الثورة السورية… الأداء العسكري والحل السياسي

0
304

عمر عاشور
مع اقتراب الذكرى السادسة للثورة السورية، بدت، من التطورات العسكرية، مفاوضات جنيف الرابعة أقرب إلى الهزل منها إلى الحل. وينبغي التساؤل، مرة أخرى، عن أسباب استعصاء الأزمة حتى الآن.
ربما كان البعد العسكري للصراع في سورية قد انتهى منذ سنوات، لولا التدخل المباشر لقوى إقليمية ودولية. ولعل أبرز الاعترافات بذلك تصريح وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، الشهر الماضي، إن دمشق كانت على بعد أسبوعين أو ثلاثة أسابيع من السقوط، قبل تدخل موسكو. ولو حدث ذلك، وسيطر الثوار على العاصمة السورية، لتيسّر التفاوض على إطاحة رئيس النظام أو خروجه أو محاسبته أو تحقق. ولكن ذلك لم يحدث، فخلافا لما جرى في ليبيا، حيث أنقذ التدخل العسكري لحلف شمال الأطلسي (الناتو) بقيادة فرنسية مدينة بنغازي، عاصمة الثورة، في مارس/ آذار 2011، أنقذت التدخلات الإيرانية والروسية، وتنظيمات مسلحة غير حكومية (سنية وشيعية) من لبنان والعراق وباكستان وأفغانستان، بشار الأسد عدة مرات، إلا أن إنقاذ رأس النظام لا يعني بالضرورة إنقاذ النظام، فقد فقدت قوات الأسد أكثر من مائة ألف قتيل، وعددا مماثلا من الجرحى والمقعدين، وعشرات الآلاف من العسكريين الموالين للثورة، وهذا كله من جيشٍ كان قوامه 320 ألف جندي في عام 2010. وبالتالي، فإن الأسد يعتمد على أكثر من 120 ألف جندي ومقاتل من دول ومليشيات أجنبية، ليسيطر على أقل من 25% من الأراضي السورية. وأياً كان التعريف المختار لمصطلح “نظام” في أدبيات العلوم السياسية، فإنه لا ينطبق على الكيانات العسكرية المسيطرة على أجزاء من دمشق والساحل ومحافظات أخرى. وبعبارةٍ أخرى، كسرت الثورة نظام الأسد عسكرياً، ومن دون دعم جوي لصالحها.
وقد اقتربت الفصائل الثورية من نصر عسكري عدة مرات، خلال السنوات الست الماضية.
كانت المرة الأولى في يوليو/ تموز 2012، عندما اقتحم الثوار دمشق، ليسيطروا على أكثر من ستة أحياء جنوبية وشرقية فيها، مع الهجوم على مبنى الأمن القومي للنظام، ما أسفر عن مقتل كبار قادة الأسد العسكريين، بمن فيهم وزير الدفاع، داود راجحة، ونائبه آصف شوكت، ورئيس مكتب الأمن القومي، هشام بختيار، ورئيس ما تسمى “خلية إدارة الأزمة” حسن تركماني (والخلية هي القيادة العسكرية/ الأمنية العليا لمحاربة الثورة). وأعقب ذلك تقدم الثوار في شمال غرب البلاد، وخصوصا في محافظات حلب وحمص وإدلب، إلا أن هذا التقدم توقف في أواخر 2012 وأوائل 2013، مع تصعيد التدخل العسكري الإيراني المباشر مع قوات حزب الله اللبناني، وغيره من التنظيمات المسلحة غير السورية.
وقد دفعت قوى الثورة القوات الموالية للأسد إلى حافة الهزيمة العسكرية مرة أخرى في يوليو/ تموز 2015، عندما تقدمت قوات المعارضة بثبات تدريجي على المعاقل الساحلية لبقايا النظام في ريف اللاذقية. وبعد شهرين، في 14 سبتمبر/ أيلول 2015، كانت قوات المعارضة من دوما والغوطة تقترب من فصل قوات الأسد في دمشق عن شمال البلاد، عبر التحكم في التلال الاستراتيجية المطلة على العاصمة، وشل الطريق الدولي السريع. ولكن التدخل العسكري والقصف الجوي الروسي في الشهر نفسه أوقف هذا التقدم.
وبالنظر في إطار مقارن، فإن الأداء والقدرات العسكرية للثورة السورية أفضل بكثير من حالات مشابهة أخرى، ثارت ضد الاستعمار أو الاستبداد أو الاثنين معاً، بما في ذلك الثورة الليبية والقوات الثورية الموالية للجمهوريين في إسبانيا الثلاثينيات. ولكن المعضلة تَكمُن في تحويل هذا المجهود العسكري الضخم إلى مكاسب دبلوماسية وسياسية، تُقَرّبْ الثورة من أهدافها. وقد أدى الفشل في ذلك إلى مزيج مذهل من الحقائق والمتغيرات والتحالفات الجديدة. وبحلول نهاية 2016، كان هناك خمسة تحالفات عسكرية تعمل في الداخل السوري بأهداف متضاربة: قوات الأسد وحلفاؤها، قوات معارضة – بقيادات عربية (متعددة الأعراق والمذاهب)، قوات معارضة – بقيادات كردية (متعددة الأعراق والمذاهب كذلك)، جبهة “فتح الشام” (النصرة أو الجناح السوري لتنظيم “القاعدة” سابقا)، وتنظيم “الدولة”. والأخيران، على الرغم من قتالهم قوات الأسد، تتنافر أهدافهم مع أهداف الثورة، سراً وعلناً.
لم تقاتل التحالفات الخمسة بعضها بعضا فحسب، وإنما اقتتلت فيما بينها أيضاً، ويشمل ذلك الاشتباكات فيما بين قوات الأسد والمليشيات الموالية لها، وكذلك الاشتباكات فيما بين وحدات تنظيم الدولة الإسلامية. وبحلول مبادرة وقف إطلاق النار التركية -الروسية، ومفاوضات أستانة التي انطلقت الشهر الماضي (فبراير/ شباط)، زادت حدة التوتر ووتيرة “إعادة التَمَوقُع” بين قوات المعارضة وجبهة فتح الشام، وخصوصا في إدلب، معقل المعارضة المكتظ بالنازحين وبضحايا الأسد والمستهدف جواً بلا هوادة من عدة أطراف دولية. واندمجت، على إثر هذه التطورات، “فتح الشام” مع أربع منظمات محلية ناشطة في الشمال السوري، وهم حركة نور الدين زنكي، و”لواء الحق”، و”جيش أهل السنة”، و”جبهة أنصار الدين”، تحت مسمى “هيئة تحرير الشام”. واستقطبت “التحرير” كذلك فصائل عدة من حركة “أحرار الشام”، وهو ما قدره بعضهم بحوالي ربع قوات “الأحرار” في الشمال السوري، بمن فيهم قائد “الأحرار” السابق، هاشم الشيخ، وهو القائد الحالي “للتحرير”. وفي الوقت نفسه تقريباً، اندمجت خمسة تشكيلات عسكرية أخرى، أهمها “صقور الشام”، و”جيش الإسلام- قطاع إدلب”، و”الجبهة الشامية”، إلى “الأحرار”، لتجنب ضمها “للتحرير” أو الاستيلاء على مواردها. ويترأس تحالف “الأحرار” الجديد قائدهم الحالي علي العمر.
وتعكس هذه التطورات في هياكل المعارضة حسابات موازين القوى، والبقاء أكثر منها التقارب الايديولوجي. فيرى بعضهم الاندماج وإعادة التموقع تكتيكا لتقليل خطر قصف الطائرات بدون طيار والاغتيالات من الجو (في حالة فتح الشام/ النصرة خصوصا)، أو لتقليل احتمالات ضم فصيل لفصيل آخر بالقوة (في حالة الزنكي وغيرها). وبينما يرى تحالف “الأحرار” ضرورة تقبل المسارات الموازية من العمل الدبلوماسي والعسكري المناهض للأسد، يرى تحالف “التحرير” العمل العسكري وحده كفيلا بالقضاء على بقايا النظام وإخراج القوات الأجنبية الموالية له.
وتعكس رؤية الطرفين مآزق استراتيجية مرت بها معظم القوى الثورية المسلحة في العصر الحديث، ليتجاوزها بعضهم ويفشل آخرون. مأزق “الأحرار” الرئيسي يتمثل في عدم القدرة على استثمار المكاسب العسكرية في المفاوضات الدبلوماسية، وذلك في ظل لامركزية القيادة العسكرية، وأيديولوجية مُتَبناه فيها أبعاد طائفية ورجعية، وعدم اتفاق بقية الفصائل، ذات الثقل العسكري، على تَقَبل المسارين، وعدم وجود خطط واضحة على المديين، المتوسط والطويل. وأما تحالف “التحرير” فلديه مأزق أكبر بكثير. فبعيداً عن تصنيف قوته الضاربة (فتح الشام/ جبهة النصرة سابقاً) منظمة إرهابية (فالدول قد تتفاوض وتتفق وتتصالح وتتحالف مع الإرهابين، لو لديهم قوة عسكرية ومرونة سياسية كافية، كما حدث في حالات أخرى)، وبعيداً عن أن قدراتهم العسكرية لا ترقى إلى طموحاتهم (فالمفاجآت قد تحدث، وأطراف ضعيفة عسكرياً ومنبوذة دولية انتصرت في حالات أخرى)، وبعيداً عن شدة التطرف الأيديولوجي والطائفية المقيتة، ورفض أغلبية القوى الثورية، والسوريين عموماً، لهما، فإن مأزق “التحرير” عمليا هو عدم وجود استراتيجية قابلة للتنفيذ. فمن مسلمات الاستراتيجية، كما يوضح أحد أهم منظريها الجنرال الألماني كارل فون كلوزفيتز، أن الحرب هي إحدى أدوات السياسة، وأن الجهد العسكري يجب أن يخدم الهدف السياسي، وإلا صار ذلك الجهد هو بعينه “الضوضاء قبل الهزيمة”، كما يوضح منظّر استراتيجي من قارة وقرن آخرين، هو القائد الصيني صن تزو.
وفي ظل الأولويات والأهداف المتضاربة بين القوى الإقليمية، وشبه انعدام الضمانات والالتزامات الجادة بوقف إطلاق النار، ورغبة بقايا النظام في إفشال أية عملية تغيير، ولو إصلاحية تدريجية، ينبغي للمعارضة، بيسارها ويمينها، إعادة التفكير في استراتيجيتها ومواردها ومركزيتها وصراعاتها الداخلية، لأن المرجّح، في ظل المعطيات الحالية، هو استكمال جولة أخرى من الصراع المفتوح في السنة السادسة، مع الأسف.

اترك تعليق