الذى يُسَجَّل بموجبه طلاب متدنّو المستوى لكن ‏تربطهم بـ”طبقة السائبين” (nomos) المهيمنة إحدى الشبكات ‏الممكن الاستقواء بها ـــ كالطائفة، والمنظمات “الشعبية”، وهيئات الشباب ‏شبه العسكرية التابعة للحزب ـــ تسجيلاً يسمى “استثنائياً” في الكليات المشهورة بصعوبتها (الطب، ‏والهندسة، …)([26]).

[حزب البعث]

هناك أخيراً المستوى السياسي للتحليل، أي تحليل إسهام حزب ‏البعث في تشكُّل المجموعة المهيمنة. وتلكم مسألة يمكن التطرق إليها من زاويتين مختلفتين: البعث كجهاز وهيكل لتأطير المجتمع، و البعث كدعوة، ما يسمّى بالمصطلحات الويبيرية[[27]] الشرعيةَ السياسيةَ للسلطة.

إن البعث كمنظمة لم يعد إلا واجهة سياسية للنظام. لقد كنس مؤتمره القطري السابع، الذي انعقد في دمشق في كانون الأول/ديسمبر 1979‏ وكانون الثاني/يناير 1980، آخر ما يمكن أن يكون قد ظل هناك من أوهام عن إمكانات الانفتاح السياسي على “الكتلة” ‏السنية في الحزب. فبضع الشخصيات التي كانت تتألف منها ‏هذه الكتلة، ولا سيما محمود الأيوبي رئيس مجلس الوزراء سابقاً، وجابر بجبوج الذي كان الأمين القطري قبل انعقاد المؤتمر، وعبدالله الأحمر الأمين القومي، وحكمت الشهابي رئيس الأركان العامة، ومصطفى طلاس وزير الدفاع، تبيَّن خلال المؤتمر أنها ليست سوى رهائن سنية لدى الأقلية المهيمنة، جُعِلَت محطاً للسخرية كلما دغدغتها الرغبة في المداخلة. ويجدر القول إن رفعت الأسد، شقيق الرئيس الآخر، والأشهر، أشرف شخصياً على تنظيم هذا المؤتمر ‏السابع. فبدلاً من المبدأ الذي تتميز به المركزية الديمقراطية القائم على انتخاب المندوبين من قاعدة هرم الحزب التنظيمي إلى قمته: الشعبة ثم الفرع ثم اللجنة المركزية([28])، تفتَّق عقل النظام المدبِّر عن تفضيل أن يجري بكل بساطة تعيين هؤلاء المندوبين من القمة إلى القاعدة، بجمع كل الشُعب في القاعة الكبرى بقصر الرياضة في الضاحية الشمالية للعاصمة، حيث أدارت المخابرات العمليات بحضور جمهرة من الضباط الذين أُشرِكوا في المؤتمر ‏بصفة مراقبين. فكما باح لنا به أحد النشطاء الذين حضروا الاجتماعات، متظاهراً بالسذاجة: “في الحزب يُفضَّل عدم تعاطي السياسة”. ‏وأخيراً، لنا كلمة أخرى نقولها بصدد اللجنة المركزية الآنفة ‏الذكر، التي كان تشكيلها تجديداً على صعيد هيئات الحزب. فهي تجتمع، بصفتها أعلى هذه الهيئات، مرة كل ثلاثة أشهر لتدارس ‏الخطوط العريضة لسياسة البلد: بين أعضائها الـ75 هناك 30 علوياً، أغلبهم من الضباط.

‏إن الوضع الذي كان قائماً داخل الحزب استدعى إعادة إحكام القبضة عليه بهذه الصورة. فهو، إضافة إلى قصوره، باعتباره بنية تأطير، عن أداء المهمة الموكلة إليه في عامي 1979 و1980 بالوقوف سداً في وجه الموجة الشعبية، انجرّ هو نفسه مع التيار؛ فأدى النشطاء البعثيون دوراً مؤكَّداً في تظاهرات الثامن من آذار/مارس 1980، التي سبق التطرق إليها… بقيادتهم مسيرات الاحتجاج أحياناً وبمهاجمتهم فروع الحزب المحلية. من هنا يأتي التعاطف الذي أبداه الإخوان المسلمون السوريون، في نشرة “‏النذير” السرية الناطقة باسمهم، بشأن “مأساة” الاستلاب هذه التي يعيشها البعث.

‏لقد سُنَّ منذئذ “قانون أمن الحزب” لتعزيز الجهاز القسري ‏الداخلي، بالنص على إيقاع عقوبات شديدة بكل من يتركون الحزب. بل إن مشروعاً لإعادة تنظيم الحزب على شكل خلايا مستقلة تضم كل منها خمسة أعضاء كان قيد الدراسة، بدافع من شاغل التماسك نفسه، وذلك إثر حصار مدينة حماه في شباط/فبراير 1982. لكن لم يكن من الواقعي في شيء العودة إلى البعث الذي كان قائماً قبل أخذ السلطة، على افتراض توجُّب إنشاء زهاء 30000 ‏خلية لعدد إجمالي من الأعضاء يقدر بـ 150000 دون احتساب عدد الأعضاء الأنصار. وهؤلاء بالتعريف ليسوا إلا أعضاء غير عاملين يمرون بفترة اختبارية. ونتيجةً لهذا التآكل، لم تعد البطاقة الحزبية كافية لحرق مراحل السلّم الوظيفي وللتقرّب من الزمرة المهيمنة، وإن ظلّت ضرورية لذلك.

‏وعلى نطاق المجتمع بمجمله، يتجلى إفلاس النظام السياسي أثناء الاستشارات الانتخابية التي لا تحشد إلا 4 في المئة من المقترعين كما حصل في الانتخابات التشريعية التي أُجريت عام 1977 وعام 1981. ‏وذلك على الرغم من اللجوء إلى شتى الوسائل الهادفة إلى “التشجيع” على المشاركة في الانتخابات، مثل خرز بطاقات الهوية بعد التصويت. إن نسبة الـ 4 في المئة تمثل 400000 مصوِّت، وهذا رقم يحمل على الاعتقاد، إذا قورن بعدد أعضاء حزب السلطة، بأن ما يجرى ‏ليس إلا تحرُّكاً في “دائرة مغلقة” للوسط السياسي.

وأخيراً، ألا يجب في مشرق اليوم، حيث تتحرّك الأحزاب تحرُّكَ العصابات وتعمل الدول عملَ التنظيمات السياسية، أن يُحلَّل البعد السياسي على مستوى مجموع المنطقة، فيما بين “الصلبين” ‏و”الرخوين”، واليمين واليسار، والرجعية والثورة، إلخ([29])؟ وذلك إن لم يكن هذا المستوى نفسه، إلى حد ما، استمراراً للمنظومات السياسية القطرية، بمعنى أنه وإيّاها يُبْرِزان نفس ‏الولاءات ويحرِّكان نفس الوسائل مما لا يمتّ بشيء إلى “الدولة الحديثة”.

لقد قضت إديولوجية البناء القومي نحبها في المشرق مع عبد الناصر، وغدت تسيطر على اللعبة السياسية الإقليمية أحزاب متخفية ‏على هيئة دول، يمزِّق بعضها بعضاً في سياق واحد من عبادة المُطْلَقات؛ حيث يقوم “الحق” ضد القانون، و”الأبطال” ضد “القَعَدة”، وعلي ضد معاوية. فإلياس مرقص، المفكر الماركسي السوري المعروف “من الخليج إلى المحيط” و”الداعية إلى المعرفة” كما يقول عن نفسه في مقالة لاذعة ينتقد فيها العفوية الفلسطينية واليساروية العربية، كتب قائلاً “شهدنا ثورة فلسطينية في شرقي الأردن، ويمكن أن نشهد بعد عشرين سنة ثورة الدمشقيين في حمص، وثورة الجنوب اللبناني في بيروت وطرابلس، وثورة السوريين في العراق([30])، وثورة الشرق أردنيين في بطاح نجد، وثورة الجميع على الجميع في الساحة العربية. هذا ’الصعود الثوري‘ هو صعود التوسع الصهيوني”([31]). لم يخطئ إلياس مرقص إلا بتفاؤله: فلم تلزم عشرون سنة، ولا حتى عشر، حتى يقوم هذا الوضع.

 

الأمــــــة؟

في صدد البعث بصفته دعوةً أو شرعيةَ السلطة: لا طائل من التوقف عند شعار “الأمة العربية” وشعار “الاشتراكية”، اللذين أقل ما يمكن أن يقال فيهما هو أنهما فقدا كل دور في إضفاء الشرعية. ويبقى ادّعاء النظام الذي يقدِّم نفسه وكأنه الوارث الجامع للحركة القومية العربية منذ أواخر القرن الماضي، ومن ثم كأنه الإنجاز الملموس للمشروع العلماني للدولة الحديثة. لقد تطرقنا إلى قوة النموذج في سوريا، مهد النهضة، حيث يعاش هذا النموذج باعتباره العامل المشترك الممكن الوحيد في حيّز تَعْمُره التعارضات والتنوعات، كما تطرقنا إلى الاهتمام المتعاطف لدى الغرب([32]) الذي يشغله دون شكٍ مستقبل نموذجه السياسي. وفيما يتعلق بهذا المفترق العُقْدي في منظومة الشرعية، يدين الإخوان المسلمون ما يعتبرونه مزاودة بالاستخدام ــــ الضمني ــــ لثلاثية ابن خلدون (العصبية ــــ الدعوة ــــ المُلْك)، كمفتاح لسيرورة التغيير الاجتماعي: في حقبة تاريخية معيَّنة، تستخدم جماعة (عصبية)، متلاحمة بعرى الدم أو بمجرد وحدة المصير، تبشيراً دينياً سياسياً (دعوة) بمثابة واسطة للوصول إلى السلطة (المُلْك). فعند “الإخوان” يكفي أن يجري في هذه السلسلة المنطقية إحلال “العلويين” محل العصبية، و”الدولة الحديثة” محل الدعوة، حتى “يتضح كل شيء”.

ونقول مرة أخرى إن الواقع على درجة من الغزارة تجعل من غير السديد الاكتفاء بتحليله على المستوى الطائفي. لكن برهان الإخوان جدير بالتوقف عنده، ذلك أن لإدراكهم للبعد الديني وللبعد السياسي قيمة تبيانية تضاهي من حيث الثبات قيمة التحليل الذي يربطهما بالبعد الاقتصادي وفق سلسلة حتمية جامدة([33]). ففي هذه ‏المنظومة السياسية التي فكَّك الإخوان المسلمون آليتها بحذق كبير، تكمن اللعبة بكاملها في أن يصون اللاعب تماسكه الطائفي الخاص به، ‏عصبيته الخاصة به، متصرِّفاً بحيث يفقدهما الطرف الآخر تحت وقع إديولوجية البناء القومي، ‏إديولوجية “العصرنة”، التي تمر عبر تخلي كل عن تمايزه، كشرط لوحدة الجميع وتساويهم في المجتمع الأهلي. ومن الواضح أن “الأغلبية” هي الخاسرة دائماً في هذه اللعبة، طالما أنها تتعيَّن بغياب تضامنها الجماعي. وبتالي تؤدي الطائفة الدور الفعلي للحزب بصفتها وسيلة لانتزاع ‏السلطة. من هنا يتأتى وضع المنظومة السياسية البالي و “مأزق” البعث.

إن تآكل الشرعية السياسية يتجسَّد من ناحية أولى في الميدان، كما رأينا عند تطرقنا إلى جمعية علي المرتضى، ببعث أشكال من شرعية ما قبل السياسة، أي من الشرعية التقليدية ‏التي يقول بها ماكس فيبر، ‏ومن ناحية أخرى باللجوء الى العنف على نحو غدا منهجياً. لقد ولّى زمان “معلِّمي المدارس”، الذين تصوَّروا ـــ من النهضة إلى ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار، “القائدين المؤسِّسين” لحزب البعث، مروراً بـ”معلِّم القدرة” الآخر ساطع الحصري، داعية القومية العربية في الخمسينيات ـــ تحقيق الإدماج الاجتماعي من خلال تطوير المؤسسة المدرسية، باقين في إطار أفكار دُركهايم.

‏واليوم يُعتبر التعليم “رجعياً”. أفلم يقل ابن خلدون إنه لا يتوافق أبداً مع صون العصبية، مصدر السلطان ‏الوحيد. إنه “خصاء سياسي”([34])، على غرار الرضوخ للقوانين. فالطلاب ‏المستفيدون من نظام “التسجيل الاستثنائي”، الآنف الذكر، هم ‏على العموم مظلّيون في الفرق المسلَّحة لـ”شبيبة الثورة”. وهم، على حد قول الرئيس نفسه، “يواجهون مؤامرات ‏الإمبرياليةِ والرجعيةَ، فلا يتوفر لهم وقت يخصِّصونه للدراسة”. كفى كلاماً جميلاً. فقد غدا مصير الأمة في يد حملة الكلاشنكوف. ففي افتتاحية للجريدة السورية “تشرين” (1 تموز/يوليو 1980) يستجيز رفعت الأسد الإعلان عن استعداده للتضحية بمليون مواطن حماية ‏”للثورة”. وقد بيَّنت الأحداث التي تلت أنه فعّال لما يقول. ربما كان الأمر الأكثر مأسويةً أن الغرب لا يفتقر أبداً لنفوس طيبة ترى أنه لا مناص من المأساة. أفلم تشهد فرنسا الإرهاب، وأمريكا الحرب الانفصالية…، بل إن إرنست جلنر يذهب إلى أن العنف هو أحياناً “الثمن الذي يجب دفعه في سبيل البناء القومي”، ‏مفسِّراً ذلك بمثابة انتقال من عالم ابن خلدون إلى عالم دُركهايم([35]). أما نحن فإننا نرفض، انطلاقاً من التحليل المقدَّم في مقالنا الحالي، القول بأن مأساة حماه ساهمت بأي شكل من الأشكال في بناء سورية الجديدة. فخلافاً لهذا القول، يكفي النطق باسم هذه المدينة في معرض الحديث لإدراك أن “نهر العنف غدا يمتد عبر ‏هذا البلد جرحاً فاغراً”([36]).

إزاء هذا الوضع أخذ بعض تيارات المعارضة يدرك أن القضية لم تعد تتمثل في التمييز بين اليمين واليسار، بين الرجعية والثورة، بل في مجرَّد المسارعة القصوى إلى العمل لوجود نظام سياسي في البلد من جديد([37]). من هنا جاء شعار الديمقراطية، الذي يفرض نفسه شيئاً فشيئاً، والذي يجب فهمه بصفته نداءً إلى إنقاذ المنظومة السياسية، وفيما وراءها إلى إنقاذ المجتمع المهدَّد بالتفجر. فـ “حياة الأمة السياسية تعبِّر تعبيراً أميناً عن درجة الانسجام الاجتماعي التي بلغها الشعب”، كما يذكِّرنا به ميشليه (Michelet)([38]). وبهذا المعنى ما زال يجب اختراع المجتمع الأهلي. لقد بلغ الأمر أن الإخوان المسلمين تخلوا عن مطلب “الحكم الإسلامي” الذي غالباً ما رفعوه في سوريا وغيرها([39]) فأعلنوا في برنامجهم([40]) أنهم مع إعادة الحريات الأساسية (حرية الفكر، وحرية التعبير، وحرية إقامة الجمعيات، والحرية النقابية) ومع احترام المبادئ الدستورية (فصل السلطات، الشورى، …) مبدين من الحداثة السياسية ما هو أكثر بياناً من “حداثة” الدولة، رغم أن المفترض أن الدولة هي القيِّمة على الحداثة.

هكذا نرى كل ما ينطوي عليه الوضع من تناقض، وذلك الانقسام الذي يظهر في وسط المثقفين: ففي حين أن الخطاب السياسي بمصطلحات الطبقات، وهو كما رأينا خطاب الدولة، لا يرمي في نهاية المطاف إلا إلى طمس البعد الاجتماعي، كفى آخرين بترُ أُرْبَةِ الطائفية، فطرحوا مسألة الحكم طرحاً صحيحاً شرعوا انطلاقاً ‏منه في تدارس مجتمعهم نفسه. فعلى هؤلاء من الآن فصاعداً أن يتساءلوا أيضاً عن أشكال الانسجام الاجتماعي، وأن يعْدِلوا عن افتراض أن مسألة الإدماج مسألة محلولة، كما تفعل ‏السلطة لتغطي ممارستها.

[[1]]            نُشرت هذه الترجمة لأول مرة في العدد 15-16 (شباط/فبراير – آذار/مارس 1984) من “المسار”، الناطقة باسم منظمة الحزب الشيوعي السوري المعارض (الحزب الشيوعي السوري – المكتب السياسي) في الخارج، التي كنت عضواً في هيئة تحريرها. وكان مقال ميشيل سورا هذا قد صدر بالفرنسية بالاسم المستعار “جيرار ميشو” (Gérard Michaud) في العدد 11 (تشرين الثاني/نوفمبر 1983) من مجلة Esprit الباريسية، قبل اختطافه في 22 أيار/مايو  1985 في بيروت حيث صُفّي لحساب أعداء الحرية في الشام تصفيةً أُعلن عنها في 5 آذار/مارس 1986 [المترجم].

([2])            كتبت جريدة “ذي تايمز” (The Times) اللندنية، في عددها المؤرخ بـ15/2/1982، أن “فكرة وجودِ خميني آخر في دمشق تكفي لجعل العرب والغربيين، على حد سواء، يشعرون بالقشعريرة”.

([3])            جريدة “لوموند” (Le Monde) الباريسية في عددها المؤرخ بـ13/2/1982.

([4])            “العمل التفسيري” الذي يقوم به الفقهاء في الإسلام.

([5])            ميشيل فوكو (Michel Foucault) في الصفحة 48 من عدد مجلة “لو نوفيل أوبسرفاتور” (Le Nouvel Observateur)، المؤرخ بـ 16/10/1978.

([6])            Gilles Deleuze وFélix Guattari، “ألف صعيد” (Mille Plateaux). “الرسمالية وانفصام الشخصية” (Capitalisme et schizophrenie) منشورات “إدسيون دي مِنْوي” (Editions de Minuit)، 1980، الصفحة 36.

[[7]]            جماعة خالد بكداش [المترجم].

([8])            صدر عدد 13/5/1980 من جريدة تشرين السورية وفيه مقال عن انعقاد مؤتمر نقابي عالمي للتضامن مع سوريا عنوانه : 190 مليوناً من الكادحين يقفون إلى جانب سوريا في معركتها.

([9])            علي، ابن عم النبي ورابع خلفاء الإسلام، الذي يظل المعلِّم الروحي للشيعة حاظياً لديهم بالتبجيل.

([10])          رداً على الإخوان المسلمين في تطلعهم إلى إرساء شرعية نضالهم على أساس الحق الثابت لـ” أغلبية” مفترَضة في السيادة على مقاليد الأمة. فالأمة، كما أوضح إلياس مرقص في عدد 28/6/1981 من جريدة السفير، إيضاحاً جيداً، لا يمكن لها أن تصبح أسيرة لمبدأ الأغلبية هذا. وقد ساق إلياس مرقص مثالاً على ذلك قضية كالاس في فرنسا القرن الثامن عشر، حيث تجسدت الأمة بملء إرادتها في رجل واحد ودافعت عن نفسها عبره.

([11])          التي يؤخذ عموماً بترجمتها إلى الفرنسية بـ esprit de corps وإلى الإنجليزية بـ group feeling لكن يمكن توسيع مفهومها لتشمل العصبة نفسها.

[[12]]        إميل دُركهايم (Emile Durkheim): عالم اجتماع فرنسي (1858 – 1917)، كان أستاذاً في التربية والعلوم الاجتماعية، وبحث على رأس مدرسة علم الاجتماع الفرنسية في المجتمعات والقوانين التي تضبطها، عن أساس مضمون لعلم الأخلاق، وسعى إلى أن يجعل من علم الاجتماع علماً له موضوعه ومنهجه الخاصان به، فأكد خصوصية الوقائع الاجتماعية بالنسبة إلى الظواهر العضوية والنفسية، ورأى في هذه الوقائع “أشكالاً للفعل والتفكير والشعور تخرج عن نطاق الفرد ولها قوة قسرية تفرضها عليه”، مما أضفى على نظرته الاجتماعية سمة طبيعية آلية حاول فيما بعد التخفيف منها [المترجم].

([13])          يمكن بصورة تقريبية اعتبار أن الشيعة ينضوون في فرعين أساسيين: الإماميين، أو الاثني عشريين، الذين يشكِّلون الأغلبية الساحقة والذين يعتقدون بتوالي اثني عشر إماماً بعد علي، والاسماعيليين، أو السبعيين، الذين يعتقدون أن هذه المتتالية تتوقف عند الإمام السابع، اسماعيل، الابن الأكبر لجعفر الصادق، الذي حرمه أبوه من الإمامة لصالح أخيه الأصغر. وتختلف الآراء في أصل العلويين، لكن أطروحة نسبهم إلى الشيعة الاثني عشريين تبدو الأكثر إقناعاً. انظر بهذا الصدد: هنري لاوُست (Henri Laoust) “الانشقاقات في الإسلام” (Les schismes dans l’Islam)، منشورات “بايو” (Payot)، 1977، الصفحة 147.

([14])          يرقى الانشقاق إلى المؤتمر الثالث الذي عُقد عام 1969، حيث عارض ‏خالد بكداش، الأمين العام منذ 1936، التوجهات الجديدة التي ظهرت آنذاك لدى أغلبية المكتب السياسي (بشأن مسألة الكفاح الفلسطيني المسلح، وضد تسلط القيادة…)، ‏فاختار إعادة تشكيل حزبه مع بعض أتباعه، حاصلاً على تأييد الحركة الشيوعية العالمية. وهو الآن عضو فى الجبهة الوطنية التقدمية (البعث، والحزب الشيوعي، والناصريين) ‏الحاكمة، في حين أن القادة الأساسيين لـ”المكتب السياسي” – رياض الترك وفايز الفواز وعمر قشّاش … – في السجن منذ تشرين الأول/أكتوبر 1980.

([15])          اقرأ مثلاً شهادة منيف الرزاز، الأمين العام السابق للحزب في كتابه “التجربة المرّة”، الصادر في بيروت عام 1967.

([16])          ‏البلاغ الأول الذي درجت العادة في سوريا الخمسينيات، الفترة “البطولية” ‏للانقلابات العسكرية، على بثه بالإذاعة، إشعاراً للسوريين بتغير حكامهم.

([17])        إدوارد شلز (Edward Shils)، “المثقفون والسلطة، ومقالات أخرى” (The Intellectuals and the Power, and other Essays)، منشورات جامعة شيكاغو (University of Chicago Press)، الطبعة الثانية، 1974، الصفحة 421.

([18])          انظر الصفحة 442 من كتاب “ألف صعيد” الذي سبقت الإحالة إليه، وبيير كلاستر (Pierre Clastres) “جذور العنف” (Archéologie de la violence) مجلة “ليبر” (Libre)، العدد 1، 1977، الصفحتان 171 و172.

([19])          المرجع السابق الذكر، الصفحة 472.

([20])          لا شك أن مثال اللاذقية قد يثير مسألة صلاح المحاكمة المقدَّمة هنا، وصورة ‏المدينة المعروضة فيها. فـ”المدينة العربية” النموذجية في المنطقة هي ‏المدينة السنية بأغلبيتها الساحقة ‏مع أقلية مسيحية من الملكيين أو الروم الأرثوذكس، تينك الطائفتين المدنيتين تقليدياً، كما عليه الحال في حلب وحمص وحماه، وطرابلس في لبنان. أما اللاذقية فقد أخل فيها بهذه التشكيلة الطائفية الوفود العلوي إليها بدءاً من الانتداب الفرنسي. واليوم لا يزال هذا الوفود الطائفي وسيلة ناجعة تستخدمها السلطة لشل مقاومة المدينة، كما في حمص، ‏وكما في حماه حيث أخذ الحديث يجرى عن مشاريع إسكان مدينية ‏”موجَّهة” جهة الأحياء التي دُمِّرت. هذا إذا لم نتشبّث بمثال العاصمة دمشق التي “شوَّهها” التطور “الطبيعي” للمجتمع. بيد أن هذه السياسة الهادفة إلى تعميم شرخ من نمط بيروت الشرقية/الغربية ما تزال بعيدة عن إيتاء النتائج المتوخاة منها، مما يقتضي عدم المسارعة إلى رفض نموذجنا.

([21])          الأمر الذى كانت الشائعات الشعبية تشير إليه بعبارة “حكومة عدس” تلاعباً بالكلام بأخذ الأحرف الأولى من “علوي” و”درزي” و”سمعولي”.

([22])          واضح أننا هنا أيضاً إزاء تفسير مجازي يُرمى منه إلى الإحاطة بالأزمة على نحو أفضل، فمصطلح “رُحَّل” يجب فهمه بالمعنى المذكور آنفاً.

([23])          إرنست جلنر (Ernest Gellner)، “المجتمع المسلم” (Muslim Society)، منشورات جامعة شيكاغو (Cambridge University Press)، 1981،  الصفحتان 25 و26.

([24])          “البعث”، دار النهار، بيروت، 1969، الصفحتان 38 و39.

([25])          حول نقد وتقييم تجربة الحزب، أواخر 1980، الصفحة 270.

([26])          ‏هناك مستوى قراءة آخر جدير بالاهتمام، هو الاستخدام المنتظم لفئة من عمر معين ـــ يراوح بين 15 و25 سنة ـــ للدفاع عن النظام.

[[27]]           نسبةً إلى ماكس ويبر (Max Weber)، عالم الاجتماع الألماني (1864-1920)، الذي أبرز دلالة العلاقة القائمة ‏بين الترشيد الاقتصادي الذى تتسم به المنظومة الرسمالية وبين مذهب الطهر الخلقي الذي قال به المصلح الديني المسيحي جان كلفين (Jean Calvin) (1509-1564)، متأثراً في البداية بالتحليلات الماركسية ثم محاولاً أن يطبِّق على العلوم الاجتماعية منهجاً جامعاً على غرار الفيلسوفين الألمانيين ولهلم دلتاي (Wilhelm Dilthey) وكارل جاسبرس (Karl Jaspers)، بالسعي إلى بناء “نموذج مثالي” لكل عصر تاريخي وبالتشديد على سيرورة الترشيد في العالم المعاصر [المترجم].

([28])          الشعبة نفسها تضم مندوبي عدة فرق (الفرقة هي الهيكل التنظيمي الذي يأتي مباشرة بعد الهيكل القاعدي الأدنى الذي كان يسمى حلقة) وتشمل منطقة جغرافية تعادل تقريباً مدينة صغيرة أو حياً في المحافظات التي يقوم في كل منها فرع.

([29])          يذكِّرنا ماكس ويبر بأن النشاط السياسي يتحدَّد أولاً بأنه يدور داخل ساحة جغرافية معيَّنة. أما في حالة المشرق، فمن الصعوبة بمكان تحديد هذه الساحة، لأن الإنتاج الإديولوجي واللعبة السياسية عربيان قبل أن يكونا أي شيء آخر.

([30])          إن هذه الثورة قائمةٌ الآن، مجمَّعةً حول التنظيم القومي، أي البعث المسمى “عراقياً”، بعث شبلي العيسمي، ومروان حموي (المسجون في دمشق)، وميشيل عفلق طبعاً، وفي تصرفها كالعادة محطة إذاعة تسمى “صوت سوريا الحرة”. لكن إلياس مرقص ينسى فقط ثورة العراقيين في دمشق.

([31])          المقاومة الفلسطينية والموقف الراهن، دار الحقيقة، بيروت، 1971، الصفحة 111.

([32])          في ظل إفلاس الإديولوجية العربية المعاصرة، غدت نصرة الآخر بالنسبة للسلطة وسيلة لا يستهان بها من وسائل اكتساب الشرعية. فيكفي أن تنشر جريدة كولومبية مقال مديح عن سوريا، حتى يسارَع إلى إعادة نشره في الصفحات الأولى لصحف دمشق.

([33])          لا نتطرق هنا إلى مستوى القراءة الاقتصادي الذي يستدعي لوحده تحليلاً طويلاً. لكن إذا قبل المرء أن بالإمكان دائماً كشف “علاقة إنتاجية” وراء أية ظاهرة اجتماعية، فإنه لن يتمالك نفسه عن الضحك عندما يقرأ‏ أن “تمرد شباط/فبراير كان أولاً ردة فعل من صغار حرفيي حماه وتجارها على برنامج التنمية الصناعية الواسع النطاق (كذا) الذي باشره النظام”، كما يرد في مقال بقلم افْريد لوسون (Fred H. Lawson) نُشر في دوريةMerip Reports ‏ (العدد 110، ‏تشرين الثاني/نوفمبر – كانون الأول/ ديسمبر 1982)، ونُشرت ترجمة لمقتطفات منه في عدد آذار/مارس 1983 من الشهرية الفرنسية لو موند دِبلُمَتيك (Le Monde Diplomatique).

([34])          إرنست جلنر (Ernest Gellner)، المصدر السابق الذكر، الصفحة 26.

([35])          إرنست جلنر (Ernest Gellner)، المصدر السابق الذكر، ص96.

([36])          روبرت لوويل (Robert Lowell)  في “السلطة والعنف والحزم” (Power, Violence, Decision)، لـ وليام جيمس ميلار ماكنزي (W.J.M. Mackenzie)، الذي صدر عن “المنشورات الجامعية الفرنسية” (PUF)، مترجماً إلى الفرنسية بعنوان « Pouvoir, Violence, Décision » ، 1979، الصفحة 111.

([37])          ذلك ما يمكن التعبير عنه، حسب مصطلحات ابن خلدون بالانتقال من “المُلْك الطبيعي”، حيث السيطرة ليست إلا عنفاً محضاً، إلى ” المُلْك السياسي”، القائم على المنطق، الذي يقابل السيطرة المشروعة التي يقول بها فيبر.

([38])          في “الطريق الملكي” (La voie royale)، بول فيالانكس (Paul Viallaneix)، منشورات “افْلامَريون” (Flammarion)، 1971، الصفحة 305.

([39])          دولة قائمة على الشريعة. وهي في الواقع تأكيد لمبادئ الشرعية، لا لبرنامج حكم حقيقي، لأن هذا الشكل من السلطة لم يقم قط في التاريخ، باستثناء عهد النبي والخلفاء الراشدين الأربعة. إنها “يوتوبيا تعي أنها طوبويتها”، إذا استعرنا عبارة عبدلله العروي (A. Laroui) في “الدولة في العالم العربي المعاصر، عناصر إشكالية” (L’Etat dans le monde arabe contemporain, élements d’une problématique)، الجامعة الكاثوليكية في لوفان (Université catholique de Louvain)، “مركز دراسات العالم العربي المعاصر” ( Centre de recherches sur le monde arabe contemporain)، “الكراس 3” (cahier n° 3)، 1980، الصفحة 19.

([40])          بيان الثورة الإسلامية في سورية ومنهاجها، دمشق، تشرين الثاني/نوفمبر 1980.

******************

Etat de barbarie_Michel Seurat translated to Arabic by Mahmoud El Ghabbach

اترك تعليق