المحلل الاستراتيجي السوري الدكتور عبدالله تركماني لـ " شرفات " – عمان الخطاب العربي ما زال مسكونا باللغة الإنشائية .. ولا يقدم حلولا ملموسة

    0
    945

    يعد الدكتور عبد الله تركماني واحداً من الباحثين العرب في القضايا الإستراتيجية. ولد في اللاذقية/سورية سنة 1948، تحصّل على دبلوم في التاريخ العربي المعاصر من جامعة الجزائر سنة 1983، ودكتوراه في التاريخ المعاصر من جامعة تونس سنة 2001. ألّف وشارك في العديد من الكتب التي تتناول قضايا سياسية وفكرية، حيث نشر ستة كتب وشارك في نشر سبعة عشر كتاباً جماعياً، منها: مقاربات حول قضايا التنمية والديمقراطية وحقوق الإنسان في الوطن العربي (1995)، الأحزاب الشيوعية في المشرق العربي والمسألة القومية من العشرينيات إلى حرب الخليج الثانية (2002)، الفضاء العربي وتفاعلاته في التاريخ المعاصر (2006)، تعاظم الدور الإقليمي لتركيا ( 2010 ). ومن الكتب الجماعية: الثقافة العربية والتحديات الراهنة (2006)، الإسلاميون والحكم في البلاد العربية وتركيا (2006)، التراث العربي والحوار الثقافي (2007)، الديمقراطية والتنمية المستدامة بالمغرب العربي وأوروبا (2010)، مجتمع المعرفة والبحث العلمي في البلاد العربية: الوضعية والآفاق (2010).

     *كيف تقيمون الوضع على الساحة العربية بعد الانفجار الغاضب للشارع العربي وما هي آفاق انعكاساته على البيئة العربية اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً.

    يجدر بنا الاحتياط من أحكام القيمة المبنية على التداول الإعلامي السطحي والتوجه نحو أحكام الواقع، خاصة أنّ الصورة لم تتضح بعد بفعل تعقيدات الواقع العربي، مما يستوجب الاحتياط من الأحكام والمقاربات المتسرعة. لذلك نتساءل: هل هو انفجار غاضب أم ثورة أم انتفاضة أم حراك شعبي هادف أم ربيع ديمقراطي عربي ؟

    إذ يبدو أنّ المعطيات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية أساسية في فهم تطورات الحراك الشعبي العربي، حيث تضافرت مجموعة من الأسباب حولت فئة الشباب من فئة عمرية إلى فئة اجتماعية موحدة تتبنى المطالب نفسها رغم اختلاف الانتماءات. ولعل أهم ظاهرة الآن على هذا الصعيد تستحق البحث المعمق، هي دور الشباب في التغيير الاجتماعي، أو بوصفهم حاملاً اجتماعياً لعملية تغييرية عربية عميقة ذات بعد تاريخي.

    على أنّ هذا الحراك لم تقوده فئة أو تيار سياسي أو قوة اجتماعية واحدة، وهو يدخلنا في مراحل انتقال محتمل إلى الديمقراطية، وقبل ذلك إلى احتمال التكوّن كشعوب متصالحة مع نفسها وبلدانها وحدودها وعروبتها، قادرة على تأسيس إجماعاتها الحرة داخل تلك الحدود، مما يسمح لنا بالحديث عن ربيع ديمقراطي عربي.

    ومن المؤكد أنّ الحراك الشعبي في أكثر من قطر عربي هو مآل سياسي وثقافي حتمي لعقود من تهميش الإنسان العربي، إنها نهاية رهانات أخيرة لجيل من أتباع عروبة لم تنجز النهضة المنشودة، عبر الأنموذج العسكريتاري الانقلابي وما رافقه من جرائم بحق المجتمع وتحكيم أقلية بأكثرية وعسكرة وسجون وتركيب عصبيات ما قبل وطنية.

    إنّ الرسالة التي بعثها الربيع الديمقراطي العربي تقول: إنّ الشعب اكتشف ذاته، وأكد حضوره بقوة على مسرح التاريخ، ليأخذ مصيره بيده. بعد أن تيقن أنّ قضية الحرية هي إحدى أهم قضاياه المؤجلة، فهو الأقل تمتعاً بالحرية بين شعوب العالم، إذ لم تنشأ في العالم العربي دولة الحق والقانون التي من شأنها أن تشكل ضمانة لحقوق الإنسان وحريته، ولم تراعَ إرادة المواطنين في تشكيل الأنظمة السياسية، فكان العقد الاجتماعي اعتباطياً ومفتقراً إلى الشرعية الدستورية، حتى أنّ دول العالم العربي اعتُبرت استثناء في عصر الديمقراطية وحقوق الإنسان والتنمية المستدامة.

    ومن الواضح لجميع من يتابعون الوضع العربي الراهن أنه يمر في طور انتقالي، وأنّ النظم العربية جميعها تجد نفسها في مواجهة الحاجة إلى تغيير جدي. ومن المرجح أنّ هذا الطور الانتقالي سيفضي إلى قيام نظم تعيد إنتاج الدولة والسلطة والمجتمع في حاضنة المواطنة وحقوق الإنسان والمساواة والعدالة والدولة المدنية، التي تكفل حريات المواطنين، بغض النظر عن دينهم أو انتمائهم الطبقي أو أصلهم، وتعاملهم كذوات قانونية حرة متساوية في الحقوق والواجبات وفي فرص العمل  والتعليم والتقدم. وكيفما ستجري الأمور، ستبقى تونس ومصر المرجعية الدستورية والديمقراطية الأولى التي سترنو إليهما الشعوب العربية.

    أما عن آفاق الحراك الشعبي العربي في أكثر من قطر فهي مرتبطة بمدى قدرة النخب الفكرية والسياسية على إنجاز متطلبات التحول الديمقراطي، وإلا فإنّ الفشل سيؤدي إلى البقاء في قلب المشكلات الموروثة عن أنظمة الاستبداد، بل قد تتولد أزمات أخرى جديدة تخنق المواطن العربي في عيشه وحياته. وفي المحصلة يبدو أننا نتجه نحو عالم عربي سيشهد مخاضات على مدى بضعة سنوات قبل أن يجد توازنه.

    * هل تحمل الثورات العربية اليوم مشروعها الذي بإمكانه أن يجنبها أفق سرقتها كما يقولون أو سحب البساط الثوري ومشروعيتها من تحت أقدامها ؟

    اليوم، تتجدد انطلاقة الثورتين الرائدتين التونسية والمصرية، بعد أن تبين كم تحاول قوى النظام القديم والأمر الواقع كبحهما ووضع العراقيل في سبيلهما، وكم يتهددهما خطر وقوعهما في رتابة وتكرارية الحياة السياسية اليومية ما بعد الثورية، وكم يواجههما من مقاومة على يد الأجهزة الحاكمة، الحاملة للنظام، الذي ما أن أسقطت رأسه حتى تقدمت كي تمسك بالوضع العام، وتنتزع عنان القيادة من يد الشباب الثائر والجماهير العريضة، وتعيد إنتاج النظام في الظرف الجديد، فيتمكن من احتوائه ورده إلى حالة قريبة من الحالة السابقة للثورة.

    لقد قامت الموجة الأولى من الربيع الديمقراطي العربي بكنس رموز في النظم منتهية الصلاحية، وها هي تنطلق من جديد كي تكنس بعض ركائزها وقواها وتحتل مواقعها، وهي ستدخل بعد زمن – يقصر أو يطول – في موجة ثالثة ستقضم خلالها المزيد من بنية هذه النظم وشخوصها، إلى أن تنجز ما وعدت نفسها والشعوب العربية بتحقيقه: الحرية والعدالة والمساواة والدولة الديمقراطية المدنية. من هنا، أعتقد أنّ الربيع الديمقراطي العربي الحالي سيستمر لفترة طويلة، وسيعرف حالات تقدم وتراجع، نجاح وفشل. ولكن من المؤكد أنّ العرب انطلقوا في طريق جديدة لن يرجعوا عنها، مهما كانت المصاعب التي سيواجهونها، حتى يحققوا مطالبهم: الحرية والكرامة والمواطنة.

    وفي ظل الحديث عن إحداث تحولات عميقة، اجتماعياً وثقافياً وسياسياً واقتصادياً، ما زلنا نلاحظ شمول الخطاب العربي على لغة إنشائية خطابية لا تقدم حلولاً ملموسة ولا تتعامل مع الواقع، خطاباً هائماً يسبح في فضاء واسع وفضفاض ولا يتعامل مع قضايا محددة وفق رؤى نابعة من قضايا الواقع ومشكلات وطموحات شعوبنا. ويخطئ من يعتقد أنّ المسألة تنحصر في خطاب أيديولوجي معين، فتيارات الأمة كلها معنية بصياغة خطاب عربي عصري يتضمن أصالة شعوبنا، ويستوعب مجمل التوجهات الحضارية والمدنية المعاصرة، ويستشرف مصالح وأهداف الأمة. وإننا إذ نمارس النقد العلمي للوعي العربي التقليدي نطمح إلى القطيعة مع كل ما هو متأخر فيه لربطه بالكونية والتقدم والديمقراطية، لأنّ هذا المضمون يشكل النقطة المركزية للمستقبل العربي.

    إنّ مقاربتنا للربيع الديمقراطي العربي تريد القول بأولوية معركة التقدم والارتقاء الحضاري على ما عداها، فلو كانت مدارسنا وجامعاتنا من مستوى لائق، وبرلماناتنا تنهض بأدوارها التمثيلية والتشريعية والرقابية، وسلطاتنا القضائية تضمن العدالة للسكان بدل بيعها لمن يستطيع الشراء، ومواطنونا يستطيعون انتقاد حكامهم على نحو ما غدا شائعاً في تونس ومصر، ولو كانت سجوننا خالية من سجناء الرأي والضمير. لو كان كل ذلك لما لاحقتنا الهزائم والانتكاسات منذ نكبة العام 1948 إلى مرحلة التشرذم التي نشهدها منذ الاحتلال الأمريكي للعراق في العام 2003.

    إنّ مواكبتنا لإرهاصات الربيع الديمقراطي العربي نابعة بالضبط من كونها تستأنف التاريخ الذي جُمِّد وعُلِّب طويلاً، وتوفر الحرية بوصفها حقاً إنسانياً أولياً كما بوصفها فرصة للذات كي تفعّل ذاتها، بغض النظر عن الوجهة التي ستتغلب على التفعيل هذا. وهذا، بطبيعة الحال، لا يعني الاكتفاء بالوقوف إلى جانب الانتفاضات والتصفيق لكل ما يصدر عنها، ومن ثم الاستغناء عن النقد وعن محاولة التصويب ما أمكن التصويب.

    إنّ حركة التغيير التي يطمح  إليها شباب ميادين الحرية في مختلف الأقطار العربية ستواجه صعوبات لم تستعد لها، سواء من داخل الأنظمة التي سقطت رؤوسها وبعض رموزها لكنها لما تسقط فعلياً، وإنّ اطمئنانها إلى مسيرة الثورة العربية قد اهتز، وعادت الأسئلة التي كان قد طمسها الفرح بإنجاز التغيير أو بقرب اكتماله. ولسوف تخوض هذه الثورات تجارب قاسية قبل أن تبلور خط سيرها إلى أهدافها، وقد تحصل فيها انشقاقات وتصادمات مع قوى الماضي، وحول خط السير إلى المستقبل. ومن المهم مراقبة التطورات في تونس ومصر وفهم ما يجري في هذين البلدين السباقين في ربيع الثورات العربية، إذ أنّ ذلك سيؤثر كثيراً على الحراك الشعبي في ليبيا واليمن وسورية …

    وبعد أشهر من التفاؤل والأمل الكبيرين اللذين فجّرهما نجاح الثورتين التونسية والمصرية، يقف العالم العربي في مفترق طرق مملوء بالتحديات نتيجة المشكلات والصعوبات الكبيرة والمتعددة التي يفرزها الواقع بكل تعقيداته وتناقضاته، فقد اتضح للجميع أنّ مشكلاتنا ليست مرتبطة فقط بوجود أنظمة ديكتاتورية متسلطة، ولكنها ناجمة أيضاً عن أزمات هيكلية مصاحبة لبنية المجتمعات العربية التي تفتقد في مجملها ثقافة الاختلاف واحترام الرأي الآخر، وتخلط بين المستويات المتعددة للخطابات المستندة إلى مرجعيات متداخلة بل ومتناقضة في الكثير من الحالات.

    وعليه فإنّ الرغبة في حماية ربيع الثورات العربية حتى تحقق أهدافها في مأسسة الديمقراطية والتعددية وقيم المواطنة ودولة الحق والقانون والعدالة الاجتماعية، يجعل كل من يحرص على تجسيد هذه الأهداف يتوجس خيفة من أن تتحول بعض مظاهر الانقسام السياسي إلى خريف سياسي يقضي على الأحلام الكبيرة والآمال العريضة التي فجرتها هاتان الثورتان في نفوس كل أبناء الأمة العربية، الذين يتمنون الوصول إلى تحقيق قطيعة نهائية مع أنموذج الدولة القمعية التي أجهضت طموحات ملايين الشباب وتطلعاتهم.

     *ما الذي يميز الساحة التونسية ـ مختلف مواقف النسيج الوطني ـ  في تعاطيها مع ثورة جماهير شعبنا التونسي بعد رحيل الطاغية.

    يبدو لي أنّ العديد من الأحزاب السياسية يريد أن يستفيد أكبر استفادة ممكنة من منجزات الثورة على المستوى السياسي من دون الالتزام الجدي بتنفيذ استحقاقاتها من أجل الوصول إلى تكوين مجتمع سياسي تعددي حقيقي. مما يجعل التونسيين يؤمنون بأنّ ثورتهم ستواجه على المدى القصير محاولات تهدف إلى الالتفاف على مبادئها والسطو على مكتسباتها من قبل جهات تريد أن تستفيد من حالات الضعف المرحلي للدولة من أجل تحقيق أجنداتها السياسية، مستفيدة في ذلك من تواطؤ أوساط اجتماعية، لا تعي خطورة وأهمية المرحلة التاريخية الحالية، وتسعى إلى تحقيق مكاسب ظرفية، بصرف النظر عن الضريبة السياسية التي يمكن أن تُدفع مقابل تحقيق هذه المكاسب.

    وبالرغم من ذلك فإنّ تونس تسير بخطى ثابتة على الدرب الصحيح، وإن كان وعراً بعض الشيء، نحو التحول إلى ديمقراطية راسخة متعددة الأحزاب. ولكنّ عدم الالتفات الجدي نحو تدهور الوضع الاقتصادي، وعدم الوعي بضرورة رفع مستوى المعيشة وتلبية الحاجات الأساسية للفئات الضعيفة، يمثلان ضربة قاضية لمبادئ وشعارات الثورة. مما يتطلب عودة الأمن والاستقرار، والحفاظ على استمرارية مؤسسات الدولة والدفاع عن النظام الجمهوري وعلى الحداثة والتنوير كقيم ناضل من أجلها التونسيون طيلة سنوات وذلك بتحديد الأولويات التي يلتقي حولها التونسيون الآن وهي الدفاع عن مكتسبات الثورة وأولها المواطنة والحرية والديمقراطية.

    وإذا كان عنوان المرارة والمعاناة هو الذي سيطر على التونسيين في العقدين الأخيرين، فإنّ عنوان التفاؤل هو السائد الآن، على خلفية ثورة الحرية والكرامة والإرث الحضاري والسياسي والنضالي العريق للشعب التونسي الحر.

     *بماذا تفسر إطلاق تسميات من قبيل ” ثورة الياسمين ” و ” الثورة الناعمة ” على الثورة التونسية التي عبرت عن عقود  من القهر التي دفع ضريبتها أحرار تونس ؟

    لا بد من الاعتراف بأنّ الثورة الشعبية التونسية، بالرغم من بعض المظاهر غير الحضارية التي رافقتها، قدمت مثالاً عن دولة وشعب ووعي وثقافة هي أقرب إلى المدنية الحديثة. فلم تتحول إلى مجازر مروعة، وربما يعود ذلك،  في جزء جوهري منه، إلى انتظام غالبية الشباب التونسي في جمعيات مدنية، قد تكون شللية أحياناً، جرى تخصيبها سياسياً في لحظة تاريخية حساسة.

    إنّ أروع وأهم ما في الثورة التونسية هو أنها سلمية، وهي بذلك تخلق أنموذجاً مهماً، يُفترض فيه ألا ينسحب لفوضى لاحقة، تضيع منه كل المكاسب التي تحققت.  ولاشك أنّ الدور الكبير الذي لعبته النخبة المثقفة والطبقة المتوسطة الشبابية، حيث شاهدنا أصحاب ربطات العنق في الشوارع وهم يفجرون ثورتهم السلمية بكل أناقة، قد وسم الثورة التونسية بأنها ” ثورة ناعمة “.

    ومما لاشك فيه أنّ الذي يجعل الثورة التونسية قادرة على استكمال إنجاز التحول الديمقراطي هو التكوّن التدريجي لكتلة شعبية تاريخية، متناغمة ومتفاهمة، تضم أحزاباً ونقابات وجمعيات حقوقية ومهنية وثقافية  وجمهوراً غفيراً من المستقلين وخصوصاً من جيل الشباب.

    * اختلفت الثورات العربية من قطر إلى آخر اتخذ في بعضها بعداً دولياً مدوياً كما هو الحال في ليبيا. ألا تعتقد أنّ هناك أجندات خارجية حقيقية لهذه الثورات.

    على الرغم من أنّ الربيع الديمقراطي العربي ألغى، إلى حد كبير، الخصوصيات والحدود وأظهر وحدة الشعوب العربية، الرازحة تحت نير الاستبداد والتواقة للحرية، وقد توحدت صرخاتها بشعارات ويافطات موحدة، إلا أنّ كل شعب على حدة ابتكر وسائله وأساليبه واجترح لنفسه منهجاً خاصاً به، كما أنّ كل ثورة وتجربة اصطبغت بمميزاتها وأنتجت عبرها ودروسها. ففي الوقت الذي اتسمت فيه الثورتان التونسية والمصرية بالسلمية، بسبب الموقف المتميّز لجيشي البلدين، فإنّ ليبيا واليمن وسورية شهدت عنفاً مفرطاً من قبل السلطات، مما استدعى تدخل المجتمع الدولي، وقد اتخذ هذا التدخل شكلاً عسكرياً في ليبيا.

    إنّ ما نشهده في هذه الأيام، في مصر بالذات، يخدعنا حين يبدو لنا عملية شد وجذب بين ائتلاف شباب الثورة من جهة، والمجلس الأعلى للقوات المسلحة من جهة ثانية، إنه فوق كل هذه التفاصيل صراع على تقرير المرجع المسئول أولاً وأخيراً عن صناعة التاريخ الحديث للمنطقة العربية: هل هو الإرادة الحرة لشعوب هذه المنطقة، معبراً عنها بأنظمة ديمقراطية حرة حديثة، أو إرادة الحلف الأمريكي – الصهيوني وحلفائه من كل مظاهر التخلف والتجزئة والاستبداد  في كل أرجاء المنطقة العربية.

    وبما أنّ تاريخ المنطقة العربية هو تاريخ صنعته الدول الكبرى – إلى حد كبير – وما زالت تؤثر في صنعه، وليس في هذا استخفافاً بإرادة الشعوب العربية أو إسقاطاً لتضحياتها. فإنّ الأمر لا يستند إلى نظرية المؤامرة، بل يستند إلى قوانين ومنطق السياسة الدولية بعد نهاية الحرب الباردة خاصة ما يسمى بـ ” الديبلوماسية الوقائية “، إذ أنّ المسألة لا تعدو أن تكون موازين قوى، وأطراف أقدر على التوظيف وتملك إمكانات إعادة صياغة العالم وفق مصالحها، والجميع يعي أو يتذكر كم من التضحيات التي قدمها العرب تحطمت على صخرة المصالح والأطماع الدولية.

    إنّ العالم يتغير بسرعة، وإذا كانت أنظمة ليبيا واليمن وسورية، فاقدة الشرعية، لا تزال تمانع الاستجابة لمطالب شعوبها وحاجات تقدمه نحو الحرية والكرامة، فمعنى ذلك أنّ كل شيء يمكن أن يتغير استجابة لإرادة العدالة الدولية. بعد أن أصبح احترام حقوق الإنسان أحد أهم المعايير الدولية لقياس تقدم الدول‏,‏ ومن ثم فإنّ أي انتهاك لها يعرّض الدولة المدانة لضغوط وإدانة دامغة من المنظمات العالمية ومن المجتمع الدولي. ‏مما يحمّل الحكومات مسؤولية ضمان هذه الحقوق الأساسية، ويلزم مؤسساتها، التشريعية والتنفيذية والقضائية، بتشريع هذه الحقوق الأساسية وضمان تطبيقها، وفاء لما وقّعت عليه من مواثيق دولية، ولما تنص عليه معظم الدساتير من حقوق وواجبات للأفراد والحكومات.

    والسؤال الذي يطرح نفسه هو: هل يحق لسلطة أن ترتكب جرائم بحق الإنسانية وبحق شعبها وأن يفلت قادتها من العقاب ؟

    فمع نشوء مؤسسات المجتمع الدولي، خاصة بعد أن أضحت منظمات المجتمع المدني العالمي فاعلاً جديداً في العلاقات الدولية، ومع تداخل العلاقات الدولية ونشوء الجرائم العابرة للدول والقارات، كان لا بد من أن يتوافق هذا المجتمع على مبدأ عدم التملص من العقاب “، ‏فلم تعد السيادة ‏تمنح مناعة غير مشروطة،‏ ولم يعد التهديد هو ما يخرج من الدولة فقط، ‏بل شمل أيضاً ما يحدث داخلها.‏

     *دخول العامل التركي ويمكن القول أيضا العامل الإيراني على مشهد الثورات العربية يثير أكثر من تساؤل. ويذكرنا بوضع العراق في بدايات الحرب والاحتلال.  هل يمكن الحديث عن نظام إقليمي جديد في ظل تفتيت المنطقة العربية. وما هي ملامحه ؟

    لا يستقيم تحليل المشهد الإقليمي في الشرق الأوسط بدون تركيا وحضورها فيه منذ بضعة سنوات، وقد ازداد هذا الحضور بعد انطلاق الربيع الديمقراطي العربي. وعند التأمل بما تقوم به السياسات الإيرانية والإسرائيلية والتركية فإننا نكون أمام مشهد محبط حقاً، بالمقارنة مع العجز العربي الجماعي. حيث تسهر هذه الدول الثلاث على رسم استراتيجيات إقليمية تعزز من حضورها وقدراتها القيادية ونفوذها، فيما تنام الدول العربية على وسائد الكسل والعجز والانتظار الذي لا يستطيع أحد فك لغزه.

    ومن بين اللاعبين الإقليميين الثلاثة الرئيسيين في منطقة الشرق الأوسط تبرز تركيا بأنها الدولة الأكثر حيادية بين جميع الأطراف، والأكثر قرباً وسلماً مع العالم العربي. ففي الوقت الذي تمثل فيه إسرائيل طرفاً غير مرغوب فيه إقليمياً بسبب احتلاله للأراضي العربية في فلسطين وسورية ولبنان، وإيران طرف غير موثوق فيه بسبب تدخله في الشؤون العربية الداخلية واحتلاله للجزر الإماراتية الثلاث، وفي ظل غياب طرف عربي يمكن أن يكون لاعباً إقليمياً فاعلاً في المنطقة، على الأقل إلى أن تنقشع الغبار عن مآلات الثورة المصرية، فإنّ تركيا تحاول أن تبرز نفسها كلاعب يمكن أن يكون مرغوباً وموثوقاً فيه أكثر من غيره في المنطقة.

    ويمكن تفسير المقاربة التركية بتغيّرات عالم ما بعد الحرب الباردة، أو بالتناقضات التي وجدت أغلب الدول الإقليمية نفسها فيها مع الإدارة الأمريكية، بعد أن أتت بقواتها إلى قلب منطقة الشرق الأوسط، وأصبح لها نظرة أخرى للمنطقة ولأدوار دولها الإقليمية.

    والآن تعمل تركيا جاهدة لاستعادة دورها ووزنها كقوة إقليمية في الشرق الأوسط، ويبدو أنّ محاولاتها لاستعادة هذا الدور تأتي في ظل ظروف إقليمية ودولية مؤاتية جداً، لاسيما أنّ الولايات المتحدة الأمريكية مرتاحة لهذا الدور وتنظر إليه بشكل إيجابي، حيث أنّ مشاركة تركيا في البحث عن مخارج للأزمات الإقليمية الراهنة يساهم في إيجاد توازن جديد للحد من النفوذ الإيراني في المنطقة.

    ولا شك أنّ تخفيف تركيا لعبء علاقاتها مع إسرائيل يتيح لها لعب دور الدولة الإقليمية الوازنة في محيطها. وفي المقابل لاشك أنّ تركيا قلقة من تعاظم دور إيران في المنطقة ونجاحها في توسيع نفوذها والإمساك بأوراق أساسية في العراق ولبنان وفلسطين‏.‏

    وهكذا، تدور في كثير من الأوساط والمنتديات الفكرية والسياسية نقاشات واسعة حول الدورين التركي والإيراني وتأثيرهما الاستراتيجي على مستقبل الشرق الأوسط. وفي مقابل هذا الصعود للقوتين التركية والإيرانية ثمة تراجع عربي واضح، فالانقسام بين الدول العربية لم يعد خافياً على أحد، ولم يعد أحد يحرص على إخفائه.  وبقدر ما أنّ هناك فراغ قوة وفراغ قيادة جماعية في النظام الإقليمي العربي، بقدر ذلك كله يتعاظم الطلب على دور تركيا ويزداد نفوذها، بسبب موقعها في وسط شبكة التفاعلات الدولية والإقليمية الكثيفة وديبلوماسيتها الناشطة، بما قد يساعد على التمهيد لنظام أمن إقليمي جديد تلعب فيه تركيا دوراً أساسياً.

    إنّ النهج التركي الحالي يمثل مفتاحاً لصيغة إقليمية قوية مشتركة لدول المنطقة، والتأكيد على أحقية شعوب ودول المنطقة في لعب دور أساسي في حل الصراعات الناشبة فيها، وأن لا تترك المنطقة ضحية للحروب والصراعات التي تطبخ في أروقة السياسة الدولية لأسباب مفتعلة.

    * في ظل خارطة تقسيم العراق  نظرياً وتفتيت السودان عملياً والحرب الدائرة في ليبيا ما هو مستقبل المنطقة العربية في ظل تصاعد النفوذ الدولي للولايات المتحدة الأمريكية والنفوذ الإقليمي لثالوث المحيط الإيراني والتركي والكيان الصهيوني ؟

    إنّ ما يعتبره كثير من العرب ربيعاً لهم قد لا يكون كذلك على المستويات كافة، فإذ يمنح التاريخ للأمم لحظات حاسمة من حياتها حتى تقف أمام الحقائق العارية لاستخلاص الدروس الكبرى لمواصلة البقاء، فإننا أمام لحظة فاصلة يتحتم فيها على الأمة العربية أن تحسن استشراف ما هو متوقع ومحتمل، بعيداً عن التمني والرجاء، وبعيداً عن الاستغراق في الأوهام.

    على أي حال، نحن إزاء عجز مضاعف ومركب في العالم العربي، سواء لجهة معالجة المشكلات المتراكمة والمزمنة في الداخل، أو لجهة تطوير صيغ ومؤسسات العمل العربي المشترك، أو لجهة التعاطي مع التحديات الخارجية والتحولات الجذرية والمتسارعة التي يشهدها العالم. والعجز في الداخل المحلي والوطني أو القومي والإقليمي هو الوجه الآخر للتبعية والهامشية لجهة العلاقة مع الآخر والخارج على المستوى العالمي، لأنّ من يعجز عن إدارة شؤونه وتنمية بلده وبناء قدراته، بإطلاق قواه الحية واستثمار طاقاته الخلاقة، لن يقوى على ممارسة دور فعّال على مسرح الأمم.

    إنّ التعاطي المجدي مع التحديات وتجاوز الأزمات يحتاجان إلى عقل جديد وثقافة مغايرة ونظام آخر لصناعة الحياة والمستقبل، فالقيمة الأولى في عالم اليوم هي لما ننجزه من الابتكارات في المعرفة والتقنية والقيم الحضارية، وليست لثقافة الاستقواء بالخارج والطغيان في الداخل أو العنف والتطرف. وإذا كان ثمة عمل عربي ناجح، فصنّاعه وأصحابه هم المنتجون والمبدعون والمثقفون العضويون والشباب والنساء الذين يسهمون من غير ادعاء في خلق مساحات وأسواق عربية للتداول والتبادل والتفاعل.

    * هل يمكن الحديث عن نظام توازن قوى متعدد اليوم في ظل استفراد الولايات المتحدة السيئة للعالم وتواكلها ؟ هل يمكن الحديث عن تصاعد قوة صينية بأجنحة آسيوية  في المستقبل في ظل الاستباق الأمريكي للعب بتركيبة الدول العربية والآسيوية في محاولة لوضع اليد على مقدرات هذه الشعوب وخاصة مصادر الطاقة ؟

    يبدو أنّ زعامة الولايات المتحدة الأمريكية للعالم، وتحكمها بمقدراته، بدأت تتآكل بدءاً من احتلالها للعراق، ومروراً بإطاحتها بنظام طالبان في أفغانستان، وانتهاء بارتباكها تجاه التدخل الأطلسي في الحرب الجارية حالياً في ليبيا. وفي المقابل هناك قوى صاعدة جديدة بدأت تفرض نفسها بقوة على الخريطة العالمية، مثل البرازيل والهند وتركيا والصين وروسيا الاتحادية. حيث تموج هذه القوى بالطاقة والأمل، ووفقاً لبعض المقاييس فقد أصبحت الصين بالفعل صاحبة أضخم اقتصاد على مستوى العالم، والآن تمثل الأسواق الناشئة والبلدان النامية أكثر من نصف الناتج العالمي.

     ولا شك أنّ الحرب الدولية على الطاقة تعتبر أحد أهم الأسباب العميقة للصراع الدولي على منطقة الشرق الأوسط، فقد أُمكن لباحث أمريكي كبير في المجال الجيو – سياسي والجيو – استراتيجي, وهو ميكايل كلير, في كتابه الصادر في العام 2001 تحت عنوان ” حروب الموارد ” أن يلاحظ: ” أنّ الحروب التي خيضت حول الموارد في حقبة ما بعد الحرب الباردة لا تشكل أحداثاً عارضة أو معزولة، بل تؤلف على العكس جملة متكاملة تندرج في إطار جيو – بوليتيكي أوسع. فعلى حين أنّ النزاعات الدولية كانت تحكمها حتى وقت قريب اعتبارات سياسية أو أيديولوجية, فإنّ حروب المستقبل لن يكون لها إجمالاً من هدف سوى الاستحواذ والسيطرة على الخيرات الاقتصادية الأساسية, وبوجه خاص الموارد الضرورية لتسيير المجتمعات الصناعية الحديثة “.

    وإزاء فشل نظام القطب الواحد وما سببه من مشاكل وفوضى عارمة في المسرح السياسي الدولي، فإنّ توازن القوى في العالم يتجه نحو تفعيل كل الإيجابيات الهادفة لنظام التعددية القطبية، لما فيه من فرص مشتركة للجميع بعيداً عن الانفراد وما يصاحبه من ظلم وغرور يؤذيان الجميع.

     *كيف تنظر إلى مستقبل القضية الفلسطينية في ظل الحراك الجماهيري العربي هل يمكن الحديث عن أفق واعد لمسار تسوية للقضية الفلسطينية ؟

    يبدو أنّ الفلسطينيين قد أدركوا أنّ الربيع الديمقراطي العربي قد دشن عصراً عربياً جديداً، يفتح الأفق واسعاً لعودة القضية الفلسطينية إلى حاضنتها العربية الدافئة، بعد عودة بعض الروح إلى العرب، خاصة بفعل ثورة مصر المجيدة، التي تعتبر بمثابة عامل قوة لشعب فلسطين وقضيته، وبمثابة فرصة لاستنهاض أوضاعه، وفتح خياراته السياسية.

    ولا شك أنّ الفلسطينيين أحوج ما يكونوا لإعادة الروح إلى مشروعهم  للتحرر الوطني، لاسيما على ضوء وهج الربيع الديمقراطي العربي، وإعادة صوغ البنى الوطنية الفلسطينية على قاعدة مؤسسية وديمقراطية وتعددية وتمثيلية. وفي هذا السياق من المهم أن يكون توجه القيادة الفلسطينية إلى الأمم المتحدة ضمن استراتيجية جديدة بديلة عن استراتيجية المفاوضات الثنائية التي دفع الفلسطينيون ثمنها باهظًا من دون أن تحقق الأهداف المرجوة منها، استراتيجية شاملة تعطي الأولوية لتعزيز عوامل الصمود للمواطن الفلسطيني على أرضه وللمقاومة الشاملة ومقاطعة إسرائيل وملاحقتها دوليا، وتسعى لتحقيق وحدة وطنية حقيقية وليست شكلية.

     إن الفشل الذريع الذي حصدته المفاوضات الثنائية ووصوله إلى الكارثة الوطنية هو ما يدفع الفلسطينيين إلى تدويل القضية، ما يجعلهم بحاجة ماسة إلى مسار سياسي وديبلوماسي وقانوني ونضالي جديد يستهدف أساساً  تغيير موازين القوى المختلة لصالح إسرائيل، وإيجاد موازين جديدة تسمح بفرض تسوية متوازنة تفرض على إسرائيل قبولها، لأنّ رفضها سيجعلها تخسر أكثر مما تربح من الاستمرار باحتلالها لأراضي 1967.

    إنّ القيادة الفلسطينية، على ضوء المعطيات المتغيرة نتيجة الربيع الديمقراطي العربي، معنية ببلورة خيارات سياسية بديلة، يمكن استلهامها من الشعارات المرفوعة في ميادين البلدان العربية وتتواكب معها، وربما هو الزمن الذي يمكن فيه للفلسطينيين أن يستعيدوا قضيتهم من كونها قضية صراع على الحدود والاستقلال في دويلة، إلى كونها قضية كفاح من أجل الحرية والكرامة والمواطنة، ومن  أجل الحقيقة والعدالة ضمن دولة فلسطينية واحدة يتعايش فيها الفلسطينيون والإسرائيليون على أساس قاعدة المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات.

    *أكاديمية وباحثة تونسية

    اترك تعليق

    This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.