إيجابية أو سلبية… الانتخابات الأميركية رسالة من الولايات المتحدة إلى العالم

0
105

تبعث عملية الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة الأميركية رسالةً مهمة من الشعب الأميركي إلى بقية شعوب العالم. فالتغطية الإعلامية التي تحظى بها هذه الانتخابات بالذات تضع الولايات المتحدة الأميركية نفسها تحت المراقبة.

وكما تناقلت حملات المرشحين باراك أوباما وجون ماكين في أرجاء البلاد، كذلك تناقلت آراء الشعب الأميركي المسبقة، وقلقه، وقوته، وضعفه، وصفاته، وفكره وأخلاقه في العالم أجمع. بيد أن إطلالة المرشحين المباشرة أمام الناخبين في الولايات المتحدة تترك انطباعاً لدى الأجانب أمثالنا يحدد المنظار الذي سننظر من خلاله إلى البلاد في السنوات المقبلة.

تجدر الإشارة إلى أن سمعة الولايات المتحدة على الصعيد الدولي قد تزعزعت في السنوات الثماني الماضية، فغالبية الأميركيين على يقين من ذلك في حين يولي الأمر أهميةً كل من يقدر أهمية الدور الذي تضطلع به أميركا في العالم. غير أن الأخطاء (والأسوأ من ذلك حتى) التي ارتكبت لم تطل الشعب الأميركي وحده، إذ أدت إلى مقتل الآلاف وتدمير مستمر لبلدان ومجتمعات كما أدت إلى عدم احترام الكثير من المؤسسات الجيدة والمفاهيم والأفكار التي لطالما كانت في نظر العديد من الأشخاص «أميركية». لقد تلطخت العلامة «الأميركية» وستتطلب إعادة إرساء الاحترام والحماسة اللذين لطالما تمتعت بهما جهداً كبيراً.

الجدير ذكره أن بريطانيا عانت المشكلة ذاتها نظراً الى اعتماد الحكومة البريطانية الخط الأميركي. وعلى رغم التقديرات الشائعة في الشرق الأوسط ومفادها أن حرب العراق قسمت بريطانيا، ومن ارتفاع عدد الأشخاص الذين يعارضون تدخل بريطانيا في الحرب، فقد أساء هذا المسار إلى العلامة «البريطانية» وإلى سمعة توني بلير وموقعه في كتب التاريخ في الوقت عينه.

تشير استطلاعات آراء الناخبين في الوقت الذي أكتب فيه هذا المقال إلى أن باراك أوباما سيفوز في الرابع من تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل. حتى أن صحيفة «فاينانشل تايمز» في لندن تتحدث عن «انزلاق أوباما» المحتمل. ولكن الناس بدأوا بالتحدث حالياً، قبل أقل من أسبوعين من الانتخابات، عن موضوع «العرق» بصراحة أكبر. وفي مطلع أيلول (سبتمبر) الماضي، جاء الاقتراح أن اختيار جون ماكين لساره بالين كنائبة رئيس، كان تقريباً نتيجة الرغبة في إيجاد صورة تروق لأميركا الوسطى. وهذه الصورة تظهر رجلاً مسناً وامرأة شابة يعملان معاً في البيت الأبيض. لم يقترح أحد علاقة تختلف عن علاقة العمل التي تربط هذين الشخصين، غير أن الصورة التي نتخيلها لـ «جون وساره» في البيت الأبيض مقارنةً بصورة «باراك وميشال» تعكس التفاوت العرقي بين الجهتين. وعلى رغم انعدام النية في إظهار ذلك، إلا أن البعض يعتقد أن هذه الصورة قد تعيد ذكريات تتعلق بمسائل عرقية كانت قد أصبحت من التاريخ.

كان معسكر ماكين يحاول إطلاق صفة اشتراكي على أوباما، فكلمة «اشتراكي» سلبية جداً في أميركا الرأسمالية. إن ثبتت صفة «اشتراكي»، سيتذرع الناس عندئذ بعذر سليم لعدم التصويت لأوباما، وبالتالي سيقول العديد من الناس: «على رغم أنه رجل جدير بالاحترام، إلا أنني لن أصوت يوماً لاشتراكي».

لو كان باراك أوباما رجلاً من العرق الأبيض، لكانت المرتبة التي يحتلها في الاستطلاعات اليوم (23 تشرين الأول/ أكتوبر) كافية لضمان فوزه في الانتخابات الرئاسية. ولكن عدداً متزايداً من النقاد يشيرون إلى أنه عند خصوصية صناديق الاقتراع، لا أحد يعلم كيف يمكن للأحكام المسبقة المخفية أن تؤثر في نيات الناخب السابقة. وبالتالي، سيمنح وصف أوباما بالاشتراكي بعض الناخبين المترددين العذر الذي يحتاجونه للتصويت لماكين.

ثمة مفهوم (منبثق من الواقع) ومفاده أنه باستطاعة كل شخص يعمل بجهد ويتمتع بشخصية قوية وتفكير سليم النجاح في المهنة أو المجال الذي يختاره في الولايات المتحدة. وستتحطم هذه الصورة في حال لم يفز أوباما في الرابع من تشرين الثاني.

من جهة، لو لم يكن أوباما متفوقاً على ماكين في الاستطلاعات، ولو كانت الحماسة تجاه حملته أقل ولو كان يتمتع بكاريزما أقل، لكان السبب في خسارته يعود إلى سياساته أو النمط الذي يتبعه أو أي سبب «سياسي مقبول». ومن جهة أخرى، ستكون مسألة العرق من دون أدنى شك السبب المباشر لخسارة أوباما في حال وقوعها، نظراً إلى الفوز الواعد الذي تظهره استطلاعات آراء الناخبين واعتقاد العديد من الأميركيين بضرورة فوزه.

بيد أن هذه النتيجة لن تؤثر في الصورة الدولية للولايات المتحدة فقط، بل سيكون لها وقع على انخراط المجتمع في الولايات المتحدة ذاتها. ففي حال فاز ماكين، عليه عندئذ التحرك بسرعة للتأكيد على أن المجتمع الأميركي من أصل أفريقي مندرج في إدارته وممثل فيها.

ولكن بالطبع ثمة وجهة نظر مغايرة، إذ يعتقد أن التصويت لأوباما كونه أميركي من أصل إفريقي والتصويت لماكين لأنه من العرق الآخر سيكون كذلك الأمر مسألةً عرقية. بيد أن تعاطف الشعب مع أوباما وحماسته له يظهران بوضوح توقع الأكثرية فوزه، أما إذا خسر فيعود ذلك إلى تغيير كل من الأمة وشعبها رأيهما. سيتساءل معظمنا خارج الولايات المتحدة عن سبب حدوث تغيير مماثل كما سيتساءل المجتمع الأميركي من أصل إفريقي إضافة إلى الأقليات في الولايات المتحدة عن وجود فرصة حقيقية في المجتمع الذي لطالما كرس نفسه لمواطنيه سعياً وراء المساواة.

لم يكن تأييد كولن باول الجمهوري لأوباما عبارة عن دعم من رجل سياسي محترم إلى آخر، بل كان تعليقاً عن المنحى الذي اتخذه الحزب الجمهوري فضلاً عن لهجة حملته ومضمونها. وسيتساءل أعضاء المجتمع الأميركي من أصل إفريقي وأقليات أخرى في حال فوز ماكين ان كانت إدارة ماكين ستحافظ على هذا المنحى وهذه اللهجة وان كانت ستنقض الميزات التي تمتعوا بها في السنوات الأربعين الماضية.

 لقد أيد محافظ لندن، بوريس جونسون بدوره باراك أوباما. يعرف بوريس كونه رجلاً سياسياً غير تقليدي، يقول ما يجول في فكره ولا يلتزم بما يعتبر سياسياً صائباً وقد خالف الاتفاقية ومفادها أن السياسيين في البلد الواحد لا يجدر بهم التعليق على الانتخابات في بلد آخر. لقد كتب مقالاً يدعم من خلاله أوباما في صحيفة «دايلي تلغراف» في لندن وهي صحيفة تعرف كونها يمينية. وجاء في المقال المصاعب التي يواجهها ماكين سعياً وراء «التذكرة الجمهورية». كما تطرق في المقال إلى مسألة العرق بصراحة لم تعهدها السياسة الحديثة.

فورد الآتي:

«… في حال فاز أوباما، ستكون الولايات المتحدة قد قامت أخيراً بخطوة عظيمة لا بل حاسمة في ما يتعلق بإنهاء حلم مارتن لوثر كينغ، حلم بأرض يحكم فيها على الناس بحسب إنجازاتهم لا بحسب لونهم».

لدى الولايات المتحدة الفرصة لتكون من جديد مصدراً لموهبة العالم واحترامه ومسهماً في بناء المجتمع الدولي. غير أنه يجب فتح الأبواب، السياسات ذكية وعادلة، وعلى الشعب أن يدرك أن الوعود بتحقيق المساواة واقعية. تشير استطلاعات آراء الناخبين إلى فوز أوباما. لكن إن خسر هذا الأخير، ستتشوه صورة المساواة والفرصة المتاحة للجميع في المجتمع الأميركي، وكذلك الأمر بالنسبة إلى صورته في العالم أجمع.

 عندما سيقف الناخبون الأميركيون أمام صناديق الاقتراع للإدلاء بأصواتهم في الرابع من تشرين الثاني، سيفكر الكثيرون لسوء الحظ في التأثير الذي قد يحدثه قرارهم في صورة بلدهم. بيد أن كل من يولي أهمية الفرصة التي تمثلها الولايات المتحدة للعالم، وكل من أصيب بالذعر في السنوات الثماني الماضية، يراقب ويأمل. سيتساءل الكثير من بيننا إن كان الشعب الأميركي يرغب بالتطلع قدماً والنظر إلى الخارج أو العودة إلى الخلف والنظر إلى الداخل. سنعرف ذلك في الخامس من تشرين الثاني. إنها انتخابات شيقة ومهمة.

 

  • محام بريطاني في مكتب «طوماس ايغار» للمحاماة.

"الحياة"

اترك تعليق