صلاح حسن: في سيكولوجيّة اللجوء

0
1465

في بلدان العالم الثالث والشرق الأوسط، يتداول الناس أفكاراً غريبة وأوهاماً كثيرة عن اللجوء الى أوروبا وأميركا وأستراليا، مردّها الجهل الكامل بالقارة الأوروبية أو الأميركية وقوانينها وثقافتها لدى الباحثين عن اللجوء إليها. فغالباً ما يسمعون قصصاً من أقربائهم أو أصدقائهم الذين سبقوهم، تتحدث عن السهولة الغريبة في العيش الرغيد هناك والإمكانات الكبيرة المتاحة للاجئ كي يعيش سعيداً الى الأبد.

من كان يعيش مشرداً على الأرصفة أو في غرفة حقيرة لا تتعدى مساحتها الأربعة أمتار ولا يستطيع دفع إيجارها التافه، سيجد البيت الذي تمنحه له الدولة المضيفة قصراً، على رغم أن مساحته لا تتجاوز الثلاثين متراً، أضف الى ذلك المساعدة الاجتماعية البسيطة التي يعتبرها اللاجئ كنزاً. لكن هذا الحلم لا يتحقّق بالسهولة التي يتصوّرها الجميع، لأن على اللاجئ أن يقيم أولاً في معسكر بعيد من المدن للتأكد من المعلومات التي قدّمها عن نفسه، وقد تستمر إقامته هناك سنوات طويلة.

يحمل اللاجئ غالباً، صورة متخيّلة عن هذه البلدان تبدو في معظم الأحيان «استغرابية» تشابه الصورة الاستشراقية التي كان يحملها الغرب عن الشرق الأوسط ودول العالم الثالث، ويترتب على هذه الصورة المتخيّلة أثناء التعامل اليومي كثير من الأخطاء الشنيعة التي تصل الى حد الصدمة التي ستكون ثقافية بحتة، وقد تؤدي الى انقلاب على الذات لا تُحمد عقباه لأنه سيأتي كارثياً.

يمر اللاجئ الذي يُقبل بعدد من المراحل لتأهيله نفسياً واجتماعياً وثقافياً للاندماج في المجتمع الجديد الغريب تماماً، بدءاً باللغة والعادات والتقاليد والثقافة اليومية، بحيث يجد في المستقبل القريب عملاً يلائم قدراته. وهذه المرحلة تستغرق، بالنسبة الى المتعلمين أو الدارسين في جامعات بلدانهم، لكن الذين لا يملكون هذه المؤهلات قد يحتاجون سنوات طويلة لكي يفهموا طبيعة المجتمع الجديد، وقد لا يستطيعون فتكون النتيجة مرعبة في النهاية.

نحن نتحدث هنا عن الأسوياء من اللاجئين، ونقصد الذين لم يتعرضوا للسجن أو التعذيب، أما الحالات الخاصة فمسألة عويصة تحتاج الى دراسة مستفيضة. غير المتعلمين، وهم الفئة الأكبر من طالبي اللجوء، ستكون حياتهم أكثر شقاء لأنهم لن يستطيعوا أن يتعلموا بسرعة ويتأقلموا مع المجتمعات الجديدة، وبذلك ستتعرض حياتهم النفسية للتدمير الكامل وتتشظى هويتهم ويفقدون أرواحهم لأنهم سيفقدون انتماءهم الأصلي ويعتزلون المجتمع ويعيشون في كآبة دائمة.

وهناك طريقتان للعيش في هذه المجتمعات الجديدة، الأولى بتعلّم اللغة والبحث عن عمل والانخراط في المجتمع الجديد ومعرفة بعض تاريخه وعاداته، وتخفيف الهوة بين ثقافة اللاجئ وثقافة البلد المضيف. والثانية، بناء أسوار عالية والعيش في عزلة عن المجتمع الغريب تؤدي الى الكآبة وربما الانتحار، وهو ما يحصل كثيراً.

وهناك أمثلة عدة عن جدوى الطريقة الأولى، والتي أنتجت كثيراً من الطاقات الخلاقة التي أصبحت مؤثرة في هذه المجتمعات، سواء في السياسة أو الثقافة أو الفكر أو العلم، وأكثر منها أمثلة عن الفشل والسقوط والانتحار.

والمسألة التي تحظى بعظيم الأهمية هي ما جرى في مدينة كولن الألمانية من تحرّش بالنساء ليلة رأس السنة. وما يزيد في تعقيد المسائل الجهل باللغة، حيث وصف أحد اللاجئين بكلمة مختصرة ومؤلمة، قائلاً: «اللاجئ المشرد حيوان مريض لا يستطيع أن يشرح للطبيب بما يشعر».

 

 

* كاتب عراقي

اترك تعليق