في ذكرى رحيل محمود درويش: التجارة الرخيصة وامتهان السيرة

0
264

لم أشاهد أية حلقة من مسلسل “في حضرة الغياب”، ولا أنوي هذا بالتأكيد. المرء، إذْ يتحلى ببعض الحكمة والحدّ الأدنى من الوفاء لذكرى محمود درويش ـ الإنسان ابن البشر، قبل الشاعر الكبير والنجم اللامع ـ لا يعتب على تاجر رخيص العادات، وممثل بليد ثقيل الظلّ ضعيف الموهبة، مثل فراس إبراهيم. كما لا يصحّ للمرء ذاته أن يعتب على كاتب سيناريو مثل حسن م. يوسف، كان ذات يوم قاصاً واعد الموهبة، مثقفاً أصيل الإنحيازات، قبل أن تجرفه تجارة أخرى ذات صلات ـ واهية تارة أو متينة طوراً، سيّان! ـ بمؤسسات سياسية وإعلامية منحطّة الأعراف، تابعة لنظام الإستبداد والفساد في سورية. غنيّ عن القول، كذلك، إنّ مَنْ أسموا أنفسهم “أصدقاء محمود درويش”، تناوبوا على توجيه الطعنات إلى صديقهم (في غيابه، إذْ هيهات أنّ أحدهم تجاسر على إغضابه في حياته!)؛ مرّة إلى شعره، من منطلق “الحبّ القاسي” الذي استصرخهم، ذات زمن مبكر، أن ينقذوه منه؛ ومرّة إلى سيرته الشخصية، باسم معرفة ـ كاذبة وزائفة، أو سطحية مبتذلة ـ بعاداته وطبائعه وقمصانه وربطات عنقه وأقلامه و… نسائه!

لا أجدني أعتب إلا على أحمد درويش، شقيق الشاعر والقيّم على حقوقه، والناطق باسم ورثته، لأنه منح أمثال فراس إبراهيم وحسن م. يوسف والأصدقاء/ التجار تغطية قانونية كاملة لإنتاج مسلسل تَجمع آراء ثقاة كثيرين على أنه أكثر من مأساة/ مهزلة، وأشبه باستباحة همجية لسيرة الراحل. ولا أنطلق في عتبي هذا إلا من زاوية واحدة وحيدة، هي أنّ أحمد درويش يعرف دقائق الصداقة التي جمعتني مع محمود درويش، وأنّ دافعي في نهاية المطاف هو الحرص على أقصى التكريم (أو لعلّي أقول: الحدّ الأدنى منه!) لشقيقه، وصديقي، بصرف النظر عن حقوق شاعر كبير لا تُمتهن سيرته بهذه الخفّة، بترخيص من الشقيق الأكبر وممثّل الأسرة. سوى ذلك، وبالمعنى القانوني المحض، لا أحد ينازع أحمد درويش في أن يفعل بشقيقه ما يراه مناسباً، فهو حرّ ومخوّل؛ ولا أحد، بالمعنى الأخلاقي والسلوكي، في المقابل، ينبغي أن يأخذ علينا أننا نتدخّل في ما لا يخصّنا.

وفي جانب آخر من هذه الحكاية، فوجئت قبل أيام بوجود توقيعي على بيان ضمّ أكثر من 2000 اسم، يستنكر عرض المسلسل ويطالب بوقفه. والحال أنني، مع احترامي التامّ لكلّ صاحب رأي، لا أرى نفسي في موقع مناشدة الفضائيات، أنا الذي أعتذر عن الظهور على شاشاتها في مسألة أخطر بكثير، هي الإنتفاضة السورية؛ أو التعريض بشخص فراس إبراهيم، الذي أحيل من جديد إلى توصيفي له، أعلاه؛ أو مناشدة هذا المسؤول الفلسطيني أو ذاك، وغالبيتهم لا يتباينون إلا في تقاسم الأدوار حين يتصل الأمر بنبش ذكرى الراحل. ولقد اتضح لي أنّ أحد الأخوة الفلسطينيين، في رام الله، انطلق من نيّة حسنة، واعتبر أنه “يمون” عليّ في إجراء كهذا، وأنه لا يجوز لي أن أغيب عن اللائحة، فأضاف اسمي.

وأجدني، في هذه العجالة، وإذْ ندخل في السنة الرابعة على غياب محمود درويش، أستعيد بعض تفاصيل حرصه الشديد على أن تبقى خصوصيات حياته خاصة تماماً، وإلى درجة الإفراط أحياناً؛ ثمّ أتخيّل، متكئاً على ما كُتب في ذمّ المسلسل، مقدار الخيانة التي تعرّضت لها تلك الخصوصيات، بيد مَنْ يعدّون أنفسهم في مصافّ “أقرب المقرّبين”، ومن أبواب شتى يختلط فيها الحبّ القاسي بالصداقة القاتلة، والتجارة الرخيصة بالتوليف السفيه. وإذْ لا يزال المرء يأمل في افتتاح متحف محمود درويش، وأقصد المتحف الحقيقي الحيّ والحيوي، وليس الصرح البارد والضريح الصقيعي؛ فإنّ الذين اختزلوا ذكراه في مسلسل فراس إبراهيم/ حسن م. يوسف يعرفون أنّ مفردات تلك الذكرى ما تزال غنية ثرية حافلة بالكثير الذي يكرّم محمود درويش، بما يليق بشخصه وحياته ومنجزه الإبداعي، وبما يحترم الملايين من محبّيه، سواء بسواء.

وتلك مفردات، بينها تفاصيل ثمينة مذهلة وجميلة بديعة، لم يكن في وسع التجار والكذبة الوصول إليها، لأنها ليست ولن تكون في متناول أيديهم، أوّلاً؛ وبسبب من رخص التجارة وإدقاع الكذب، ثانياً؛ ولأنهم لم يقرأوا من سيرة محمود درويش إلا الظاهر البسيط، والواقعة المشاع، والشخصية العامة، ثالثاً. وذات يوم، حين ستُكتب السيرة الحقّة، سوف يبدو محمود سليم درويش، ابن حورية، أعظم بكثير من مجرّد قدّيس مسبق الصنع بمواصفات غير آدمية، وأرفع قامة من محض رمز محنّط عن فلسطين، وبالتالي أعلى إنسانية في تقلبات نفسه وجسده، وأرفع قيمة من اختزالاته كافة. وراهنوا أنه سوف يكون أقرب كثيراً إلى حقائق وجود بشري طافح بالهشاشة والقوّة، بالتواضع والغطرسة، بقامة تتطامن نحو السرو مثلما تداني العشب، وبعبقرية الشاعر المتجدد الذي صار أيقونة كونية كبرى، وأثقال الفلسطيني الذي لا يترفّه بالسياسة بل تقترن بوجوده كما الدرب إلى الجلجلة…

وهذا الـ محمود درويش ليس حاضراً في الغياب على النحو الركيك الذي يريدونه، بل كما شاء لنفسه حين ختم “جدارية” عمره :

كأنّ شيئاً لم يكنْ

وكأنّ شيئاً لم يكنْ

جرج طفيف في ذراع الحاضر العبثيّ…

والتاريخ يسخر من ضحاياه

ومن أبطاله…

يُلقي عليهم نظرة، ويمرّ…

هذا البحر لي

هذا الهواء الرطب لي

واسمي ـ

وإنْ أخطأتُ لفظ اسمي على التابوت ـ

لي.      

أما أنا ـ وقد امتلأتُ

بكلّ أسباب الرحيل ـ

أنا لستُ لي

أنا لستُ لي…

اترك تعليق