حوار مع الباحث السوري في الشؤون الإستراتيجية الدكتور عبد الله تركماني

    0
    952

    بالرغم من أنّ تولّي بشار الأسد السلطة قد بعث التفاؤل في نفوس السوريين بأنّ فترة حكمه قد تمثل تغييراً حقيقياً نحو الديمقراطية، فإنّ الحلم سرعان ما تبخّر عندما اتضح أنّ توجهات الأسد الابن لا تحيد عن رؤية الأسد الأب. وإن كان السوريون قد اكتفوا في الفترة الأولى من حكم بشار بمطالب إصلاحية، فإنهم منذ 2005 وعندما تبيّن لهم أنّ مطالبهم لن تتحقق، بدأت النخبة في سوريا بالمطالبة بالتغيير، لكن النظام تمكّن من قمع هذه المطالب. ومنذ أشهر تعود هذه المطالب من جديد مستفيدة من ربيع عربي متطلع إلى التغيير.

    حول مجريات الثورة في سوريا، واتجاهات الإصلاح والتغيير، ومستقبل النظام السوري، وأفق الثورة الشعبية التي تتوسّع رقعتها يوما بعد يوم، كان لنا حوار مع الباحث في الشؤون الإستراتيجية الدكتور عبد الله تركماني، المعارض السوري واللاجئ السياسي في تونس منذ 20 عاماً.

    وفيما يلي نصّ الحوار:

     

    * كيف تحلّل مسار الاحتجاجات الشعبيّة  في سوريا إلى حدّ اليوم ؟ وهل تعتقد أنّها ستصمد إلى أن يتغيّر النّظام ؟

    لا شكّ أنّ مجرّد صمود الحركة الشعبية السورية إلى حد اليوم منذ 15 مارس يبيّن أنّ زخم الحراك الشعبي كبير ومستمر، خاصة أنّ قاعدتيه الاجتماعية والجغرافية في توسّع مستمر. فقد انضمت فئات أخرى من عمّال وفلاحين وطبقة متوسطة إلى صفوف المحتجين. في المقابل نلاحظ ارتباكا لدى النظام السوري، لأنّ النظام كان يعتقد أنّه بوسائله الأمنية وبالضغط والتخويف قد قضى على إمكانية أي انتفاضة شعبية سورية. ولكن تبيّن بالفعل أنّ الشعب السوري توّاق إلى الكرامة والحرية وبناء دولة الحق والقانون. وحتى على مستوى الشعارات التي رفعها المحتجون، نلاحظ تطورا من المطالبة بالإصلاح إلى المطالبة بالتغيير الجذري للحياة السياسية في البلاد والمطالبة بعقد اجتماعي وسياسي جديد في سوريا. وأعتقد أنّ التّغيير حتميّ وقادم في سوريا لامحالة ولكن كلّ السيناريوهات محتملة، ويبقى العامل الداخلي هو العامل الحاسم في رأيي.

     

    * تقف المؤسسة العسكرية في سوريا إلى حدّ اليوم في صفّ نظام الأسد، باعتقادك هل يتغيّر موقف الجيش مثلما حصل في تونس ومصر؟

    السؤال الرئيسي هو هل تبقى المؤسسة العسكرية موحّدة، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار أنّ الجيش السوري يضمّ فرقا خاصة تابعة للنظام مثل الحرس الجمهوري بقيادة ماهر الأسد شقيق الرئيس، وهي عمليا التي تشرف على قمع الناس. وأعتقد أنّه كلما صمدت الحركة الشعبية وتصاعدت، كلما سيكون لذلك تأثير في المؤسسة العسكرية. وفي سوريا تمسك بعض العائلات من الطائفة العلوية بزمام النظام، وهناك كثيرون من أبناء الطائفة من العقلاء يفكرون في البحث عن مخرج للأزمة. عندما يتخّذ هؤلاء العقلاء من الطائفة العلوية موقفا واضحا مساندا للحراك الشعبي، عندها يمكن أن تنحاز المؤسسة العسكرية إلى الشعب. ولديّ معلومات تشير إلى أنّ بعضا من أبناء الطائفة العلوية يفكرون في حلّ للأزمة في سوريا. ولكن في اعتقادي يرتبط ذلك بمدى صمود الحركة الشعبية، كلما صمدت وتوسعت كلما دفع ذلك إلى تغيير ميزان القوى. فبنية النظام في سوريا غير قابلة للإصلاح، نحن إزاء دولة أمنية وكل المؤسسات الأخرى شكلية. واحتمال أن ينجح الأسد في تغليب خيار الإصلاح احتمال قائم ولكنّه ضعيف ولعلّ المؤسسة الأمنية تمنعه من ذلك، لأنّ مصالحها يمكن أن تتضرّر إذا ما اتخذت إجراءات إصلاحية جذرية. لذلك أستبعد أن يتخذ الأسد مثل هذه الإجراءات فقد أتيحت له فرص كثيرة ليقود عملية الإصلاح ولكن لم يبدِ أية نية لإحداث تغيير حقيقي في سوريا.  فبنية النظام السوري تقوم على أساس تمكين بعض  رموز الطائفة العلوية من مفاتيح المؤسسة الأمنية وبالتالي إذا تأثر العقلاء منهم بالمطالب الشعبية فمن الممكن أن يقود ذلك إلى تغيير.

     

    * تتحدّث بعض الدّول الغربية عن إمكانية فرض حظر جوي على سوريا مشابه لما حدث في ليبيا، في حين ترفض روسيا والصين هذا التوجه، هل يمثل الخيار العسكري برأيك حلا ؟ وهل يمكن أن يجرّ مثل هذا القرار المنطقة إلى حرب ؟

    كلّ السوريين يرفضون تماما مبدأ التدخل العسكري، ولكن في المقابل سوريا جزء من المجتمع الدولي، لذا فإنّ الاستعانة بالمؤسسات المدنية والإنسانية الدولية من أجل رفع المظلمة عن الشعب السوري، ومن أجل نيل الحرية والكرامة أمر مقبول. وأعتقد أنّه من المستبعد أن يتخذ قرار دولي بالتدخل العسكري، لأنّ الدّول الغربية تعي جيّدا أنّ سوريا مختلفة عن ليبيا. فموقع سوريا الجيوسياسي حساس جدا ويقع ضمن منطقة عدم استقرار. لذلك فإنّ أي خيار عسكري قد يؤزم الأمور أكثر بدل أن يحلّها.

     

    * تعتبر إيران حليفا استراتيجيا للنظام السوري، ما هي الخيارات التي يمكن أن تلجأ إليها طهران لدعم حليفها ؟

    أعتقد أنّ إيران دولة براغماتية تحاول كقوة إقليمية في المنطقة أن يكون لها تأثيرها ودورها الإقليمي من خلال تحالفها مع النظام السوري مثلا. ولكن لإيران أيضا مصالح خاصة، لذا فهي تحاول دائما إبعاد شبح التدخل الدولي أو الحرب عنها. لذلك تستخدم الورقة السورية وورقة حزب الله وحماس كأدوات ضغط لا أكثر. ويمكن أن تدعم  إيران النظام السوري لوجستيا وتقدم له الأسلحة ولكن أن تتدخل عسكريا لدعم سوريا فهو أمر مستبعد. فلإيران والنظام السوري عقلية واحدة إذ يدركان أن أي حرب أو تدخل لن يكون في صالحهما. إيران وسوريا هما قوتان اعتراضيتان لإفشال مشاريع الآخرين وليست لديهم رؤية لبناء المنطقة بعكس تركيا.

     

    * يبدو موقف تركيا شديد الحساسية إزاء مجريات الأمور في سوريا. ألا تعتقد أنّ أنقرة تملك أوراقا بوسعها التأثير في اتجاهات الوضع في سوريا ؟

    تركيا لديها نفوذ حقيقي في سوريا خاصة منه الاقتصادي، فخلال السنوات الأخيرة توطدت العلاقات الاقتصادية. والأهم من ذلك أنّ السياسة التركية نفسها سياسة عاقلة وناضجة. كما أن النموذج التركي هو نموذج جذاب للشعب السوري، فتركيا دولة عصرية حديثة فيها إسلام معتدل وديمقراطية وحياة حزبية ونمو اقتصادي وهذه عوامل جذب ناعمة. ويبدو أنّ تركيا لم تحسم موقفها بعد من الأزمة السورية ولكن بلا شك إذا لم يستجب بشار الأسد إلى دعوات إصلاح حقيقي، فإنّ القيادة التركية ستدعم أكثر المعارضة وستلعب دورا مؤثرا في مستقبل سوريا بعد بشار الأسد.

     

    * يرتبط النظم السوري بالداخل اللبناني، هل يمكن أن يؤديّ تغيير النظام في سوريا إلى إضعاف حزب الله وهل بوسع حزب الله، أن ” ينقذ ” النظام السوري من أزمته الراهنة ؟

    لا أعتقد أنّ حزب الله يمتلك القدرة على إنقاذ نظام الأسد، لا شك أنّ لسوريا نفوذها في لبنان ولكن كلّما تتراجع سوريا فإنّ أسهم النظام تتراجع  لصالح الحركة الشعبية، كذلك الأمر في لبنان إذ نلاحظ تراجع أسهم حزب الله خاصة بعد خطاب السيد حسن نصر الله المؤيد للنظام السوري.  وحقيقة فقد وردت بعض المعلومات عن أنّ طلاب حزب الله في جامعة دمشق كانوا يقفون جنبا إلى جنب مع الأمن واتحاد الطلاب الرسمي السوري لقمع المحتجين من الطلبة. ولكن النظام السوري في حقيقة الأمر ليس بحاجة لقوات أو دعم من حزب الله… وفي رأيي أنّ ما سمي حلف الممانعة في السنوات الماضية هو في تراجع الآن، لأنّه تبين أنّه لا يمكن لرأس الممانعة أن يكون ممانعا رئيسيا وهو يقمع شعبه.

     

    * كيف تقيّم موقفي الولايات المتحدة وإسرائيل تجاه التطورات الراهنة في سوريا ؟

    أستطيع القول إنّ إسرائيل خاصة بعد اتفاقيات فك الارتباط في 1974 مع سوريا مرتاحة جدا للنظام السوري. ومن المنطقي التساؤل عن السبب الكامن وراء امتناع سورية عن إطلاق رصاصة واحدة في الجولان منذ 1973. فضمان أمن إسرائيل عمليا تحقق من خلال النظام السوري. حتى التدخل السوري بلبنان في عام 1976  كان بضوء أخضر أمريكي وإسرائيلي. وبالتالي فإنّ إسرائيل قلقة من أن يؤدي أي تغيير في سوريا إلى تغيّر السياسات المتبعة تجاهها. وهناك قلق في إسرائيل من أن تغيّر الثورات العربية موازين القوى وتغيّر المواقف. فيما يتعلّق بالولايات المتحدة، أعتقد أنّ الإدارة الأمريكية الحالية وحتى السابقة ترى أنّ منطقة الشرق الأوسط التي تعيش ” استقرارا خادعا ” لم تعد تناسبها، وبالتالي فإنّ الولايات المتحدة مع التغيير في المنطقة، ومع مجيء نخب سياسية وفكرية جديدة. 

     

    *كيف تقرأ ما يجري في سوريا في علاقة بالثورات العربية الراهنة ؟

    من المؤكّد أنّ الثورة السورية تأثرت بالثورتين التونسية والمصرية، فكما كانت الشرارة الأولى لاندلاع الثورة في تونس هي محمد البوعزيزي، كذلك الأمر في سوريا فقد حصل حادث مشابه وكان سببا مباشرا لانطلاق الثورة في سوريا. إذ أنّ بعض الفتية السوريين في مدينة ” درعا ” كتبوا على جدران مدرستهم عبارات تتضمن المطالبة بإسقاط الرئيس ونظامه، فما كان من أجهزة الأمن إلا أن اعتقلت حوالي 15 طفلا أعمارهم بين 12 إلى 15 سنة وعذبوهم في السجن وعندما قدم آباؤهم بحثا عنهم عاملوهم بشكل غير لائق وقالوا لهم إنسوا أبناءكم، بذلك انطلقت الثورة في درعا مستفيدة من الأساليب والوسائل التي اتبعها الثوار التونسيون والثوار المصريون وطغى عامل الشباب عليها مثل الثورات الأخرى. كما استفاد الشباب من مواقع التواصل الاجتماعي للتنسيق فيما بينهم، إلى جانب النخبة التي واكبت هذه الأحداث ودعمتها بكل إمكانياتها. 

    اترك تعليق

    This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.