افتتاحية أطياف – العدوان الإسرائيلي على غزة مدخل إلى التوحيد أم ترسيخ للشقاق

0
858

إثنان وعشرون يوماً دكت فيها إسرائيل قطاع غزة بمختلف أنواع الأسلحة والذخائر، بما فيها المحرمة دولياً، من البر والبحر والجو، مدمرة البنية التحتية "لحكومة حماس"، من ثكنات ومقرات أمنية ووزارات ومؤسسات وأماكن إقامة قادتها، وطالت أيضاً منصات إطلاق الصواريخ، وخلال الهجوم البري دمرت مصادر نيرانها. كانت حصيلة هذه الحرب غير المتوازنة، المحضر لها، 1315 شهيد و5300 جريح معظمهم من المدنيين باعتراف إسرائيل وحماس، وتدمير حوالي 22000 بناء، وتجاوزت الخسائر ما قيمته 1.8 مليار دولار. أرجعت هذه الضربة القطاع عشرون عاماً إلى الوراء.

تحول خلال الأسابيع الثلاثة للحرب "عملية الرصاص المسكوب" الهدف المعلن لها، من اجتثاث حماس إلى توجيه ضربة قوية لها، وفق التصريح المتلفز لرئيس الحكومة المستقيلة إيهود أولمرت مساء 17/1/2009، خلال إعلانه قرار الحكومة الأمنية المصغرة بوقف إطلاق النار على غزة من طرف واحد.

ظهًَرت الأسابيع الثلاثة للحرب إرادة حياة لا تلين لأبناء غزة، ورؤى ومواقف متباينة ومتناقضة ومرتبكة وتحولات جديدة، من قبل حماس وسلطة عباس وإسرائيل ودول الممانعة والنظام العربي، والاتحاد الأوروبي وأمريكا والأمم المتحدة وشعوب العالم.

بررت حماس موقفها بوقفها العمل باتفاقية التهدئة، خرق إسرائيل المستمر لها بعمليات القصف والقنص والتوغلات والحصار وإغلاق المعابر، وعدم شمول الضفة الغربية بالتهدئة. الأمر الذي دفعها إلى تطبيق الرؤية الإيرانية في مواجهة إسرائيل، وذلك "بإشغال المجال الحيوي الإسرائيلي بالصواريخ، مما يؤدي بنهاية المطاف إلى تحرير فلسطين"، وما التدمير الهائل لقطاع غزة الناجم عن استخدام قوة نيرانية مفرطة لإسرائيل الذي طال البشر والشجر والحجر إلا الثمن الواجب دفعه من أجل الحرية، وما ثورة المليون شهيد في الجزائر ضد المستعمر الفرنسي إلا مثال قريب على ذلك (دون الأخذ بالاعتبار اختلاف الظرف العربي والإقليمي والدولي)، واعتبرت وقف إسرائيل لإطلاق النار بمثابة الانتصار الثاني للعرب على الصهاينة وفق خطاب مشعل المتلفز، لا بل إن استخدم هنية تعبير حسن نصر الله إثر حرب تموز 2006، بأن ما جرى نصر من الله.

طالبت سلطة عباس في رام الله، قبيل وقوع الكارثة، "حكومة" حماس في غزة وفق تعبير " خالد مشعل"، استمرار العمل بالتهدئة، لا بل حملت حماس مسئولية الحرب على غزة، ولكنها عادت وطالبت إسرائيل والمجتمع الدولي بالوقف الفوري لإطلاق النار وانسحاب جيش الاحتلال، مؤكدة على ضرورة وحدة الصف لمواجهة العدوان، كما طالبت برفع الحصار وفتح المعابر، ولكن وبمجرد تنفيذ وقف إطلاق النار هاجمت حماس لقيامها بتصفية عناصر فتح في غزة، الذين قالت حماس عنهم بأنهم عملاء للمحتل الإسرائيلي ويجب تقديمهم للمحاكمة.

يجمع المحللون والخبراء العسكريون أن القرار الإسرائيلي بشن حرب تدميرية على قطاع غزة قد اعتمد على االتالي: أولاً: إعادة الاعتبار للجيش الإسرائيلي بعد فشله في حرب تموز 2006 على لبنان وتدهور سمعته، ثانياً: الانتخابات في شباط 2009، من حيث المواقف من الحرب، تشكل فرصة للمزايدة بمسألة الأمن وحماية المدنيين، حيث وصلت نسبة تأييد الإسرائيليين للحرب واستمرارها 91.4 % . ثالثاً: توجيه رسالة للدول الإقليمية المعادية في حال سولت لها نفسها الاعتداء عليها. رابعاً: صحيح أن ظاهر المبرر للحرب الذي استخدمته إسرائيل هو رفض حماس تمديد التهدئة وعودتها إلى إطلاق الصواريخ، ولكن ربما يكون داخلها هو الضياع في الاستراتيجية، بعد فشل مشروع إقامة إسرائيل الكبرى من الفرات إلى النيل، أو مشروع الهيمنة السياسية والاقتصادية على المنطقة حسب رؤية شمعون بيريز، أو قلقها من التغير الديموغرافي القادم لصالح فلسطينيي 1948، ومن هنا نرى تخبطها في مسألة الهوية اليهودية التي تعود إلى الماضي والهوية المدنية الحديثة.      

لا يمكن تفسير التظاهرات الشعبية، المعترضة على المجزرة المرتكبة بحق أهالي غزة من قبل إسرائيل، إلا رؤية شعوب العالم، لحظة بلحظة، لما يجري في غزة من فظائع يندى لها الجبين الإنساني، من خلال المحطات الفضائية وللإنترنت والهواتف النقالة، الأمر الذي كانت إسرائيل تجيد إخفائه والنظام العربي يعجز عن تظهيره. عمت التظاهرات الشاجبة للعدوان كل أنحاء العالم، وتدهورت سمعة إسرائيل بشكل كبير، وتغير تموضع القضية الفلسطينية، بحيث أعيدت إلى سطح الأحداث السياسية الدولية. وهذا الاعتراض الشعبي يجب دراسته بعمق والبناء عليه إن كان ذلك بالمستوى العربي أو الإسلامي أو الأوروبي أو الدولي.

تميز الموقف العربي من بداية الأحداث لغاية كتابة السطور بالتصاعد، رغم ما تخلله من تباين واختلاف، ابتدء، بتحميل بعضهم، حماس مسئولية إعطاء الوحش الإسرائيلي الذريعة على العدوان. لكن وبنفس الوقت قام الجميع بشجب العدوان. وعقدت الدول العربية مؤتمر طارئ لوزراء الخارجية في القاهرة، كلف عشرة منهم بالتوجه إلى نيويورك من أجل العمل على استصدار قرار، مفاده وقف فوري لإطلاق النار، وانسحاب فوري جيش الاحتلال الإسرائيلي من قطاع غزة، وفك الحصار وفتح المعابر، وإعادة اعمار غزة، وإيصال مساعدات فورية طبية وغذائية وطاقية، نظراً للوضع الكارثي لأبناء القطاع، الناجم أساساً عن الحصار ومن ثم الدمار. وبنفس الوقت كانت الأطراف الممانعة تشيع بأن دول الاعتدال العربي خائنة وهي التي مهدت الطريق للعدوان وسوغت قتل الفلسطينيين، حيث كان من الممكن فتح معبر رفح لتسهيل هروب الفلسطينيين إلى مصر.

برز الدور فرنسي في الأيام الأولى للعدوان حيث تشاركت مع مصر بوضع ما يدعى بالمبادرة المصرية لوقف العدوان التي شكلت الأساس لقرار مجلس الأمن رقم 1860 الذي صدر بتاريخ 8/1/2009، أما موقف الاتحاد الأوروبي فقد بدى متراجعاً عما التزم به سابقا بالعمل على إقامة الدولتين، خصوصاً الموقف الفرنسي، كما ظهر هذا في مؤتمر وزراء خارجية الاتحاد بتاريخ 9/12/2007، حيث لم يأت على ذكر شيء بهذا الخصوص، بالعكس دعا المؤتمر إلى زيادة مساعدة إسرائيل، واعتبارها دولة مفضلة، مثلها في ذلك مثل الدول العظمى كأمريكا والصين وروسيا. وكان الموقف من العدوان غير فاعل حيث استمر عمل آلة القتل والتدمير الإسرائيلية في غزة، على الرغم من جريانها على مرأى ومسمع من شعوبها واعتراضها عليها، وتلخص الموقف بالمطالبة بوقف الهجوم الإسرائيلي وأيضاً وقف إطلاق صواريخ حماس.

كان الانحياز الأمريكي سافراً إلى جانب إسرائيل حيث اعتبرت العمليات العسكرية الإسرائيلية دفاعاً عن النفس لا بل حض الكونغرس الأمريكي الإسرائيليين على الدفاع عن وطنهم.

كان التحرك التركي متميزاً حيث أدان العدوان بأقوى العبارات وتبنى المطالب الفلسطينية برفع الحصار وفتح المعابر ووقف إطلاق النار…

لم يبرز الإيرانيين إلى واجهة الحدث، كانوا يعملون من وراء الستار خلف حماس والحكومة السورية وحزب الله، ولم تظهر سوى رسالة مرشد الجمهورية الايرانية آية الله علي خامنئي الى رئيس الحكومة الفلسطينية المقالة اسماعيل هنية، اشاد فيها بـ«الإيمان والصلابة المشرفة التي ابديتموها انتم وكل أهالي قطاع غزة في مواجهة اكثر الجرائم الحربية فظاعة في التاريخ» معتبرا انها «فضحت اميركا وداعمي الكيان الصهيوني والخونة والمنافقين في الأمة الاسلامية»، مضيفا  «ليعلم الخونة العرب ان مصيرهم لن يكون افضل من اليهود في حرب الأحزاب»!؟.

صدر قرار مجلس الأمن رقم 1860 بتاريخ 8/1/2009، الذي مفاده الوقف الفوري لإطلاق النار الذي يؤدي إلى الانسحاب الكامل لقوات الاحتلال، والاعتماد على المبادرة المصرية في وضع آليات تنفيذ القرار بالتضافر مع الجهود الإقليمية والدولية. مثّل هذا القرار ثمرة جهود وزراء الخارجية العرب العشرة الموجودين في ردهات مجلس الأمن، امتنعت كل من أمريكا وأندونيسيا التصويت عليه الأولى اعتبرته منحازاً للفلسطينيين والثانية اعتبرته جائراً بحق الفلسطينيين، رفضت إسرائيل الانصياع للقرار واستمرت عملياتها لغاية 18/1/09، وبالمقابل أعلنت حماس أنها غير معنية به.

مساء يوم السبت 17/1/09، أعلنت إسرائيل وقفاً لإطلاق النار من طرف واحد بعد أن زعمت أنها حققت أهدافها من الحرب. تلاها بعد بضع ساعات إعلان حماس الهدنة لمدة أسبوع لاتمام انسحاب الجيش الإسرائيلي من أراضي قطاع غزة. وفي يوم الإثنين 19/1/09، أتم الجيش الإسرائيلي الانسحاب من غزة، حيث تزامن هذا الانسحاب مع تبوء باراك أوباما الرئاسة بشكل رسمي.

شجع تصاعد المعارضة الشعبية في كل أنحاء العالم كل من إيران وسوريا وقطر على الدعوة لعقد مؤتمر قمة عربي طارئ جدول أعماله نقطة واحدة غزة، وعدم انتظار قمة الكويت يوم الثلاثاء 20/1/09. مثلت هذه الدعوة ذروة الانقسام العربي. عقد هذا المؤتمر في الدوحة يوم الجمعة 16/1/09، حضره كل من سوريا والسودان وموريتانيا وجزر القمر ورئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل وقطر الدولة المضيفة، وإيران وأندونيسيا كضيوف. وعمق حضور مشعل الانقسام الفلسطيني، وأمعن في التعميق موقف الأسد في الكويت حول ضرورة حضور مشعل أيضاً، وتمسكه بتوصيات الدوحة الخاصة بسحب مبادرة السلام العربية.

بينما في المقلب الآخر دفع، استفحال كارثة أهل غزة وتصاعد الاعتراض الشعبي عليها، دول الاعتدال عربي، إلى رفع سقف طروحاتها، وظهر ذلك بالخطاب المتلفز لمبارك يوم الأحد 18/1/09، تلاه خطاب الملك عبدالله في قمة الكويت 20/1/09.

لم تشفع كارثة غزة، وخطورة الانقسام العربي، ودعوة خادم الحرمين الشريفين للترفع عن الخلافات وإلى المصالحة وتوحيد الصف، في دفع الممانعين إلى توحيد الصف، حيث أدى ذلك إلى فشل مؤتمر قمة الكويت بوضع آلية عمل موحدة لمواجهة ما بعد العدوان، واكتفى ببيان بسيط عباراته مجمع عليها بين المؤتمرين حفظاً لماء وجههم، وأحيلت كافة المسائل لوزراء الخارجية للمتابعة.

وتبقى الإشكالية قائمة، بأن هذا المؤتمر كان منوط به حل مشاكل كثيرة موجودة على الأرض، بدءً من الوضع الإنساني لأهالي غزة، ومسألة إعادة الإعمار والصندوق الذي سيقوم بذلك وآلية التنفيذ، ثم مسألة ترتيبات التهدئة باعتبار أنه لا يوجد على الطاولة أمام الأطراف سوى آلية واحدة وهي المبادرة المصرية المختلف عليها.

فالنظام العربي ممثلاً بمؤتمر القمة لا يستطيع أن يستقيل من دوره، وفي حال حدوث ذلك، فهذا يعني ترك الأمور للآخرين لأمريكا أو أوروبا أو إيران أوتركيا.

إن تقرير منظمة كير الصادر بتاريخ 23/1/09، عن وضع سكان غزة، أفاد أن 89 % منهم لم يتلقوا أي معونة منذ بدء العدوان، أي أننا أمام كارثة إنسانية متفجرة ويجب مواجهتها.

 

الوجه الإقليمي للأزمة:

منذ صعود حماس إلى السلطة، ولغاية الآن، لا يمكننا إغفال الدور الإيراني في الملف الفلسطيني وردود الفعل الإسرائيلية عليه. وأيضاً بروز الدور التركي كلاعب جديد في المنطقة يبحث عن دور خاص به، يستخدم علاقاته المميزة مع العرب المعتدلين والممانعين ومع إسرائيل والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية،  وحتى مع حماس معتمداً بذلك على أصوله الإسلامية،  مستخدماًً القوة الناعمة، هادفاً إلى موازنة الدور الإيراني.

لوحظ أن الدور الإيراني في هذه الأزمة لم يكن بارزاً، وإنما كان مختفياً وراء الأطراف المتحالف معها. بينما كان حضور نجاد لمؤتمر الدوحة كفاعل أساسي وليس ضيفاً ذو حضور رمزي. أججت إيران الخلافات العربية العربية وعمقتها ووجهت أقذع النعوت والاتهامات لمصر واعتبرتها شريكاً في العدوان على غزة وطالبتها بإلغاء معاهدة السلام مع إسرائيل. ودفعت حماس لعدم تمديد الهدنة وإلى تأجيج الصراع. وفُسر أن الهدف من السلوك الإيراني هذا هو تقوية أوراقها في المفاوضات المباشرة الموعودة بها من الإدارة الأمريكية الجديدة.

تميز الأتراك بحضورهم منذ بداية الأزمة، حيث قام رئيس وزرائهم رجب طيب أردوغان بزيارة كل دول المنطقة، بحثاً عن وقف لإطلاق النار وإغاثة أبناء غزة، وأدان العدوان بشدة، وطالب الأمم المتحدة منع إسرائيل من الدخول إليها بسبب عدم انصياغها لقرار مجلس الأمن 1860. وقام أحمد داوود أوغلو مستشار أردوغان الرئيسي بدور بارز في اللقاءات التي عقدت في دمشق والقاهرة ومع حماس، من أجل ترتيب وقف إطلاق النار وتقريب وجهات نظر مختلف الأطراف. وفي هذا الصدد يقال أن إسرائيل لم توافق على وقف إطلاق النار إلا بعد أن أعطت حماس تركيا موافقتها على قبول هدنة معها.

 

الوجه الدولي للأزمة:

جاء توقيت إسرائيل لحربها الإجرامية على غزة مستغلاً المرحلة الانتقالية بين رئاستين في الولايات المتحدة الأمريكية، ومتكئاً على ضعف الدور الأوروبي في المنطقة، وعلى انحيازهم السافر لصالحها.

حصلت إسرائيل على دعم غير محدود من الولايات المتحدة الأمريكية، حيث زودتها بأحدث منتجاتها من الأسلحة والذخائر الذكية، وعرقلت عقد جلسة طارئة لمجلس الأمن من أجل استصدار قرار بوقف إطلاق النار ووضع حد للمجزرة في غزة، رغم مناشدة الوفد الوزاري العربي الضخم الموجود في نيويورك لها، وتوجت مواقفها بالامتناع عن التصويت على القرار 1860 ضاربة عرض الحائط بكل المعايير الإنسانية، ونكثت بتعهدها أمام الوفد الوزاري العربي بالتصويت مع القرار، لا بل حملت حماس المسئولية عن المجزرة، تحت ادعاء حق إسرائيل الدفاع عن نفسها. وفي هذا السياق أثار موقف أوباما الصامت، تحت زعم أن هناك رئيس واحد وسياسة واحدة لأمريكا، الكثير من الاستغراب.

أفسح الغياب الأمريكي عن المنطقة المجال للتحرك الأوروبي، وقام الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي بزيارة كل دول المنطقة، وطرح مبادرة بالتنسيق مع الحكومة المصرية، لإيجاد تفاهمات تجاه التهدئة ووقف إطلاق النار وفتح المعابر ورفع الحصار، ولعبوا دوراً في صياغة القرار 1860 واستصداره، وفي تبنيه للمبادرة المصرية. وحضر القادة الأوروبيين مؤتمر شرم الشيخ دعماً للموقف المصري وقوة لمبادرتها في مواجهة الحملة الإيرانية عليها.

وعلى الرغم من جولات ساركوزي المكوكية الإقليمية والدولية، التي أخذت في بعض الأحيان شكلاً استعراضياً، بقي الدور الأوروبي ضعيفاً في المنطقة، ولم يتمكن من ملئ الفراغ الناجم عن الغياب الأمريكي. ولا بد لنا أيضاً من التنويه، في هذا الصدد، عن خفوت الدور الروسي، وغياب الدور الصيني.

خسرت إسرائيل في سلوكاتها تجاه غزة الكثير من سمعتها الأخلاقية والسياسية على المستوى الدولي والشعبي، وأعادت قضية فلسطين إلى الخارطة السياسية. ويعود الأمر الآن إلى الأطراف الوطنية البناء على هذا المستجد.

وفشلت إسرائيل أيضاً اقتلاع حماس من غزة، لأنها مكون رئيسي من الشعب الفلسطيني ومقاومته، مهما كانت الأجندات التي تعمل عليها فلسطينية أم إقليمية، وبالتالي أصبح من الضروري على جميع الأطراف العربية والإقليمية والدولية الإقرار بهذا الواقع، وبالأساس الإقرار بحق الفلسطينيين ممارسة شتى أشكال النضال، بما فيها الكفاح المسلح، في معركتهم ضد الاحتلال الإسرائيلي.

وبسبب ما آلت إليه القضية الفلسطينية عموماً، وبسبب ما استجد من كارثة في غزة، أصبح من الواجب على كل من حماس وفتح التوافق على استراتيجية سياسية واحدة، تتضمن المسائل التالية الواجب انجازها أولاً استكمال التحرير وثانياً بناء الدولة المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، وثالثاً عودة اللاجئين. والعمل فوراً على تشكيل حكومة وحدة وطنية لمواجهة كارثة غزة، والإسراع بوضع آليات عمل شفافة لإعادة بناءها.

يبدأ هذا عملياً بالخطوات التالية المذكورة في التقرير رقم 73 بتاريخ 19/3/08 الذي اقترحته المجموعة الدولية لحل الأزمات:

1. التحضير لحوار يهدف لتحقيق المصالحة الوطنية مع اتخاذ اجراءات فورية لتخفيف التوتر وإعادة بناء الثقة، مثل:

‌أ. وقف جميع الحملات الاعلامية والتحريض المتبادل؛

‌ب. وقف المضايقات وعمليات احتجاز عناصر "فتح" فى قطاع غزة وعناصر "حماس" فى الضفة الغربية؛

‌ج. الاتفاق على إجراءات تهدف لاستعادة رموز الوحدة الفلسطينية فى غزة، بما فى ذلك إخلاء "حماس" لمقر الرئاسة ومقار السلطة الفلسطينية الأخرى.

2. لحين التوصل لاتفاق المصالحة الوطنية، اتخاذ خطوات لتحسين الحكم فى غزة وتخفيف معاناة سكانها، بما فى ذلك:

‌أ. بالنسبة لحكومة حماس فى قطاع غزة:

i. تمكين المؤسسات العامة من العمل دون تدخل من قبل الفصائل والجماعات المسلحة ودون تمييز ضد موظفين الحكومة أو ضباط الشرطة الذين اشتركوا فى الاضرابات التى تلت استيلاء حماس على السلطة في يونيو 2007؛

ii. التمسك باستقلال القضاء، واعادة تعيين النواب العموميون الذين تم فصلهم أو منعهم من أداء وظائفهم، والالتزام بالاجراءات القانونية فى عمليات الاحتجاز والاعتقال والمحاكمة؛

iii. السيطرة على أنشطة المسلحين والمجموعات المسلحة، ومنعهم من التدخل فى شئون حياة الموطنين اليومية، ووقف التعدي على حرية التجمع وحرية التعبير وحرية ممارسة الأنشطة السياسية السلمية؛

iv. ضمان تقديم الخدمات العامة للمواطنين بشكل محايد.

‌ب. بالنسبة للسلطة الفلسطينية فى رام الله:

i. تشجيع موظفي السلطة الفلسطينية وغيرهم من العاملين بالقطاع العام بالعودة إلى وظائفهم، بما فى ذلك القضاة، والأطباء، والشرطة المدنية؛

ii. الحفاظ على دفع المرتبات لموظفى الحكومة وغيرهم من العاملين بالقطاع العام؛

iii. مواصلة دفع نفقات المرافق والخدمات الأساسية فى قطاع غزة؛

iv. الدفع من أجل – وتسهيل كلما كان ذلك ممكناً – فتح المعابر.

إن بقاء الأمور على ما هي، "حكومة" في غزة، كما دعاها مشعل في الدوحة، مجروحة شرعيتها بعد انقلابها واستئثارها فيها، وسلطة بالضفة الغربية، ضعيفة شرعيتها بعد انتهاء صلاحية رئيسها، يدفع بالقضية الفلسطينية نحو التدهور أكثر فأكثر، ويحقق المآرب السياسية الإسرائيلية، بالإدعاء أن الشريك الفلسطيني غير موجود، ويبقي الانحياز الدولي السافر إلى جانب إسرائيل قائماً، ويساعد على دفع النظام العربي نحو المزيد من الضعف والتفكك، بدلاً من أن تكون أعدل قضية في العالم، على مر ما يزيد عن ستة عقود، عامل توحيد بين العرب والقوى الخيرة في العالم. ربما تشكل دعوة خادم الحرمين للمصالحة ضوءً ما لحل لإستعصاء العربي.  

       

             

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.