مزار .. أبو طاقة . رواية وضعت الملح على جرح قديم في ذاكرتي

0
558

  جئت إلى الدنيا أوائل الخمسينات من القرن المنصرم في قرية من قرى ريف جبلة . قريتي (بشراغي ) وهبها الله من صفاته الكثير ,ومن أهم صفاته فيها العلو والجمال , يحرسها الأولياء الصالحون من الجهات الأربع ,الشيخ محمد باشا من الشرق ,والشيخ علي بن صارم من الغرب ,والشيخ علي بالخريبة من الجنوب والشيخ احمد بن خزمة من الشمال. كل ولي فًرض هيبته وحضوره الدائم ضمن غابة سنديان وارفة الظلال لا يجرؤ احد من سكان القرية العبث فيها .

أما البيت الذي ولدت فيه فهو كسائر بيوت القرية آنذاك , بيت من الطين يتوسط ملحقات لها علوها حسب أهميتها , ملحق الزريبة(السدة) للدواب وخم للدجاج وملحق للمؤونة ( الخٌزيْنة ).

 أترابي عاشوا طفولتهم  مثلي مع الجن التي تسكن أحراش القرية . روت لي أمي انها في يوم من الأيام كانت تغسل لنا ثيابنا على نبع عين الغار , لكنها تركت النبع وعادت عندما رأت عنزة على أعلى غصن في شجرة الجوز التي تظلل النبع , لان منظر العنزة أوحى لها انها غاضبة ويمكن ان تفش خلقها بتمزيق ثيابنا

امتازت حارتنا في القرية بميزة فريدة من نوعها , كل بيت فيها – ومنها بيتنا-  في قلب القرية وعلى طرفها بان واحد ,  بضعة أمتار من باب البيت والى الأسفل يصبح المرء مع الحقول المنحدرة التي تنتهي بعين فتوح , وبضعة أمتار الى الأعلى يصبح بين زواريب القرية وبيوتها المتلاصقة  .

كان موسم أهل القرية الرئيسي  يعتمد على زراعة التبغ البلدي ,  يُزرًع ضمن قطع من الأرض – حواكير- مسورة بالحجارة تسبب لهم ألف شجار فيما بينهم -منها مثلا-

يحب التبغ البلدي  ضوء الشمس ويكره الظل وجذوع الأشجار التي تأتيه من أطراف الحاكورة  , ولما كانت حواكير الفلاحين تتداخل فيما بينها  , والبعض يصعب عليهم  زراعة التبغ, لذلك يقوم بنصب الحاكورة أشجارا مثمرة مثل الجوز او التوت او التين  , وهي تزعج حاكورات التبغ المجاورة.

جرت الحادثة التالية التي حفرت في ذاكرتي .

استيقظت صباحا على شجار شديد بين أبي وعمّي , كاد يودي بهم الى نظارة المخفر , لولا تدخل القرية كلها والاتفاق على حل المشكلة في مزار ابو طاقة . رأى والدي شجرة جوز فتية ذلك الصباح – كان قد زرعها في زاوية حاكورته – محطمة ومنزوعة من التربة , اتهم  عمّي صراحة انه السبب في اتلافها كي لا تضر شتلات التبغ في حاكورته مستقبلا .وعمّي اقسم الا علاقة له بذلك , بل هو من فعل الريح التي هبت في الليل .

في صباح اليوم التالي وانا بجانب والدتي استفسرت منها عن سر مزار ابو طاقة, ولماذا يلجأ اليه أهل قريتنا مع أنه يبعد عنها مسافة أكثر من عشرة ساعات سيرا على الأقدام , والشيخ علي عندنا يفلح طوال الليل على كل من يحلف كذبا في حضرته وهو على بعد أمتار منا  .

قالت والدتي :

يا بني ان سر المقدس ابو طاقة تتجلى بمعرفة الكاذب من الصادق حالا , ففي حائط قبته طاقة صغيرة يدخل من يُشًك في أمره رأسه فيها , فاذا كان كاذبا عصت الطاقة على رقبته وعجز عن إخراج رأسه منها حتى يعترف بذنبه ,  وان كان صادقا اتسعت الطاقة وادخل الشخص رأسه وأخرجها من الطاقة ببساطة .  

………………………………………………..

قفزت الى مخيلتي تلك الحادثة  حالما وقعت عيناي على الرواية  التي بين يدي عندما رأيتها مصادفة في بيت أحد أصدقائي فاستعرتها في الحال .

 

مزار .. أبوطاقة : للكاتبة فاديا سعد : صادرة عن دار حوران عام 2006 في – 340 –  صفحة .  تدور أحداثها في قرية تدعى –  الغارة   وسواء كان الاسم حقيقيا أم متخيلا فهي تشبه قريتي من جميع الجوانب تقريبا  , لاتختلف عنها سوى أنها تضم أناسا من لونين طائفيين في حين تقتصر قريتي على لون طائفي واحد, وتشاء الصدف  ان يكون احد أقاربي متزوجا من قرية مختلطة في ريف صافيتا وبجانب ذلك النهر الموصوف في الرواية  الذي يفصلها عن لبنان . واذكر من حكاياتها عن نساء قريتها اللواتي كن يعملن في التهريب الكثير.

البعض  منهن  كن يخفين راديوهات الترانسيستور  او علب التبغ  تحت ثيابهن . مما جعل القرية تتناقل القول التالي على لسان الشرطي : 

  – ما هو مشروبه اليوم ياخالتي ؟  لا بل ان احداهن جرت لها الحادثة المضحكة التالية : نتيجة الضغط بالخطأ على مفتاح المذياع انطلق صوت من بين فخذي المرأة يقول: هنا القاهرة .

يتحرك فضاء الرواية داخل زمن يوازي زمن قريتي منذ طفولتي وحتى الآن . تقول الرواية ص 35 ( كان عويضة اليتيم قد عاش طفولته في كنف عائلة ابراهيم بك ,الذي اهتم به , ورعاه ,وقد تعلق الطفل بتلك الرواية ومنحها كل التقدير .وحين دوت الصيحة الأولى رحل آخر رجل من سلالة البكوات في الغارة ,اضطرب الفتى اضطرابا شديدا فقد اعتاد على العيش في كنف شخص أعلى منه منزلة . )

الصيحة الأولى ضد الاقطاعيين جرت في سورياعام1963  أما الصيحة الثانية فقد جرت في عام1970

تقول الرواية ص 36 ( ثم دوت الصيحة الثانية ,وعلى الفور اضطرب عويضة اضطرابا شديدا ,متعلقا بمفصل جديد في حياته ,وواجه بشراسة أولئك الذين حاولوا الانقلاب على القادة الكبار ) .مما كان سببا في تسريحه من الجيش ليعود الى قريته من جديد .

تسلط الكاتبة الضوء على تطور سوريا الاجتماعي والسياسي من خلال قرية الغارة التي يمكن تسميتها ايضا(سوريا) وتحشد لذلك شخصيات متعددة, كل شخصية تمثل شريحة تتحرك ضمن المجتمع  بما تمليه عليها أخلاقها وقيمها, مثلا.

المعلم اسبر يمثل المثقفون

عمران يمثل العمال

تركي يمثل الفلاحين

 والشخصيات منها ما هو ايجابي ومنها ما هو سلبي, وقد وفقت الكاتبة في الجمع بين الجهتين داخل العائلة السورية ليكون الرجل عويضة هو السلبي والمرأة مريم هي الايجابية ,لتنتهي الرواية الى النهاية المأساوية الحالية كما جاء في آخر كلمات الرواية :

( هذه الضيعة ليست لي أو لك ..لقد خلقت هذه الضيعة لتسعد أشخاصا كأبي وأم نمر وابنها ,وتتعس آخرين مثلي ومثلك .. بات علي ان أقرر إن كنت سأبقى في هذه الضيعة ,مع قبول شروط الشيخ شعبان للعيش هنا او اتركها من غير عودة  .)

ومع ان الرواية تعد من مدرسة الواقعية النقدية وتبتعد عن الواقعية الاشتراكية المعروفة ببطلها الايجابي ومسحتها التفاؤلية وحتميتها التاريخية , الا انها لم تنج كليا من التأثر بتلك المدرسة وخاصة انطاق شخصياتها الفلسفة من اجل تثقيف القارئ على شاكلة الفقرة التالية .ص 59

( عندما أقول “أنا” أنطلق من ذاتي الخاص على اعتبارها الأفضل بين “الأنا “وات الأخرى ,أضعها في الأولوية ,وكل انا لها مهارتها في مواجهة الأخريات .. وعندما تنطلق فكرة وتتوسع وتجمع شمل “أنا “وات كثيرة جدا تصنع لبنة ال “أنا” الأوسع :الشعب , فيصبح “انا”ه أفضل من “أنا” الشعب الآخر, وعندما تتوسع أكثر تصير “انا” الأمة أفضل من “أنا” الأمم الأخرى . ).

أما البناء الدرامي للرواية فقد أضعفه  كثرة المحاور التي أرادت معالجتها من خلاله, مما جعلها تنوء  تحت الحمل . سأتناول هنا محوران يحتاجان الى معالجة مستقلة ويشتتان متابعة القارئ لمحورها الرئيسي .

   محور العلاقة بين الريف والمدينة واختلاف القيم بينهما بسبب طبيعة حياة كل منهما ص182

( ودخلت الى أقرب محل .كان حانوتا لييع الثياب الجاهزة , وقفت داخله وحيدة,لم يكن فيه زبائن غيرها , واقبل رجل نحوها :طلباتك است !

دهشت ابنة الغارة ففي ومضة عين تغيرت اللهجة من – ولك فاطمة الى ياست –  )

    محور العلاقة الجنسية بين الشهوة والحب ,  ومشاكلها مع العائلة الشرقية مما يدفع الى تلبيتها خارج المؤسسة الزوجية كما يحصل بشكل أكثر وضوحا في الريف وبين العائلات الفلاحية , رصدت الرواية تلك العلاقات في قرية الغارة من خلال علاقة الأستاذ اسبر في الأرملة أم نمر ومع الزوجة الفاضلة مريم ص 120

    ( 00 ماذا حدث لك ؟ما الذي غيرك ؟.. هذه الرعشة الجديدة في غير أوانها ..وفي غير مكانها , أي لعنة تدفعك للتفكير بها ؟ انها متزوجة ! من ضيعة الغارة !! ولكن هذا شيء مختلف ,هل هو سببه الحنين الى المتعة ؟كنت صادقا مع نفسك ,دائم الصدق أنت .. مع نفسك ..الحنين الى المتعة يدغدغ أسفل البطن … ) .

سأسرد ما جرى لقريتي منذ طفولتي وحتى الآن ببضعة أسطر .

تمرغت هيبة أولياءها الصالحين فترة الستينات حتى ان بعضهم تجرأ على التبول داخل مزاراتها علنا , لا بل ان شبابها وشاباتها تمردوا على أهلهم لدرجة وصلت حد الوقاحة .تجسدها لنا الحكاية التالية :

طلبت  إحداهن من أختها ان ترسل لها ابنتها الشابة لتساعدها على حمل العجين الى التنور هذا اليوم بدلا عنها لأنها متعبة, فأجابتها :

لقد ذهبت الى الغابة برفقة صديقها لممارسة الجنس ولا أعرف متى تعود :

بالله يا أختي قولي لي ما هو الجنس ؟

أما الصلاة والصيام فقد اقتصرت في القرية أواخر الستينات على قلة لا تتجاوز عدد أصابع اليد .

ولكن بدءا من الثمانينات , بدأت الكفة تميل من جديد نحو التدين في القرية لدرجة ان كثيرا من شبابها أخذوا على عاتقهم إقامة مسجد فيها ,اما حلقات الذكر حول مزاراتها فقد عادت اليها مع ما يصاحبها من أدعية وما يستجاب لها أحيانا على شكل كرامات تروى وكأنها حقيقة واقعة. 

بالمناسبة ليس مزار ابو طاقة من  استعاد هيبته وكراماته في القرى العلوية , بل ان كثيرا من الكرامات والمعجزات يروج لها  عند المسيحيين ايضا  وفي اعرق أحياء العاصمة وليس في  الريف .

في باب توما يحدثك الكثيرون عن زرف الدموع من تمثال العذراء  أمام جموع المصلين , اما عند الاسلام السنة فان معجزة تيس البوكمال مشهورة ايضا .

كان يكفي الرواية أن تحشد شخوصها وفضاءها الدرامي لكي تجعل القارئ يتساءل ؟  من المستفيد في بلد حضاري كسوريا وهو على أعتاب القرن الواحد والعشرين من الترويج  لتلك الكرامات والأساطير لتبدو وكأنها حقيقة واقعة . وأن تحذف منها كل المحاور التي لا تخدم محورها الرئيسي .

باعتقادي لو فعلت ذلك لجاءت أكثر قوة ومتعة وإقناعا ايضا ,

كامل عباس – اللاذقية 26/6/2011

اترك تعليق