افتتاحية العدد 107 من نشرة الرأي: الحوار بين مساندة النظام وملاقاة إرادة الشعب

0
885

 

بعد ثلاثة أشهر من اعتماد الحل الأمني وسيلة وحيدة لمعالجة الأزمة الوطنية في سورية، وما خلفه هذا الخيار من مآس متعددة الأشكال اتخذت شكل كارثة وطنية شملت مختلف أنحاء البلاد، طرح النظام فكرة “الحوار” عنواناً للمرحلة القادمة، كما جاء في قرار تشكيل “هيئة الحوار الوطني” المكلفة بذلك رسمياً، والتي تتولى مهمة “وضع الأسس لحوار وطني وتحديد آلية عمله وبرنامجه الزمني”. وقررت الهيئة عقد لقاء تشاوري في العاشر من تموز الجاري 2011، وتوجيه الدعوة إلى ” جميع القوى والشخصيات الفكرية والسياسية الوطنية لحضور هذا اللقاء  .

من نافل القول أن فشل الحل الأمني وانكشاف النظام في جوهره ووسائله وأساليب عمله من جهة، وتصاعد ثورة الشعب السوري واتساعها لتشمل مختلف أنحاء البلاد من جهة ثانية، هما الدافع الأساس لالتفات السلطة نحو ” الحوار ” كمدخل للخروج من أزمتها بسبب رفضها الاستجابة لمطالب الشعب ومضيها في سياسة الترقيع وكسب الوقت. وإضاءة على ما يجري، ولفرز مطلوب بين الأحلام والأوهام، نود الإشارة على الحقائق التالية  :

        وضوح حدود الصراع وآفاقه ومواقف طرفيه. فالشعب يزداد تمسكاً بأهدافه وتصميماً على تحقيقها بشجاعة لا توصف. والنظام يستمر في خياره الأمني ورفع وتائره بعنف لا حدود له رغم الكلفة الوطنية الباهظة لهذا الخيار.

        استمرار رؤية النظام للأزمة على أنها ” مؤامرة ” وإصراره على توظيف زبانيته ومؤيديه على شكل شبيحة إلى جانب القوى الأمنية والعسكرية في التنكيل بالشعب، مع ما يحمله هذا التصرف من مخاطر على الوحدة الوطنية.

        إطباق الحصار السياسي والإعلامي والأخلاقي على النظام من قبل المحيط العربي والمجتمع الدولي وأوساطهما الإنسانية والفكرية والثقافية، إضافة إلى تشديد العقوبات الدولية وتوسعها على رموزه البارزة.

        تصاعد حاد في مؤشرات الأزمة الاقتصادية التي تنذر بالخطر. فمن الدعوة لدعم الليرة خوفاً عليها من الانهيار، إلى الشح في مواد أساسية من السوق (المازوت) وارتفاع الأسعار، إلى الجمود الاقتصادي في مختلف القطاعات.

        خلص الشعب من خوفه وتردده وعزلته بعد أن فتحت له مجريات الثورة طريقاً واضحاً للخلاص من الاستبداد، وأعطته فرصة لتجديد حياته وبناء دولته المدنية الديمقراطية. وقد عبَّر عن ذلك بوضوح في نهوضه من السبات السياسي الطويل عبر اللقاءات والمؤتمرات والمبادرات والنشاطات السياسية المتنوعة داخل البلاد وخارجها، والتي نعتبرها حالة صحية وطبيعية وموضوعية، تبرهن عن غنى المجتمع السوري وطموحاته المشروعة.

من هنا فإن أي حراك سياسي، يتوخى مستقبل سورية ومصلحة شعبها، لا بد أن يعمل بهدي هذه الحقائق ودلالاتها، حتى يكون بالاتجاه الصحيح ويتمكن من تحقيق أهدافه. ومن المؤسف أن نرى بعضاً من جهود المعارضة ونشاطاتها بعيداً عن هذا السياق ، وتتسم بالتسرع وعدم الإحاطة بالقضية من جميع جوانبها. فتبدد جهوداً في غير محلها، وتضعف المعارضة وجبهتها، وقد تؤثر سلباً على الحراك الشبابي في الشارع، وتقدم بقصد أو بغير قصد خدمة مجانية للنظام أو بثمن بخس لا يجدر ذكره. وتلك مسؤولية وطنية لا بد من التوقف عندها بجدية.

ونحن في حزب الشعب الديمقراطي السوري، بعد أن اعتذر رفاقنا (الذين تمت دعوتهم) عن عدم المشاركة في الحوار الذي دعت إليه السلطة، إذ نقدم رؤيتنا لمسألة الحوار المطروحة وطريقتنا في مقاربتها والاشتراك فيها، فإننا نعلن التزامنا الكامل برؤية إعلان دمشق ومواقفه وقراراته، ورغبتنا بالتنسيق مع جميع أطراف المعارضة التي تشاركنا الرؤية والهم والرغبة بالعمل المشترك.

1.                  ليس الحوار هدفاً بذاته. إنه مدخل لكل مقاربة سياسية مشتركة للأزمة وبالتالي الوصول إلى خيار سياسي لحلها. ونعتقد بأهميته وضرورته، وأنه الطريق الإلزامي لخروج بلادنا من محنتها مهما طال الزمن. ولذلك فهو يستدعي الاعتراف بوجود الأزمة الوطنية وأبعادها وبفشل الحل الأمني وإيقافه ولملمة تبعاته على الأرض من عنف وقتل واعتقال وتهجير. ويحتاج إعداداً متأنياً وصدقية كما يتطلب توفير مناخات للحوار وأرضية صلبة له، بحيث يتم في إطار مؤتمر وطني للحوار.

2.                  مناخات الحوار تستوجب سحب الجيش والقوى الأمنية من المدن والسماح بالتظاهر السلمي لجميع السوريين، وإطلاق سراح جميع السجناء السياسيين، وتأمين عودة كريمة لجميع السوريين من الخارج وإلغاء كافة الإجراءات التي تحول دون ذلك وخاصة القانون 49 لعام 1980، ووقف الحملات الإعلامية المغرضة التي تزيّف وعي المواطنين وتشوه سمعة الثورة وشبابها. فالحوار واستمرار العنف في الشارع لا يتوافقان، يكون أحدهما حقيقياً والآخر زائفاً. والدم عندما يسيل في الشوارع لا يكون زائفاً. وفي ظل استمرار الخيار الأمني يكون الحوار قنبلة دخانية للتضليل وإيهام الداخل والخارج بالاستجابة لمطالب الشعب. أما قاعدة الحوار فلن تكون غير نقل البلاد من صيغة الدولة الأمنية الاستبدادية الفاسدة إلى صيغة الدولة المدنية الديمقراطية القائمة على مبادىء المواطنة والتعدد والحريات وسيادة القانون وتداول السلطة.

3.                  مستقبل سورية مرهون بشبابها الناهض وبقوى المعارضة التي طالما قارعت نظام الاستبداد على قاعدة التغيير الديمقراطي المنشود.وبما أن الشباب الثائر وأهدافهم موضوع القمع والحل الأمني، فلا بد أن يكونوا موضوع الحوار والحل السياسي أيضاً. وما لم يكونوا في صدر أي حوار يمكن أن يحصل، فليس بوسع هذا الحوار أن يكون حقيقياً ومنتجاً للتغيير.

4.                  الاعتراف الكامل بالأزمة الوطنية والسياسية الشاملة التي تعيشها البلاد ومسؤولية النظام عنها طيلة العقود الأربعة الماضية، وضرورة الاعتراف بوضوح ودون مواربة بالمعارضة السياسية وأحزابها الحقيقية، وأن ما يجري في الشارع الآن هو ثورة تعبر عن حركة الشعب السوري بأسره، وليست من صنع مخربين ومدسوسين، تنفيذاً لأجندات خارجية.

الكلمة الآن أصبحت للشارع وقواه المنتفضة وهي صاحبة الدماء والتضحيات وبالتالي فإنها الطرف الأساسي في صياغة الحياة السياسية لسوريا المستقبل. وهذا ما أدى إلى فرز سياسي في المواقف والتوجهات في سائر الأطراف والقوى والشخصيات السياسية، وأنه لا وجود الآن لطرف ثالث أو منطقة رمادية يختبىء خلفها من يريد قطع الطريق على الثورة السورية وأهدافها. وأن أي تلاق مع السلطة تحت أي ذريعة كانت بما يتعارض مع أهداف الثورة وشبابها تشكل خيانة للدماء السورية المهدورة، وانتقاصاً من حقوقها من إنهاء الاستبداد ومحاسبة من تسبب في إزهاق أرواح الشهداء. وطعناً لمطالب الشعب السوري في الحرية الكاملة غير المنقوصة، جنباً إلى جنب مع الكرامة والعدالة.

5.                   آفاق الحوار الذي تطرحه السلطة، وكما تشي بذلك محدداتها وسلوكها، لا تعطي أي دلائل على اقتناعها في ولوج هذا الدرب أو التعامل معه بجدية وصدق. فما زالت تفرِّق بين معارضة داخلية وأخرى خارجية وتتحدث عن” معارضة وطنية “، وتشير إلى الإصلاح ” تحت سقف الوطن “. ذلك السقف الذي طالما حددته على مقاسها ووفق رؤيتها ومصالحها.

6.                  إن احتدام الصراع بين الشعب الذي يريد تغيير النظام واستبداله بنظام جديد، والسلطة التي تريد تجميل صورتها بروتوش مناسب وإكسسوارات جديدة، وترقيع نظامها بغية إعادة إنتاجه أوتمديد عمره، يترافق مع عملية فرز واصطفافات جديدة في صفوف المجتمع وقواه المختلفة تقتضيها ظروف المرحلة، ويستحضرها طموح قوى جديدة في الدخول بمعترك الصراع السياسي القائم للمشاركة في عملية التغيير. ومن المؤكد أن جهود بعض هذه القوى وأهدافها لا تصب دائماً في طاحونة الشعب.

7.                  من هنا نرى أن تستند وحدة المعارضة – من أجل التغيير الديمقراطي بما فيه مسألة الحوار – على جذرية المواقف ووحدة الهدف والرؤية والتصور للمخارج ووضوحها، أكثر من السعي للتجميع الكمي والمتسرع لملاقاة مآرب خاصة أو جانبية، تتعدى المصلحة الوطنية العليا وأهداف الشعب الحقيقية.

8.                  لا بد من تجنب ما من شأنه إضعاف الثورة الشعبية، والحرص على عدم تشتيت الجهود وإيقاع البلبلة بين المواطنين وفي صفوف الشعب. وذلك عبر الحرص على عدم وقوع الحوار في خانة التضليل أو يوظف لخدمة النظام وأهدافه. فاللحظة السياسية دقيقة وحساسة، والأخطاء في مثل هذه الظروف المفصلية تكون بالغة الضرر وقاتلة.

لا يجود التاريخ بالكثير من الفرص كالتي تتاح اليوم أمام شعبنا ووطننا من أجل رسم مستقبله بإرادة حرة وبمشاركة الجميع. بحيث تطوي بلادنا صفحة الماضي بكل أخطائه وآلامه ومآسيه، وتنفتح على وضع وطني جديد جميل وتستحقه.

دمشق في 14/7/2011                                              الأمانة المركزية

لحزب الشعب الديمقراطي السوري

++++++++++++++++++++++++

 

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.