تصويت عالمي لأميركا مختلفة … لا لأوباما!

0
110

جرت العادة أن توصف الانتخابات التي تجري كل أربع سنوات لانتخاب رئيس جديد للولايات المتحدة بأنها الأهم في التاريخ السياسي الأميركي. وهكذا يجري وصف الانتخابات التي تجري غداً، فقد يسجل التاريخ أنها بالفعل واحدة من أهم الانتخابات الرئاسية الأميركية، وربما الأهم من أي انتخابات جرت وتجري في دولة أخرى في العالم.

ومن دون مبالغة نستطيع القول إنها الانتخابات التي قدمت شهادة تثبت أن حلم مارتن لوثر كينغ الذي جاءه في يوم من أيام عقد الستينات واغتيل بسببه يتحقق. ها هو رجل أسود، رجل من أبناء شعب آخر في أميركا، شعب غير الشعب الذي أسس اميركا وتوسع في القارة وأباد شعوباً أصلية من ألوان أخرى، وهزم إمبراطورية الاسبان التي كانت تسيطر على مساحات شاسعة من اميركا الشمالية، يقف على عتبات بيت الرجل الأبيض في شارع بنسلفانيا في وسط العاصمة واشنطن مدعواً من غالبية تمثل شعوب الولايات المتحدة كافة. وفي يوم قريب، يوم لم يأت مثله في تاريخ اميركا، وسيكون يوماً مشهوداً في التاريخ السياسي العالمي، سيعبر هذا الرجل الأسود عتبات البيت الأبيض رئيساً وليس ضيفاً، وسيدلف بعد عتباته إلى داخل أشهر مكتب رئاسي في التاريخ المعاصر. سيدخل المكتب البيضاوي ويجلس خلف المكتب الذي شهد توقيع قرارات كانت سببا في تغيير أنماط حياة ملايين البشر بالموت أو بالإفقار أو بالرخاء والرفاهية.

مفهومة ومقدرة أحسن تقدير أسباب اهتمام شعوب الولايات المتحدة بكل ألوانها ومذاهبها وعقائدها بوصول هذا الرجل الأسمر الرشيق إلى هذا الموقع القريب من البيت الأبيض، راضية كانت أم مغلوبة على أمرها. ومفهومة أيضاً أسباب اهتمام شعوب العالم خارج اميركا بهذه الانتخابات ونتائجها. فالتطورات المصاحبة لهذه الانتخابات والسابقة مباشرة عليها والمتوقعة من جانب أبسط الاقتصاديين والسياسيين فهما، أكثرها مثير للانتباه ومثير لتوقعات شتى ومثير لأسئلة متعددة.

من ناحية يبدو لبعض الناس في اميركا وخارجها أن وصول أوباما إلى هذه المرحلة في سباق الرئاسة تتويج لنضال طويل ونهاية لمآسٍ عديدة، ولكنه يبدو لآخرين بداية مواجهات من أنواع مختلفة. ففي إفريقيا شمالا وجنوبا على سبيل المثال نشوة وابتهاج. وفي أفريقيا الغربية شعور بالرضا عن تطور أعاد الاعتبار الى شعوب عاشت قروناً يعذبها شعور عميق بمهانة العبودية وتجارة الرقيق، وفي أفريقيا الشرقية، وبخاصة في كينيا شعور بالفخر، فها هو ابن رجل من كينيا يصل إلى موقع السلطة في قمة العالم. سيطمع السود الأميركيون بالمزيد من المساواة والعدالة وسيطمع السود في أفريقيا بالمزيد من احترام الشعوب الأوروبية وعدالة في التجارة الدولية. قد تكون هذه الانتخابات بداية النهاية لعنصرية دامية ومؤلمة، ولكن قد تكون أيضاً محطة جديدة على طريق عنصرية أشد وأعنف، فبعض التفكير أو غالبه ما زال يدور حول أبيض وأسود، والشعب الأميركي من أصول لاتينية يقف مترقباً، إن لم يكن متربصاً، والشعب الأميركي من أصول يهودية يقف متفحصاً ودارساً ومستعداً لكل الاحتمالات وبخاصة ما يتعلق منها بهيمنته على مفاتيح صنع السياسة الخارجية وما يتعلق منها خصوصاً بإسرائيل. والأقلية المحافظة المتعصبة المتحكمة في عديد «الميديا» والمنتشرة في أقاليم الوسط وبخاصة جنوب الوسط في الداخل الأميركي تقف متأهبة لاستعادة ما فقدت. ويصعب إغفال احتمال أن تبقى مشكلات السود في اميركا، والفقراء عموماً، من دون حلول ملموسة، فتكون النتيجة ابتعاد السود في اميركا وأفريقيا والكاريبي عن أوباما، وعودة فقراء العالم إلى كراهية اميركا. كما أنه لا يجوز إغفال عواقب اكتشاف السود في اميركا حقيقة أن أوباما ليس رئيساً للسود وإنما رئيس للأمة الأميركية. سيظل أوباما مطالباً بأن يدفع ثمن لونه إلى السود الذين صوتوا له بغالبية ساحقة، وبأن يدفع للبيض الذين صوتوا له ثمناً مناسباً من حصيلة التغيير الذي ينشده.

من ناحية ثانية، جاءت الانتخابات، وربما يأتي فوز أوباما، في وقت يشهد انحساراً شديداً للطبقة الوسطى الأميركية، وهي الطبقة العماد، عماد القوة الاقتصادية، وقوة التفوق الأكاديمي والتكنولوجي، والقوة العسكرية، وهي أيضا عماد مستقبل اميركا، فمن دونها أو في حال استمرار ضعفها سيتصاعد توحش الطبقة التي جلبت الحال التي هي أقرب الأحوال إلى الخراب لأميركا والعالم. ولن تكون مهمة أوباما في استعادة نفوذ هذه الطبقة وثقتها بنفسها مهمة يسيرة، وبخاصة بعد أن فقدت هذه الطبقة ثقتها في النخبة السياسية، سواء الحاكمة أو تلك التي سمحت لإدارة بوش بأن تفعل بأميركا ما فعلته، حتى احتلت في نظر العالم الخارجي مكانة دولة الشر والظلم والكذب.

من ناحية ثالثة، وسواء وجد بيننا أو لم يوجد من اقتنع بأن الدين في اميركا لا يتدخل في السياسة، تبقى الحقيقة أو الأوهام قائمة وراسخة بأن البيت الأبيض، مقر الرئاسة الأميركية، هو في الوقت نفسه رمز قوة الحضارة الغربية الراهنة، وهي الحضارة البيضاء المسيحية والمعتزة أحياناً بأصولها اليهودية، والمتأثرة في أحيان غالبة بنفوذ القوى الصهيونية وأفكارها. في هذا البيت الأبيض، وداخل هذا الرمز سيعيش لمدة أربع سنوات على الأقل رجل أسمر اللون، لا يستطيع – مهما حاول – أن يقنع الجميع بأن أصوله بيضاء ومسيحية ويهودية وأن دوره في البيت الأبيض قيادة عمليات التبشير الديني بالمسيحية وقيم الرجل الأبيض، مثلما فعل زعماء آخرون عاشوا في هذا البيت، ومن داخله قادوا الإنسانية إلى انتعاش أو خراب، وآخرهم جورج دبليو بوش. ستكون مهمة صعبة، إن قرر أوباما أن يكون زعيماً دينياً في إطار العقيدة المسيحية، فالشكوك في حقيقة أو قوة إيمانه بالمسيحية ستظل قائمة، أو اذا قرر أن يكون زعيماً دينياً في إطار العقيدة الإسلامية إذ لن تسمح له المؤسسة السياسية الأميركية بإعلان إيمانه بالإسلام إن كان كذلك، أو قرر أن يكون لا دينياً ولا غربياً، فقاعدته الشعبية ستبقى ضمن إطار مجتمعي يلعب فيه الدين دوراً أساسياً وتتولى قيادته أقلية بيضاء من أصول أنغلو سكسونية ويهودية غربية.

من ناحية رابعة، صار واضحاً بشكل أو بآخر أن «العالم» صوّت لصالح أوباما، وبمعنى أدق صوت العالم لصالح اميركا كما يتمناها اوباما أن تكون. صوت لأميركا التي يتعين عليها أن تنهي حربين ناشبتين في أفغانستان والعراق، وأن تستعيد إعجاب الشعوب بإنجازاتها وعلو منظومة القيم فيها بالمقارنة مع منظومات متخلفة تتكاثر أو تتعمق في أنحاء متفرقة من العالم. صوت العالم لأميركا لتتخلى عن غطرستها وممارسة العنف واستخدام الترهيب والتعذيب ولتعدل في التجارة الدولية. وصوّت العرب من أجل اميركا التي لن تكرههم ولا تكره المسلمين والإسلام ولا تحابي إسرائيل وتدعم إرهابها وإرهابيها. وصوت الشعب الروسي لأنه يريد اميركا التي لا تمانع في أن تكون روسيا قوية ومنصفة ومسالمة، وصوتت آسيا بوسطها وغربها لأوباما لأنها تريد قيادة في اميركا تعرف كيف تتعامل مع العناد الإيراني من دون استخدام العنف والعقوبات أو التهديد بها.

العالم غير منشغل أو مهتم بمن سيكون وزيراً للخارجية في حكومة اوباما. لا يهم إن تولى المنصب ريتشارد هولبروك أو بيل رتشاردسون أو جون كيري أو حتى كولن باول العائد زاحفا بالندم أو بغيره. العالم يهمه فقط أن يأتي إلى البيت الأبيض شخص يعلن نهاية مرحلة مظلمة في التاريخ الأميركي المعاصر وتاريخ الأمم.

 

 

  • كاتب مصري

"الحياة"

اترك تعليق