لن يكون يوماً عابراً: أحاديث حول الثلثاء التاريخي

0
104

لن يكون ليوم الثلثاء المصادف 4/11/2008، وقعٌ عابر. إذ لن يكون يوماً اعتياديّاً. في هذا اليوم، ستضبط أميركا ومعها الشرق الأوسط والعالم، بوصلتها السياسيَّة. فمزاج أميركا، في هذا اليوم، سيلقي بظلاله على ملامح المزاج العالمي لأربعة أعوام قادمة. وعليه، فالبتُّ في أحقَّية هويَّة ساكن البيت الأبيض، وطاقمه، لأربعة أعوام قادمة، لن يكون خياراً أميركيَّاً صرفاً، بل سيدخل في صوغه ما هو عالمي وشرق أوسطي. إنه الثلثاء الصعب، الذي ستحبس فيه أميركا أنفاسها، ومعها الشرق الأوسط والعالم. سيكون ثلثاءاً بحجم المزالق التي وضعت إدارة المحافظين الجدد، وعميدهم، جورج دبليو بوش، أميركا عليها. سيكون ثلثاء بحجم التحدِّيات التي تنتظر واشنطن في واشنطن، وفي العراق وأفغانستان وباكستان وفلسطين ولبنان وتركيا والقوقاز. ثلثاء كبير وثقيل، بحجم حماقات ومجازفات ومغامرات ومقامرات جورج بوش. ثلثاء، ستسعى فيه أميركا إلى إعادة إنتاج ذاتها، وترميم ذاتها بذاتها، وإعطاء درس في الديموقراطيَّة والتداول والعقد الوطني للعالم الثالث، بخاصَّة الشرق الأوسط. سيكون ثلثاءاً تاريخيَّاً، تحدد فيه أميركا، ليس وجهتها السياسيَّة والاقتصاديَّة والعسكريَّة وحسب، بل سيكون لهذا اليوم إسهاماته وبصماته على تحديد مصائر شعوب وأوطان أخرى في هذا العالم. والذي لا زال يشكك في قيادة أميركا للعالم، عليه التيقُّن من أن أيّ زلزال سياسي أو اقتصادي أميركي، فوراً، تظهر ارتداداته الكبيرة والقويَّة في العالم بأسره.

رغم أن كافة استطلاعات الرأي الأميركيَّة، وكلّ المؤشِّرات الآتية من بلاد العم سام، تشير إلى تقدُّم المرشَّح الديموقراطي باراك أوباما، على منافسه الجمهوري جون ماكين، إلاّ أن أنظار العالم ستكون على هذا الثلثاء القاسي، الذي سيُرسِل أحد المرشَّحَين إلى المكتب البيضاوي، والآخر، إلى مكتبه، في بيته. وسيكرر المهزوم في هذا المعترك الوطني الأميركي، قول شيء يشابه، ما قاله جون كيري، فور خسارته في الدورة الماضيَّة: «حين نستيقظ كلّ صباح، فإننا نجد أنفسها أميركيين». ولن يتحدَّث المهزوم، عن عمليات تزوير واسعة النطاق، قام بها خصمه. ولن يتحدَّث المنتصر في الانتخابات بلهجة المتشفِّي في خصمه المهزوم. وسيطوي الثلثاء، صفحات العراك والتلاسن والمكاسرات الكلاميَّة التي نشبت بين الخصمين، لتركن أميركا إلى خيارها.

عراقيَّاً: سيتساءل العراقيون، عن مدى تأثير هذا اليوم على الراهن العراقي، ومسألة جدولة الانسحاب الأميركي من العراق؟، والعلاقة الأميركيَّة – العراقيَّة في الأربع أعوام القامة؟. إذ حاولت إدارة بوش، إلزام بغداد التوقيع على الاتفاقيَّة الأمنيَّة الاستراتيجيَّة بين أميركا والعراق، وبدأت تنتهج لغة التهديد والوعيد في هذا المسعى، إلاّ أن الراهن العراقي يشير إلى أن مسألة التوقيع على الاتفاقيَّة الأمنيَّة ستكون عقب أن يضع الثلثاء الأميركي أوزاره، وتقطف واشنطن ثمار يومها الوطني.

إيرانيَّاً: حكَّام طهران، «يضحكون في عُبِّهم» كما يُقال، لأن خريف بوش شارف على النهاية، ونجت طهران من أيَّة ضربة عسكريَّة أميركيَّة لها. حكَّام طهران، يخمِّنون أن انتصار أوباما، هو انتصار لسياساتهم الداخليَّة والإقليميَّة، بخاصَّة في العراق ولبنان وفلسطين وسورية. لكن، حقيقة المسألة، ليس على هذا النحو. وليس جزافاً القول: إن في هذا اليوم، ستكون أعين المرشد الأعلى علي خامنئي وأحمدي نجاد، وبقيَّة طاقم محافظي إيران، مصوَّبة على شاشات التلفزة الأميركيَّة. سيمضي هذا اليوم ثقيلاً على محور خامنئي – نجاد. وستكون الأيدي الإيرانيَّة لا تفارق تمسيد الذقون، آناء متابعة النتائج الأوليّة للانتخابات. وإنْ بدأت بشائر نجاح اوباما تلوح في الأفق، سيكون تصفيق محافظي طهران حادَّاً ومدوّياً. وإن انقلبت الآية، وفاز ماكين، قد يكون اللطم على الوجوه والصدور قويَّاً.

فلسطينيَّاً: لن تفرق مع الفلسطينيين كثيراً، إن كانت هوّيَة ساكن البيت الأبيض وطاقمه، جمهوريَّة أمْ ديموقراطيَّة. فمنذ 60 سنة، والإدارات الأميركيّة المتعاقبة، منحازة لإسرائيل، ولم تفعل شيئاً للفلسطينيين. ومدريد واوسلو وايبلاتشين… وأنابوليس، لم تحقق الطموح الفلسطيني في الدولة المستقلَّة، وعاصمتها القدس، وتضمين حقّ العودة للاجئين…الخ. خلافاً لذلك، كلّ من يودّ وضع البيت الأبيض نصب عينيه، ينبغي عليه أولاً كسب ودّ إسرائيل وتطمينها وتطمين اللوبي اليهودي – الصهيوني في أميركا. ويغدو المزايدة بين من يدافع أكثر عن إسرائيل هو المعبر الاستراتيجي لمن يودّ الفوز بالرئاسة الأميركيَّة. وعليه، إرضاء اليهود أهم بكثير من إرضاء الفلسطينيين منذ تأسيس إسرائيل، في العُرف الأميركي.

كرديَّاً: أكراد العراق، يُفترض ألاّ يكونوا مرتاحين، لتنصّل إدارة بوش من وعودها لهم. فبوش الذي سمَّاه الاكراد بـ»بافي آزاد/ bave azad» (وتعني بالعربيَّة: أبا الحريَّة)، غداة إسقاطه نظام صدام حسين، لم يفعل لأكراد العراق الشيء الكثير المأمول منه. في حين أن باراك أوباما، في حال فوزه، سيكون متجاهلاً للمطالب الكرديَّة العراقيَّة أكثر من سلفه. وليس من باب المبالغة القول: فوز أوباما يعني نجاح تقرير بايكر – هاملتون، الذي قضى بفسخ العمل بالمادة 140 من الدستور العراقي، التي تنصُّ على إعادة تطبيع الأوضاع في كركوك، تمهيداً لضمِّها لإقليم كردستان العراق. ناهيكم عن ان التقرير ذلك، يدعو للانفتاح الأميركي على طهران ودمشق، والالتزام بتسكين المخاوف التركيَّة في العراق، بخاًّصَّة في ما يتعلَّق بلجم وتقويض النفوذ الكردي، لحساب تحفيز الأجندة التركيّة فيه. أمّا أكراد إيران وسورية، فكما كانوا سابقاً، لن تعني لهم نتائج يوم الثلثاء الأميركي، الشيء الكثير. لأنهم لم يكونوا أصلاً من المعوّلين على «بافي آزاد» وعلى الذي سبقه والذي يليه، ورغم أكراد هذين البلدين، لم يخفوا سعادتهم من زوال النظام العراقي السابق. أمَّا أكراد تركيا، فشأنهم شأن الفلسطينيين، بل لعله أسوأ منه. إذ دأبت الإدارات الأميركيّة المتعاقبة على دعم ومساندة أنقرة عسكريَّاً ولوجستيَّاً واستخباراتيَّاً في حربها ضد حزب العمال الكردستاني، منذ ثلاثة عقود تقريباً. ولمّا تزل واشنطن في دأبها على معاضدة أنقرة، وتأمين الغطاء السياسي لها في تلك الحرب. لذا، لن يأمل اكراد تركيا من يوم الثلثاء، خلافا ما هو سائد حاليّاً. وهم لا يعلَّقون آملاً كبيرة على نتائج هذه الانتخابات. ومن الجدير هنا القول: إن العمال الكردستاني، لم يغيّر معاداته للنفوذ الأميركي والسياسات الأميركيّة في المنطقة، ليس لكونه تياراً يساريَّاً وحسب، بل لأن أميركا لم تغيّر سياساتها العدائيَّة تجاه هذا الحزب، طيلة الفترة الماضيّة، ودعم ومساندة أنقرة في حربها على هذا الحزب. بالنتيجة، فأكراد تركيا، لن تسترعيهم كثيراً مجريات يوم الثلثاء الأميركي الحاسم، لأن أميركا، لا زالت تعتبر العمال الكردستاني خطراً على الحسابات الأميركيَّة وتوازناتها في المنطقة.

مآل القول: سيكون ليوم الثلثاء، وقعه الخاص، الذي سيدوم أربعة أعوام، ولا يدري أحد ما تخبِّئه واشنطن خلال هذه الأعوام للشرق الأوسط والعالم. لكن، يبدو أن شعوب الشرق الأوسط وأنظمته، لا زالت تستسيغ ضبط مصائرها، على إيقاع المعادلة الداخليَّة في أميركا، حتى يقضي الله أمراً كان مفعولا.

 

  • كاتب كردي.

"الحياة"

اترك تعليق