قراءة نقدية لـ “نداء إلى شعبنا السوري”

0
509

علي العبدالله
أصدرت شخصيات سورية معارضة وثيقة سياسية تحت عنوان “نداء الى شعبنا السوري”، وثيقة مطولة: 9 صفحات أو 3805 كلمات، انطوت على ملاحظات نقدية هامة لمسيرة الثورة واقتراحات لاجراء تغييرات محددة لتصحيح مساراتها.
أفتقدت الوثيقة الى عاملين هامين هما: نظرة واقعية مسؤولة لمراحل الثورة وتطورها وتحولها، وتحديد المسؤوليات عن التحولات التي حصلت على ساحة الصراع وقادت الى تغييب الثورة لصالح صراعات وخيارات غير وطنية تديرها قوى غير سورية. وهذا جعل الوثيقة قاصرة وضعيفة الصدقية.
اعتمد اصحاب الوثيقة صيغة مبتسرة لعرض واقع الثورة ومشكلاتها قائمة على نقد ما اعتبروه أوهاما سيطرت على أذهان الثوار والمعارضين قادت الى الوضع الراهن. ومع التسليم بصحة كثير من هذه الملاحظات إلا أنها لم تنجح في تصوير مسار الثورة وتحدد سبب انكسارها وخروجها عن سياقها المنطقي والسليم. بدأ خلل تصوير الوثيقة من حديثها عن “ثورة” ونقد للخيارات والممارسات التي عرفتها علما أنها لم تبدأ ثورة عند انطلاق تظاهرات الاحتجاج بل كانت اقرب الى ردة فعل أو هبة في وجه صلف وعنجهية رجال النظام شّجع تفاعل الشعب معها قوى شبابية تمتلك رؤى وحسا سياسيا على التحرك لتحويلها الى ثورة مكتملة الاركان عبر تشكيل التنسيقيات لتنظيم التظاهرات وتوفير مستلزماتها على مستويات الاعلام بداية والخدمات الطبية والاغاثة لاحقا ما زاد في وتيرة التظاهرات ووسّع المشاركة الشعبية فيها. شكّل هذا المتغير لحظة مفصلية على صعيد المواجهة بين النظام والشارع من جهة وتحرك المعارضة الحزبية من جهة ثانية حيث حدد النظام عامل الخطر في الحدث الثوري بشباب التنسيقيات وقادتها وواجههم بالقتل المباشر والاعتقال والتصفية داخل اقبية المخابرات والعمل على عزلهم سياسيا واجتماعيا عبر إطلاق مئات المعتقلين من اتباع السلفية الجهادية لاغراق التنسيقيات والثورة في سياقات متناقضة وتخويف الغرب والاقليات منها وقطع الطريق على امكانية التعاطف معها وتبني أهدافها، وعبر الانفتاح على أحزاب المعارضة واستدراجها الى مسار خادع بالدعوة الى الحوار للاتفاق على التغيير المطلوب. دعوة لقت استجابة لدى احزاب وشخصيات معارضة لانها تفاجأت بالحدث الثوري ولم تكن مستعدة لملاقاته،(كانت قيادة اعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي قد أصدرت يوم 24/2/2011 بيانا دعت فيه القوى السياسية السورية الى الاستعداد لملاقاة رياح التغيير التي بدأت بشائرها تلوح في الافق لكن احدا لم يهتم او يستجب لهذه الدعوة) ولأنها رأت فيه خطرا على دورها وتاريخها “النضالي”، فلعبت دورا سلبيا عبر الحديث باسم الثورة دون اتفاق أو تنسيق مع قواها الفعلية من جهة وبالعمل على فرض برامجها القديمة وخططها على حدث غير تقليدي من جهة ثانية(عقدت لذلك مؤتمرات وشكلت تكتلات سياسية بنفس المنطق القديم والخيارات التقليدية)، والسعي الى احتوائها باختراق بعض تنسيقياتها أو تشكيل تنسيقيات خاصة بها من جهة ثالثة. لقد انكسرت الثورة ودخلت سياقات غير منسجمة مع مستدعياتها عندما سحق قمع النظام حركة التنسيقيات بالإضافة الى الانعكاس السلبي لبروز جماعات اسلامية متشددة على الساحة تطرح خيارات وتوجهات ليس لا تتقاطع مع الثورة ولا تشكل إضافة الى وزنها وفعلها فقط بل وتحسم من رصيدها كذلك، ولانخراط دول عربية وإقليمية ودولية لها حساباتها ومصالحها وأهدافها التي لا تتفق مع ثورة شعبية، فكيف مع انتصارها، على خط الحدث وتغذية الصراع وجره لتحقيق تلك المصالح والأهداف على حساب تضحيات وبطولات الشعب السوري.
لم تنجح قيادة التنسيقيات في توحيد صفوفها وفرز قيادة موحدة للحراك الثوري وهذا، مع خسارتها لمئات الكوادر الخبيرة وتشتت جهودها وتفاضلها، قضى على محاولة تحويل الهبة الشعبية الى ثورة. بقيت الهبة متقدة لكن دون قيادة مركزية أو برنامج محدد فتعددت الخيارات والولاءات وتشتت القوى فضعفت فعاليتها وتآكلت نجاحاتها الأولى.
تتقاطع هذه القراءة مع بعض ملاحظات “النداء” وتختلف معها في أخرى مثل ربطها عدم نجاح الثورة في تحقيق أهدافها بـ “العوامل الدولية والإقليمية غير المواتية للثورة”، فالثورة الناجحة تؤثر في العوامل الإقليمية والدولية وتستدرجها الى موقفها وتأييدها والقبول بانتصارها، ناهيك أنها قالت في قسم الاقتراحات كلاما أكثر منطقية ومعقولية حين دعت الى “ومن جانب أخر فإن ثورتنا معنية بإيجاد التقاطعات بين أهدافها وبين سياسات الدول الفاعلة المساندة لحق شعبنا بالتخلص من النظام، لأنه من دون ذلك، فإن العالم لن يسمح لنا بتحقيق أهدافنا”، أو قولها بنشوء جبهة النصرة “بشكل مريب”، مع انه تم بظروف معروفة ومن قبل قوى موجودة على الساحة العربية والإسلامية، أو قولها “ناهيك عن اقتتال الفصائل فيما بينها، في ظاهرة غريبة تمثلت بقيام إسلاميين بقتل إسلاميين” حيث شهدنا مثل هذه الظاهرات كثيرا في أفغانستان وباكستان والجزائر والعراق، أو قولها “وكما شهدنا، فقد طغت العفوية والتجريبية والمزاجية والقدرية على الثورة في كل شيء، وكان ذلك طبيعيا ومفهوما في البدايات، لكنه بعد مضي عام تلو العام، اتضح أنه يثقل على الثورة، ويبدّد تضحيات شعبنا، حيث لم تتوفر للثورة قيادة واقعية وعقلانية، بل لم يتوافر لها أي شكل من أشكال القيادة، لا في السياسة ولا في العسكرة”. هنا يبرز خلل قراءة أصحاب الوثيقة لمسار الثورة لأنها بدأت بالتراجع وتآكل الانجازات مع مرور الوقت ما جعل إمكانية الالتفات الى عوامل القصور والتقصير مستحيلا.
في حديث الوثيقة عن “مهمات في مسار جديد للثورة السورية” اقتراحات عامة وفضفاضة مثل الحديث عن “استعادة ثورتنا لخطاباتها أو لمقاصدها الأساسية، التي انطلقت من أجلها، بتأكيد طابعها كثورة وطنية ديمقراطية، ثورة تهمّ شعبنا بمختلف مكوناته الدينية والمذهبية والأثنية والمناطقية، ثورة تقوم من أجل التحرر من نظام الاستبداد والفساد، وإقامة دولة مؤسسات وقانون ومواطنين أحرار ومتساوين في دولة مدنية، تنتهج النظام الديمقراطي وتوفر العدالة الاجتماعية في الحكم، وفي العلاقة بين سائر مكونات المجتمع والدولة”. كلام مرسل يتجاهل أن الهدف المشار إليه لم يكن محط إجماع وطني وان ثمة تباين في الأهداف خلال مسار الثورة، مرحلة الهبة تريد إصلاح الأوضاع، مرحلة محاولة تحويل الهبة الى ثورة طرحت الخيار الوطني الديمقراطي لكن دون أن تنجح في تحويله الى هدف عام. كان على أصحاب الوثيقة ترويج هذا الهدف والمطالبة بتبنيه من قبل السوريين. والحديث عن “الاشتغال على بناء كيان سياسي جمعي جبهوي للسوريين، تعترف الأطراف المشكلة له ببعضها، بمشتركاتها واختلافاتها، وتجتمع على الهدف الأساسي للثورة، بغضّ النظر عن الخلفيات الفكرية، وبعيدا عن العصبيات الأيدلوجية أو الهوياتية أو الدينية. هذه مهمة ملحّة لنا كسوريين، وينبغي علينا الاشتغال عليها، لملء الفراغ الحاصل، سيما أن الائتلاف بواقع عجزه وانغلاقه وضعف أهليته وقصور تمثيله ومشاكله التنظيمية، لم يستطع أن يرسّخ مكانته عند شعبنا، ولم يستطع أن يأخذ دوره في صياغة خطابات جمعية تعبر عنه، ولا قيادة كفاحه” كاقتراح ثاني جاء دون التدقيق بصحة استبدال الأطر كطريق للخروج من التعثر والفشل وأمامنا تجربة إقامة “الائتلاف” على جثة “المجلس الوطني السوري” والتي تمت بقرار خارجي بالكامل وشهدت تسابق بعض موقعي الوثيقة للانخراط في الجسم الجديد إما نكاية بقوى في “المجلس” أو تنفيذا لرغبة دول راعية أو كوسيلة للحصول على مقعد في الصفوف الأمامية للمعارضة. وأما الاقتراح الثالث “أهمية إعادة تنظيم الشعب، وبناء كياناته السياسية والمدنية، لإطلاق موجة جديدة من الكفاح الشعبي” فتكرار نمطي لحديث يبجل التنظيم والشعب المنظم.
تبقى ملاحظة جوهرية على مدى صدقية أصحاب الوثيقة ومدى التسليم بثباتهم على هذا الموقف، وهذا يستدعي إجراء نقد ذاتي علني والاعتذار للشعب عن دورهم في التعثر الذي أصاب الثورة في مراحلها المختلفة بسبب مواقفهم وتقلب أمزجتهم والصراعات الهامشية التي انخرطوا فيها واستسلامهم لرغبات الدول الراعية، فبعضهم تقلّب وغيّر كتله وولاءاته، وبعضهم بقي “تحت سقف الوطن” حتى خرج أو أخرج أولياء نعمتهم من السلطة فتحولوا الى معارضة بين ليلة وضحاها، وبعضهم هلل لجبهة النصرة واعتبرها قوة رئيسة في الثورة، ناهيك عن ان وجودهم خارج الوطن أضعف صدقيتهم وأفقد مواقفهم واقوالهم وزنها المادي والمعنوي بالنسبة للمواطنين الذين دفعوا ثمنا باهظا لانخراطهم في الثورة واحتضانهم للثوار.

“المدن”

اترك تعليق