حوار شامل مع أول رئيس للجنة الدولية المكلفة التحقيق في جريمة اغتيال رفيق الحريري

0
85

* عندما اغتيل جبران تويني قيل: ميليس هو الهدف لكنه كان ذكياً فغادر * أكد أنه أنجز نصف التحقيق قبل مغادرته وعرّف بهوية مشتبه بهم … ميليس لـ«الحياة»: نعم … نعم الصورة واضحة في ذهني ما ينقصني «أدلة قضائية» ولا يمكن لأي حكومة إلغاء المحكمة

دبي – راغدة درغام

الحياة     – 25/02/09//

 

عشية بدء المحكمة الدولية الخاصة بلبنان عملها في الأول من آذار (مارس) في مقرها في لاهاي، أجرت «الحياة» حواراً مطولاً مع المحقق الألماني ديتليف ميليس أول رئيس لـ«اللجنة الدولية المستقلة للتحقيق» في العمل الإرهابي الذي أودى بحياة رئيس الحكومة اللبنانية السابق رفيق الحريري ورفاقه في 14 شباط (فبراير) عام 2005 وفي الاغتيالات الأخرى التي يثبت التحقيق ترابطها مع جريمة اغتيال الحريري.

في هذه الجولة من الحديث بدءاً من العلاقة بين المحقق الأول بيتر فيتزجيرالد وديتليف ميليس انتهاء الى إذا ما كان ميليس يشعر بأنه يعرف الحقيقة، محطات عدة أضاء القاضي الألماني جوانبها. وهنا نص الحديث:

 

> دعني أبدأ بسؤال حول التحقيق الذي أجراه سلفك، بيتر فيتزجيرالد، وهو التحقيق الأول بعد اغتيال رفيق الحريري. ما رأيك به؟

– سؤال جيد. بالطبع عندما بدأنا العمل شعرنا انه يجب علينا الأخذ في الاعتبار ما كان قد وضعه في تقريره الى مجلس الأمن، اي ما كنا على وشك اكتشافه في ذلك الوقت، ولم نكن نعلم إن كنا سنتوصل الى الاستنتاجات نفسها أو الى استنتاجات مختلفة، إنما كان علينا ان نأخذ في الحسبان ما كان قد عثر عليه في غضون أسابيع مع فريق يتكون من 5 أو 6 محققين من إرلندا ومترجم أو اثنين فقط. في البدء بعثت المحقق الأول في فريقي الى دبلن للاجتماع به، ثم بعد أسابيع قليلة طلبنا من أحد محققيه المجيء الى بيروت لبحث ما عثر عليه فريقي. وكما سارت الأمور، توصلنا الى استنتاجات متطابقة.

لقد كنت أكنّ كل التقدير للعمل الذي قام به فيتزجيرالد. فقد عثر على الكثير من الحقائق في ظروف مختلفة، فهو كان يعمل قبل «ثورة الأرز» وكان عليه العمل تحت نظام ما قبل «ثورة الأرز»، جهاز الأمن اللبناني وجهاز القضاء اللبناني، كما كانا قبل الثورة، وعلى رغم ذلك تمكن من القيام بعمل ممتاز في التحقيق وقد لاقى عمله كل التقدير وترك انطباعاً لديّ بأنه لو مضى هو في التحقيق بدلاً مني وأصبح رئيس «اللجنة الدولية المستقلة للتحقيق»، لكان توصل الى استنتاجات وأدلة مطابقة، وأنا واثق من ذلك.

> مدهش انه توصل في غضون 3 أسابيع الى ما تمكنت أنت وفريقك من تأكيده، بعد تحقيق استمر فترة 4 أشهر وها نحن اليوم بعد 4 سنوات من التحقيق دون ان يبرز أي ما يتناقض مع ما جاء في تقرير فيتزجيرالد أو تقريرك. ألا تجد ذلك مدهشاً؟

– بصراحة لا أدري ماذا حدث بعدما تركت التحقيق، إذا حدث شيء على الإطلاق، فلا يمكنني ان أعلق. إنما عندما أنظر الى الماضي، اعتقد اننا، نحن وفيتزجيرالد، اقتربنا جداً من اكتشاف كامل الحقيقة. ذلك أنه كان لدينا وقت أكثر مما كان لديه ولأن مهمته لم تكن القيام بتحقيق قضائي كما هي مهمتنا. مهمته كانت أن يتقدم الى مجلس الأمن بصورة عامة عما حدث في بيروت من وجهة نظر بوليسية وتحقيق بوليسي. مهمتي كانت مختلفة قليلاً لأنه كان عليّ ان أجمع الأدلة القضائية وتعريف المشتبه بهم (الأفراد المشتبه بهم)، وبالطبع فيتزجيرالد لم يكن قادراً على القيام بذلك في غضون الفترة الزمنية القصيرة التي عمل فيها، وكذلك لم تكن هذه مهمته أو وظيفته.

> هل تشعر بالمقدار نفسه من الثقة الآن كما شعرت عندما قمت بتعريف المشتبه بهم أو عندما اقتربت من كامل الحقيقة، كما قلت؟ هل أنت واثق اليوم بما توصلت اليه حينذاك؟

– الإجابة عن الشطر الأول من سؤالك، نعم، انني في غاية الارتياح. وفي الواقع عندما اتصلت بي هاتفياً قمت، وللمرة الأولى منذ سنتين، بإعادة قراءة تقرير تشرين الأول (اكتوبر) 2005، ومن دون أن أمدح نفسي، لقد فاجأني بما جمعناه من الأدلة ومن تفاصيل دقيقة في غضون 7 شهور، وهذا يشمل بدء التحقيق وبدء أعمال اللجنة الخاصة، فلنتذكر انني وصلت الى بيروت ومعي محققون فقط، بلا مقر وبلا فريق. وفي الأسابيع الأولى كان علينا ان نجمع الفريق. وبالتالي ومن دون ان أبدو وكأنني أمدح نفسي، دهشت لكمية التفاصيل التي جمعناها عند مراجعتي التقرير وكمية الأدلة ودقة الاستنتاجات التي توصلنا إليها. وأريد أن أضيف هنا، ان تلك لم تكن استنتاجاتي الفردية، وأعني بذلك أنني مسؤول كامل المسؤولية عن هذه الاستنتاجات، انما فريقنا كان مكوناً من محققين ومدعين عامين ورجال شرطة ومحللين من 17 دولة، بعضهم كان من مصر وسويسرا والسويد وفنلندا والدنمارك وألمانيا والولايات المتحدة وغيرها من الدول، وبالتالي، كان ذلك جهداً مشتركاً ولم يكن الأمر ان المحققين جلسوا سوية ودوّنوا على الأوراق أشياء لم يوافق عليها الآخرون في التحقيق.

وعليه، أعتقد ان الاستنتاج الرئيس، إذا أمكنني البدء من النهاية، كان أن مجموعة لها تنظيم واسع وتتمتع بموارد وقدرات كبيرة قامت بالاغتيال، وأن الجريمة تم التحضير لها على مدى أشهر عدة مع مراقبة توقيت ومكان وتحركات رفيق الحريري ووفده لتدوين حركته بكامل التفاصيل.

وعندما تسلم دانيال بلمار التحقيق عام 2008، اعتقد انه استخدم تعبير «شبكة» مسؤولة عن عملية الاغتيال، وهذا ما كنا توصلنا إليه في تقرير 2005. وفي الواقع، ان كل الاستنتاجات في ذلك التقرير مهمة، وإلا لما وردت فيه. إنما اعتقد ان أحد أهم الاستنتاجات الى جانب الاستنتاج الذي ذكرته، هو اننا عثرنا على أدلة تشير الى ان افراداً لبنانيين وسوريين في الأجهزة الأمنية لعبوا دوراً في الاغتيالات.

> قلت قبل قليل إنكم اقتربتم من الحقيقة ومن تعريف المشتبه بهم، ما هي تلك الحقيقة ومن هم المشتبه بهم الذين في ذهنكم؟

– لقد قمنا بتعريف هوية المشتبه بهم، الجنرالات الأربعة، الذين تم إلقاء القبض عليهم طبقاً لما اقترحتُه على السلطات اللبنانية، وقد قمنا سوية مع اللبنانيين بتعريف مشتبه بهم إضافيين يزعم تورطهم في التهيئة للاغتيال. وفي الواقع ان شاهداً لنا، زهير الصديق، تحول الى مشتبه به، وبناء على اقتراحي، قام المدعي العام اللبناني بتحويله الى مشتبه به وتم إلقاء القبض عليه في باريس بهدف تسليمه الى لبنان. هؤلاء كانوا مشتبهاً بهم بناء على أسباب تمكن من الزعم بأنهم لعبوا أدواراً في الاغتيال في ذلك الوقت. يجب علي القول، كان أمامنا جزء فقط من الصورة، ولذلك كنا في حاجة الى وقت أكثر لاستكمال الصورة. وقد سبق وقلت وأكرر ذلك الآن ان مع مغادرتي التحقيق اعتقد أننا أنجزنا حوالى النصف.

> من هو الانتحاري الذي قام بالتفجير؟ وما هي جنسيته؟

– لم نتوصل الى هذا في ذلك الوقت، ولم نعرف هويته، على الأرجح هو ليس أبو عدس.

> ومنذ ذلك الحين أنت بالطبع ترافق التحقيق من بعيد وأعرف انك لا تلعب دوراً الآن في التحقيق، لكنك تعرف اكثر بكثير مما نعرف. من هو برأيك ذلك الانتحاري؟ ما هي جنسيته المرجحة لديك في هذا المنعطف، فقد حللوا المعلومات الجينية DNA ويفترض انهم يعرفون جنسيته من أسنانه.

– لا فكرة لدي. ليس لدي معلومات أكثر مما لديك، بل ربما تعرفين اكثر. فليس لدي أدنى فكرة عن هذا.

> دعني أعود بك الى الاستنتاجات التي توصلت إليها في تقريرك الشهير. قلت في استنتاجات تقرير تشرين الأول 2005 ان هناك أدلة مماثلة تدل الى تورط لبناني وسوري في هذا العمل الإرهابي، وان الاستخبارات العسكرية السورية التي كان لها وجود مسيطر في لبنان اقلّه الى حين انسحاب القوات السورية من لبنان، كانت لها روابط مع مسؤولين أمنيين لبنانيين – هم في السجن الآن – كما قلت. هل هؤلاء الجنرالات في رأيك اليوم متورطون بالمقدار ذاته كتورطهم عام 2005؟

– هذا سؤال رائع، انما لا يمكنني الإجابة عنه، ذلك أن المعلومات المتوافرة لدي عن التحقيق تنتهي في 11 كانون الثاني (يناير) 2006. بعد ذلك قرأت التقارير، وعليّ ان اعترف بأنني لم اقرأها كلها، لأنني شعرت ان بعضها كان مملاً.

> اننا على أبواب بدء المحكمة الخاصة أعمالها في الأول من آذار (مارس)، هل تشعر ان الأدلة التي وضعتها في حوزة السلطات اللبنانية المعنية بالجنرالات الأربعة ما زالت اليوم قائمة؟ أعرف ان ليس في وسعك الكشف عما قدمته، ولكن هل يجب ان نتوقع من السلطات اللبنانية تسليم الجنرالات الى لاهاي للمثول أمام المحكمة؟ وفي حال عدم تسليمهم، ما هو المبرر القانوني لذلك؟ هل يعني ان المحقق الحالي المدعي العام القادم دانيال بلمار توصل الى استنتاجات تناقض ما توصلت إليه بحق الجنرالات؟

– قانونياً، مع إنشاء المحكمة وإنشاء مكتب الادعاء العام معها، يجب تسليم الجنرالات الى المحكمة، قانونياً في اعتقادي. وبالتأكيد. فقد أُلقي القبض عليهم على أساس الاشتباه بهم بالتورط في الاغتيال. وبحسب علمي، بقوا في السجن مدة ثلاث سنوات بعد مغادرتي، لهذا السبب بالذات، فنعم، في اعتقادي أنها بالتأكيد مسؤولية مكتب الادعاء العام والمحكمة البت بمصيرهم قطعاً.

> إذاً، عندما يقول سيرج براميرتز، او دانيال بلمار لربما، ان الأمر عائد الى السلطات اللبنانية في شأن مصير الجنرالات، ماذا يعني ذلك؟ هل مصيرهم في يد السلطات اللبنانية أم في يد المحكمة؟

– لم أسمع قولهما هذا، انما رأيي أنا أمامك. ان الوضع القانوني بسيط جداً، لقد بدأ التحقيق برمته وبقي تحت سلطة قرار مجلس الأمن الرقم 1595. وهذا القرار واضح بأن هذا التحقيق كان وما زال تحقيقاً لبنانياً، طالما أن هناك «اللجنة الدولية الخاصة للتحقيق» لمساعدة الحكومة اللبنانية في تحقيقها. إذاً، وحتى موعد إنشاء المحكمة الخاصة بلبنان وموعد بدء مكتب الادعاء العام أعماله، فإن هذه قضية لبنانية. وبالتالي، فإن السلطات اللبنانية مسؤولة عما يحدث – وهذا لا يعني ان اللجنة الخاصة ليست مسؤولة ايضاً -، فالكلمة الأخيرة هي للبنانيين.

مع بدء أعمال المحكمة ومكتب الادعاء العام، يختلف الوضع والمسؤوليات، إذ ان القضية اللبنانية تتحول الى قضية للأمم المتحدة مع بدء المحكمة وتفعيل مكتب الادعاء العام.

> عندئذ تصبح السلطات اللبنانية ملزمة تسليم المشتبه بهم الى المحكمة الدولية حال بدء أعمالها؟

– هذا ما لم تقرر – في أثناء فترة مسؤوليتها عنهم – أن ليس هناك ما يكفي من الأدلة للاستمرار في احتجازهم الموقت. وعليه، والى حين موعد بدء المحكمة يمكنها بالتأكيد أن تفعل ما تشاء وتراه صالحاً وضرورياً بموجب القانون اللبناني الجنائي.

> لكن حال بدء المحكمة عملها تصبح السلطات اللبنانية قانونياً ملزمة تسليم الجنرالات والمشتبه بهم الآخرين لديها الى المحكمة الدولية الخاصة. هل أحسنت فهمك؟

– نعم. قطعاً.

> أخبرنا عن الفقرات الشهيرة التي حُذفت من تقرير 2005 الذي قدمته الى مجلس الأمن وقيل حينذاك ان الأمين العام كوفي أنان أراد حذف تلك الفقرات وأنك أُجبرت على ذلك، هل هذا صحيح؟

– لا، هذا – وأرجو ألا يجرحك هذا القول – تجريح في رأيي، لأنني أنا الذي تحمّل ويتحمل مسؤولية التقرير. فقد كنت أرأس لجنة مستقلة، وهذا يعني انها مستقلة عن الأمين العام للأمم المتحدة ايضاً.

فقد كان علينا ان نقدم تقريراً الى مجلس الأمن، علماً أننا من صنع مجلس الأمن وليس الأمانة العامة للأمم المتحدة أو المكتب القانوني، أي الدائرة السياسية، لذلك كنا اللجنة المستقلة وأنا كنت المدعي العام المستقل الذي يعمل لتحقيق الأمم المتحدة، وعليه – وأريد ان أكون صريحاً في هذا الشأن – لا أحد اطلاقاً في منظمة الأمم المتحدة فرض عليّ ان أغير أي شيء على الاطلاق في التقرير. ولو حاول أحد لما نجح.

ما حدث هو انه حين وصلنا الى نيويورك وصلناها بفكرة ان تقريرنا يقدم الى أعضاء مجلس الأمن والأمين العام حصراً. أول مرة بحثت الأمر مع الأمين العام، كان رأيه ورأي الأمانة العامة ان التقرير يجب ان يُنشر علناً. وافقت على ذلك، لكنني قلت لهم ان هناك فارقاً بين تقرير سري يقدم الى حفنة محدودة من الناس وبين تقرير علني يقدم الى الجميع. وهذه كانت النقطة الأساسية. وعليه، راجعت التقرير مرة أخرى وحذفت اسماء الأفراد التي وردت فيه ولعبوا دوراً في التحقيق. شعرت انه لم يكن لدينا ما يكفي من الأدلة لفضحهم علناً. والسبب هو انه يجب احترام خصوصية الأفراد إذا كان التقرير تقريراً علنياً في التحقيق. وهذه كانت القصة بكاملها. ثم، وبسبب الغلطة التقنية التي ارتكبها أحد الموظفين، ظهر النص الأصلي في النص الرسمي.

وبالتالي، بكل تأكيد أقول ان لا أحد فرض عليّ تغيير النص، ولا أحد حاول ذلك، والسبب الوحيد كان عائداً الى ضرورة التمييز بين التقرير السري لحفنة أفراد والتقرير التقني لملايين الناس الذين قد يظنون ان الذين تظهر أسماؤهم في تقرير علني قد حُوكموا ودينوا.

> في كل الأحوال، في الفقرة 96 من النص الأصلي لذلك التقرير، ما حُذف اصبح ملكاً للناس، لأن الجميع يعرف الأسماء التي حذفت. ماذا كان في ذهنك؟ هل كانوا جميعاً مشتبهاً بهم؟

– أكرر، هذه الأسماء كان يجب ألا تظهر علناً. ولذلك لا اعتقد أنني جاهز لبحثها علناً بعد مرور ثلاث سنوات.

> عندما كنت تبحث عن الحقيقة وكنت قريباً من تحديد المشتبه بهم، اين كان هؤلاء في ذلك البحث؟

– إذا أخذت ما في النص تجدين ما قاله شاهد سوري الأصل، زعم انه عمل مع هؤلاء الأفراد، لقد توافرت لدينا الأدلة الكافية لإلقاء القبض على بعضهم، وكنا في صدد جمع الأدلة المعنية بالبعض الآخر. ولم نكن على وشك إلقاء القبض على اي كان بناء على بيانات شاهد واحد لم يتوافر التدقيق الكامل في خلفيته. ومرة أخرى، لقد كنا حينذاك – بعد مرور 4 اشهر على التحقيق – في خضم التحقيق نفسه.

> في الفقرة 222 من التقرير قلت: «تخلص اللجنة، بعدما أجرت مقابلات مع شهود وأشخاص مشتبه بهم في الجمهورية العربية السورية، وبينت ان أدلة كثيرة تشير في شكل مباشر الى ضلوع مسؤولين أمنيين سوريين في عملية الاغتيال، الى انه يتعين على الجمهورية العربية السورية إيضاح جزء كبير من المسائل التي لم يتم حسمها»، ما هي تلك المسائل التي سعيت وراءها؟

– اعذريني، لقد مضت ثلاث سنوات ونصف سنة على ذلك، وببساطة لا أعرف الوضع الآن؟

> كنت في خضم الضغط العلني على كبار المسؤولين السوريين للتعاون وليوافقوا على استجوابهم، عندما طلب إليك الاستقالة، كما يقال. هل حقاً طلب إليك ان تستقيل، بصورة مباشرة أو غير مباشرة؟

– لقد كانت هناك ثلاثة أسباب وراء القرار: أسباب مهنية ناتجة من انني لم أتقدم بطلب لتولي وظيفة المحقق العام وإنما وافقت على المهمة عندما طلبت الأمم المتحدة مني ذلك، ووافقت على القيام بالمهمة لفترة 3 – 6 اشهر، هكذا اتفقنا وكان ذلك في قرار لمجلس الأمن. وبالتالي، مهنياً، لم أكن جاهزاً للبقاء فترة أطول لأسباب شخصية ناجمة عن كون عائلتي هنا (برلين) وكنا اتفقنا على فترة لا تفوق الـ 6 أشهر لهذه المهمة، ومع انتهاء تلك الفترة، أوضحت لي الأمم المتحدة رأيها بأنه لا يجوز لي البقاء في بيروت للقيام بالتحقيق لأسباب أمنية. اقترحوا عليّ ان استمر في التحقيق انما من خارج لبنان. وهذا في رأيي لم يكن ممكناً. فلا يمكن التحقيق من الخارج، كانت المسؤولية ستبقى على عاتقي، انما باستحالة، فلا يمكن إصلاح سيارة عبر الهاتف او الكومبيوتر، ولا بديل من الوجود في ساحة الجريمة للقيام بالتحقيق.

لهذه الأسباب لم أجدّد العقد، وتركت عندما انتهى عقدي في آخر كانون الأول (ديسمبر) ووافقت على مرحلة انتقالية قصيرة إضافية للمساعدة، وتقدمت باقتراح أفراد الى الأمم المتحدة ظننت انهم قادرون على القيام بالمهمة وبالتحقيق. وهذا كل ما حدث.

> لو قال لك الأمين العام حينذاك، كوفي أنان، إن في وسعك الاستمرار في التحقيق من بيروت، هل كنت لتوافق على البقاء؟

– اعتقد لا. وهذا السؤال – اعذرني على هذا القول – ليس سؤالاً عادلاً. فقد كانت هناك أسباب ثلاثة، لا أدري لو كان أحدها – في ذلك الوقت – غير موجود إن كنت بقيت أم لا. انما من الضروري لي القول إن بعد مغادرتي – بعد الفترة الانتقالية – أوضحت لكل طرف معني بالتحقيق انني جاهز للعودة إذا كانت هناك حاجة الى عودتي للتحقيق.

> كنت اذاً جاهزاً للعودة، انما لم يطلب منك أحد العودة؟ هل هذا ما حدث؟

– قلت لهم، إن كانت هناك حاجة إليّ، فأنا مستعد للعودة. واضح أنه لم تبرز تلك الحاجة.

> هل تندم على ذلك القرار عندما تفكر بما حدث بعد ذلك؟ هل تندم على مغادرة التحقيق؟

– لنقل انني عندما اتخذت قرار المغادرة كنت أشعر بوضوح أنه مهما كان القرار الذي أتخذه – بقاء أو مغادرة – سيأتي يوم أندم فيه على ذلك القرار. فلو بقيت لربما كانت هناك لحظة أندم فيها على البقاء. تصوري، مثلاً، لو كان هناك تفجير أو محاولة اغتيال لم تقض على حياتي، انما أدت الى قتل عشرة من فريقي، مثلاً، عندئذ كنت ندمت أشد الندم على البقاء. فهذا سؤال بسيط انما الإجابة عنه مستحيلة.

> إذاً، لقد لعبت التهديدات ضد حياتك وضد فريقك دوراً كبيراً في قرارك.

– بالطبع. فأنا بكل تأكيد حريص على حياتي إنما أحرص بالمقدار ذاته على حياة الناس الذين حولي. فقد كنت أنا المسؤول عنهم.

> هل مطالبتك العلنية الحكومة والأفراد في سورية ولبنان بالامتثال للتحقيق هي التي جعلتك تصبح مستهدفاً وأدت بسيرج براميرتز الى اتخاذ قراره باعتماد السرية والابتعاد من الأضواء واستراق زخم الاهتمام الشعبي الذي رافق عهدك في التحقيق؟

– بالطبع لا يمكنني التعليق على ما قام به خلفي، انما بالتأكيد اكتسب التحقيق اهتماماً علنياً عالياً في عهدي. إذ تحققت من أن هذه الجريمة لم يرتكبها أفراد لبنانيون حصراً وانما أيضاً أفراد آخرون. من دون ذلك المقدار العالي من الاهتمام والضغط العلني لما شهدنا إنشاء المحكمة، كما اليوم. لقد كان هناك اهتمام وشهرة للتحقيق ولفريقي ولي وما زلت أتذكر اليوم الذي سبق تقديم تقريري الثاني والأخير. وقد تذكرين أن جبران تويني – الذي كانت لي متعة التعرف إليه شخصياً والذي كنت قد أجريت مقابلة معه كشاهد مرتين – اغتيل. بعد ذلك برزت رسالة لا أعرف إن كانت حقيقية أم مزيفة جاء فيها: ان السيد ميليس كان الهدف الأصلي للاغتيال، لكنه كان ذكياً فغادر، ولذلك وقع خيارنا على جبران تويني، ونأمل أن يكون خلف ميليس أكثر ذكاء. بالطبع كان هناك من لم يعجبه ما كنا نقوم به.

> أتعتقد بأنك أخطأت في إصرارك على إجراء مقابلات وفي استجواب كبار المسؤولين السوريين؟

– لا. كنت هناك وكنا هناك لنقوم بالتحقيق في جريمة فظيعة. أعني، لقد خسر 23 شخصاً حياتهم، وجُرح المئات. وبالتالي كان متوقعاً منا – كأي تحقيق جدي – ان نستجوب كل من كان في وسعه توفير المعلومات. فلو لم أحاول ذلك لربما وصلنا الى مرحلة لاحقة عند المحاكمة حين يقول محامي الدفاع: لماذا لم تجروا مقابلة مع ذلك الشخص – بمن في ذلك الرئيس الأسد – ذلك أن الجميع يعرف، وهذا موجود في التقرير؟ ان عدداً من الشهود قال إن العلاقة بين رئيس الوزراء الحريري والرئيس الأسد هي علاقة يمكن وصفها على الأقل وبكل حذر بأنها كانت صعبة. ثم إنه كان من العدالة أن نعطي الرئيس الأسد فرصة ليشرح آراءه، قضائياً، حول الملفات بالأبيض والأسود، كما فعل جميع الشهود، وكما فعل الرئيس اللبناني اميل لحود. وبالتالي، كان أمراً جلياً أن نطلب من الحكومة السورية أن نجري مقابلة مع الرئيس. وأقصد، لقد كان ذلك واجباً علنياً، بالتأكيد.

> بعد أن تبدأ المحكمة الدولية أعمالها في آذار، أتعتقد بأنها ستتمكن من التوصل الى العدالة ومن إنهاء الإفلات من العقاب؟ هل كنت تأمل بإنشاء مثل هذه المحكمة عندما كنت تقوم بالتحقيق؟ وهل هذه هي المحكمة التي كنت تأمل بها؟

– اعتقد بأن في تقرير تشرين الثاني (نوفمبر) أو كانون الأول (ديسمبر) استخدمنا جملة على نسق: يجب على التحقيق أن يوضع على منبر دولي. فحالما أدركت اللجنة الخاصة أن المتورطين في الاغتيال ليسوا حصراً لبنانيين، كان واضحاً لها أن لا مناص من قيام الأسرة الدولية بشيء ما حول هذا الأمر عندما تصل الأمور الى المحكمة. وبالتالي، كان لا بد من محكمة دولية لمحاكمة أفراد من دول ثالثة. وبالتالي فتأسيس المحكمة كان حتمياً بعدما تحققنا من أرجحية تورط أفراد من خارج لبنان في الاغتيال.

أما في ما يخص سؤالك حول توصل المحكمة الى نتائج، فهذه مسألة لا يمكنني الافتراض فيها. انما اليوم، يمكنني القول إن إنشاء هذه المحكمة أمر بالغ الأهمية بالتأكيد، وهو الأمر الصحيح.

فالمحكمة هي الإصبع المرفوع للأسرة الدولية في وجه من يسعى وراء أهدافه السياسية في لبنان من خلال الاغتيالات. وآمل أن يأتي اليوم الذي يوجّه فيه الإصبع المرفوع الى إصبع اتهام في وجه الذين ارتكبوا هذه الجرائم.

> الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، يبدو ملتزماً بعدم العودة عن المحكمة تحت أي ظرف كان، ويبدو ملتزماً بإيمان بإنهاء الإفلات من العقاب. هل هذا مهم، هل من المهم أن يكون ملتزماً بذلك؟ وهل لهذا الالتزام أي تأثير؟

– طبعاً، بكل تأكيد. فلو عدنا الى المحاكم الأخرى – كامبوديا أو سيراليون – لوجدنا ان المشاكل برزت دائماً. لذلك، من المهم ان يكون الأمين العام للأمم المتحدة ملتزماً، لأنه يتمتع بثقل سياسي كبير. في وسعه، مثلاً، أن يطلب من الدول تمويلاً للمحكمة إذا واجهت مشاكل لاحقة في التمويل.

> هل يراودك القلق من صفقات سياسية لإخماد المحكمة أو للمماطلة بها بلا نتيجة؟ هناك كلام يتردد عن إمكان إبرام الصفقات. ما رأيك بهذا الاحتمال؟

– اعتقد بأن إبرام صفقة حول المحكمة أمر مستحيل. انه لمن المستحيل إبرام صفقة حيث تجلس حفنة من الناس معاً وتتبادل الكلام وتنتهي الى صفقة. لن يقوم أحد على الإطلاق بمثل هذا. ما يمكن أن يحدث هو أن يطول التحقيق وتطول معه المحكمة من دون وضع أحد أمامها، وعندئذ يزول اهتمام الناس بالمسألة وينسونها برمتها.

> تعني ان ما يهددها هو أن ينساها الناس؟

– نعم، أعني أن يفقد الناس اهتمامهم. أعني، اليوم في ألمانيا – ولربما ايضاً في الولايات المتحدة – الاهتمام بقضية الحريري لم يعد اهتماماً عالياً. حتى في الصحافة اللبنانية، يبدو لي أن الاهتمام بهذه القضية اقل مما كان عليه قبل 4 سنوات. وبالتالي، إذا سارت الأمور من دون محاكمة ومن دون مثول الأفراد المشتبه بهم أمام المحكمة، سينحسر اهتمام الناس والحكومات. ومثل هذا الأمر قد يحدث.

> وهل تبقى المحكمة، كما قلت، إصبع الاتهام المرفوع في وجه الأفراد أو الحكومات أو المنظمات أو الهيئات المتورطة في الاغتيالات؟

– نعم، الى حد ما، بالتأكيد. فطالما ان هناك محكمة، فهي أداة (قانونية) جاهزة ومجهزة. ولهذا، انها بالتأكيد جيدة. وآمل أن تبقى المحكمة قائمة الى الأمد البعيد الذي تحتاجه.

> هل في وسع حكومة لبنانية جديدة تقويض المحكمة إذا شاءت؟

– ان الحكومة اللبنانية هي التي تموّل حوالى نصف موازنة المحكمة، بحسب اعتقادي. فبالطبع، يمكن حكومة ما أن تقول إنها لن تقوم بالتمويل. عندئذ يعتمد الأمر على جاهزية دول أخرى للتمويل. انما قانونياً، ومع إنشاء المحكمة، لن تكون إزالتها ممكنة بحكومة لبنانية مختلفة، ولا بحكومة أميركية مختلفة، ولا بأمين عام مختلف. إن الجهة الوحيدة التي يمكنها إزالة المحكمة هي مجلس الأمن الدولي، في اعتقادي.

> دانيال بلمار سيتسلم مهمات الادعاء العام مع إنشاء المحكمة في غضون أيام. هل تعتقد بأنه سيكون قادراً على كسب القضية إذا أحسن الادعاء؟

– لا أدري. انا لا أعرف ماذا لديه من أدلة تمكّن من جمعها في السنوات الثلاث الأخيرة.

> لكنك أنت على علم بنوعية الأدلة التي جمعها فريقك في عهدك وفريق فيتزجيرالد في عهده. بناء على ما كان لديكم من أدلة، ما هو السيناريو للادعاء العام؟

– كي يتمكن المدعي العام من التوجه الى المحاكمة، يجب أن تتوافر لديه الصورة التامة والكاملة. ما كان لدينا هو ثلثا الصورة الكاملة. فإذا كان قد تمكن من الوصول الى الصورة التامة، ففي إمكانه الذهاب الى المحكمة والحصول على إدانات كاملة.

الأمر يعتمد على مسائل كثيرة وعلى الأفراد الذين سيواجهون التهم – وعلى ما إذا كانوا من دول ثالثة، وإذا كانت تلك الدولة الثالثة مستعدة لاعتقالهم وإرسالهم الى لاهاي لمواجهة العدالة – كما فعل الليبيون في قضية لوكربي. فالأمر يعتمد على مسائل مختلفة عدة.

> عندما تسمع بمقارنة أو بصفقة محتملة على نسق صفقة لوكربي في المسألة اللبنانية، هل تشعر بأن هناك حقاً أساساً لمثل هذه المقارنة أو لمثل تلك التطورات؟

– لا فكرة لدي حول ما إذا كانت صفقة قد أبرمت في لوكربي، فتلك لم تكن قضيتي. ولا اعتقد بأن صفقة أبرمت بين البريطانيين والليبيين.

> الكلام هو عن صفقة يضحّى عبرها بمسؤول صغير يقدم الى العدالة ويسجن، فيما يبقى النظام في ليبيا مصاناً ويتم دفع التعويضات للعائلات؟

– تتحدثين عن تعويضات…

> أسأل عن صفقة تنقذ وتحمي النظام وتضحّي بمسؤول صغير… هكذا يدور مثل ذلك الكلام.

– لن يقبل أي مدع عام جدي أو أي قاض جدي بأن يكون جزءاً من صفقة كهذه.

> عندما تسمع الناس تردد: من أجل الاستقرار والسلام في المنطقة، يجب التضحية بالمحكمة والتنازل عملياً عنها لأن هذه ضرورة. ماذا يخطر في بالك وبماذا تشعر لدى سماع ذلك بصفتك رجلاً قام بالتحقيق؟

– هذه هي دائماً المشكلة التي ترافق التحقيق في إرهاب دوافعه سياسية. ففي كثير من هذه القضايا توجد السياسة من جهة والعدالة من جهة أخرى، أحياناً يتصادمان. السياسة مسألة عملية. لكن لا يمكن العدالة أن تكون عملية. يجب على العدالة أن تكون قانونية، وبالتالي هناك تصادم بينهما، في كثير من الأحيان. على العدالة أن تأخذ مجراها مهما كانت العواقب السياسية. وفي هذه الحالة، بالطبع أنا أراقب وأقرأ. انما لو كانت هذه قضيتي، كمدع عام، لتناولتها حصراً كقضية قانونية مهما كانت نتائجها السياسية.

> تقريرك ما زال الوثيقة الأكثر تفصيلاً وشرحاً وعرضاً لاغتيال رفيق الحريري ورفاقه. البعض، كما تعرف سيد ميليس، قال لاحقاً إنك تسرعت ولم تُقرن الاستنتاجات بالأدلة. آخرون أشاروا الى أن سيرج براميرتز أمضى سنتين ليعيد التحقيق في تحقيقك ولـ «تنظيفه»، بحسب تعبيرهم. أود أن أسمع ردك على هذا.

– لم يواجهني شخصياً أحد بمثل هذا الكلام. لم يقترب مني أحد ليقول ذلك.

> قيل ذلك من وراء ظهرك إذاً. فليتك تدلي برأيك بمثل هذا الكلام.

– لا. لا اعتقد بأنه يجب عليّ أن أعلق على ذلك. فهذا (الكلام) غباء. وأنا أكره أن أتحدث عن نفسي، انما كما تعرفين، انا في مهنتي منذ حوالى 30 سنة كمدع عام. وكل القضايا الإرهابية التي حققت فيها وقدمتها أمام المحاكم أسفرت عن إدانة جميع المتهمين وبعضهم ما زال في السجون. فلماذا أقوم بتحقيق مختلف في لبنان في قضية مماثلة؟

> لماذا قام الرجل الذي اخترته أنت شخصياً ليخلفك؟ لماذا قام بإعادة التحقيق في تحقيقك؟

– لا أدري. اسأليه.

> هل تحدثت معه على الإطلاق منذ أن تولى مهماته ليخلفك؟

– لا. قلت له إنه إذا احتاج نصيحة مني، أو إن كان لديه أي أسئلة، إن احتاج أي تفسير أو شرح، فإنني جاهز وحاضر في أي وقت أراد. هذا أقل ما عليّ أن أفعله، وهو أمر بدهي لأي كان أمام من يخلفه. لكنه لم يتصل بي اطلاقاً. افترض انه قرر أنه لا يحتاج أي شرح وأنه لم يكن في حاجة الى طرح أي سؤال. حسناً.

> هل قام سيرج براميرتز واقعياً وعملياً بتسييس التحقيق بإصراره على عدم تسييس الاغتيالات وبتركه الانطباع بأنك قمت أنت بالتسييس؟

– لا أدري إن فعل ذلك ولا معنى لـ «تسييس التحقيق».

> هذا هو الانطباع الذي تركه.

– لم يقل لي ذلك ولم أسمع مثل هذا الكلام (منه) على الإطلاق. فكيف يمكنني أن أسيّس تحقيقاً؟ ولماذا افعل مثل ذلك؟ بأي هدف؟ فأنا لم يهمني من الذي ارتكب هذا الاغتيال الفظيع. ما همني هو اكتشاف من ارتكب هذه الفظائع، أكانوا من الصين أم من الولايات المتحدة أم من اسرائيل أم من سورية أم لبنان. لم يكن يهمني ذلك ولم يلق اهتمام المحققين في فريقي. فهذه ادعاءات، لو كانت جدية فإنها حقاً غبية.

> في غضون الفترة القصيرة من تحقيق فيتزجيرالد وتحقيقك، أجريت المقابلات في غضون 4 أشهر مع أكثر من 400 شخص، وراجعتم 60 ألف وثيقة، وعرّفتم بهوية مشتبه بهم كثيرين، وتمكنتم من التوصل الى استنتاجات عدة. لقد مضت الآن 4 سنوات على التحقيق، ولم يُستكمل على رغم أن المحكمة ستبدأ عملها في الاول من آذار. هل تشعر انهم لما توجهوا الى بدء العمل بالمحكمة لو لم يكن التحقيق اقترب من الاكتمال أو انك ترى أنهم يتوجهون الى المحكمة على رغم عدم اكتماله؟

– لا فكرة لدي. فأنا لا أعرف ما لديهم ويجب التوجه الى السيد بلمار بهذا السؤال. كل شيء آخر هو مجرد افتراضات.

> هل في وسع المدعي العام أن يتحمل مسؤولية الادعاء قبل اكتمال صورة التحقيق لديه؟

– بالطبع، يمكنه ذلك. فهنا في ألمانيا مثلاً بدأت بالتحقيق من اليوم الأول واتبعته بتقديم القضايا (الى المحكمة) الى ان مَثُل المشتبه بهم أمام العدالة ودينوا. فقانونياً، لا مشكلة في ذلك، في أن يكون هناك تحقيق في الوقت الذي يتم التوجه الى المحكمة. هنا في ألمانيا، هذا إجراء قانوني عادي، كما في أنظمة قانونية أخرى عدة.

> في صميمك، سيد ميليس، في صميم قلبك، هل تشعر انك تعرف الحقيقة وراء هذه الاغتيالات؟

– اعتقد، نعم. نعم. نعم. ان الصورة جلية تماماً في ذهني. نعم، لدي صورة واضحة تماماً. إنما بالطبع، هناك حاجة الى أدلة قضائية لتقديم الصورة بكاملها أمام المحكمة. ودعيني أضيف، راغدة، ان لدى بدئي بالتحقيق لم يكن في ذهني أي صورة. فقد كنا منفتحين على كل الجهات، وحقّقنا في كل احتمال. وكما قال المحقق الكبير في فريقي – المحقق السويدي – عندما يبدأ المرء بالتحقيق، أمامه عشرة أبواب مشرّعة، فيغلق باباً وراء الآخر. وفي النهاية يبقى باب واحد مفتوحاً.

> وما هي تلك الحقيقة، سيد ميليس؟

– اعذريني، ليست لدي الصلاحية ولا الاستعداد للبوح بها. ولا منطق في قيامي الآن بالتعبير عن آرائي شخصياً في العلن.

> وهل تثق بأن العدالة ستأخذ مجراها؟

– آمل ذلك. نعم.

"الحياة"

اترك تعليق