قيامة مصر

0
969

هذا ما يعلنه شعب مصر ، ويصدح به أهلها رجالاً ونساء ، شيباً وشباباً وأطفالاً في جميع المدن والأرياف والكفور بين الوجهين البحري والقبلي من أرض الكنانة . وعلى ضفاف النيل وبين سواقيه وترعه ، ومن طين مصر وشمسها وهوائها تعلو من جديد شعلة الحرية المقدسة ، تلفظ الاستبداد الذي جثم طويلاً على صدرها وأنهكها . فانتفضت من دلتاها إلى صعيدها ، ومن مدن القناة إلى الصحراء الغربية . وخرجت الملايين المقهورة ( مثل باقي الملايين العربية ) بصدورها العارية ، لتكتب صفحات مضيئة في سفر الحرية ، وفي التاريخ المعاصر لمصر والوطن العربي أيضاً .

ما أسرع ما انتقلت شرارة الغضب والانتفاض من تونس إلى بر مصر ، لتلهب هشيم نظام القمع والفساد والاستغلال ، الذي شاخ بشخوصه ونهجه وسياساته ، وانعكس تردياً قاتلاً على مصر ومكانتها ودورها في المنطقة وعلى الوضع العربي عموماً . ذلك النظام الذي أسسه السادات منذ أربعة عقود ، ووطد أركانه مبارك على قاعدة ” الزبائنية السياسية ” ، وبيد مقاولي السياسة الدولية والإقليمية وسماسرتها ، فانكفأت مصر وتقزم دورها ، وبثت روح العجز واليأس والفوات في أمتها .

منذ أن خرج شباب مصر وشاباتها إلى الشوارع – يوم الثلاثاء في السابع والعشرين من كانون الثاني 2011 – بموجات متلاحقة من الوجوه السمر والقبضات المرفوعة تبين للجميع في مصر والوطن العربي وعلى امتداد العالم ، أن تاريخاً جديداً يكتبه هؤلاء لمصر والوطن العربي . تاريخاً يطوي حقبة الاستبداد والاستئثار والتهميش ، ويضع حداً لطغيان السلطات وفسادها ، الذي لم يعد استمرارها مقبولاً ولا ممكناً . ومع التقدير الكبير للشرارة التونسية الرائدة ، فإن اللهيب المصري المتقد وحده يمكن أن يصل إلى أمداء تشتهيه وتنتظره ، وتفتقد حضوره وتأثيره . فمصر وحدها يمكن أن تضع حداً لعصر الاستبداد العربي ، وتعلن نهايته .

كثيرة هي لفتات الدهشة والإعجاب والإكبار فيما يجري بتجربتي التغيير الديمقراطي في كل من تونس ومصر ، وتشكل دروساً جديدة ومبدعة في السياسة والثقافة وعلم الاجتماع . ( ولا تقلل من شأنها أو تخطف بريقها بعض حوادث العنف والشغب المؤسفة ، والتي ترافق عادة حركات الشعب العفوية الكبرى ، وتقع مسؤوليتها على عاتق السلطة المنهارة ومؤسسات الدولة المرتبكة في المقام الأول ) . يأتي في أول هذه الدروس : البرهان الساطع على قدرة الشعوب وتمكنها الفعلي من إنجاز التغيير بقدراتها الذاتية وبيد أبنائها ولمصلحتهم . وتبخرت دفعة واحدة أوهام التدخلات الخارجية وأكاذيبها في صنع التغيير . فالدولة الأمنية التي تعوزها الشرعية والعقلانية والعدل ، تبدو كنمر من ورق أو كهيكل كرتوني مدجج بالغطرسة ومظاهر القوة ، سرعان ما ينهار ويتبدد أمام غضب القهر والفاقة ، عندما تقرر الشعوب أن تخلع خوفها وتتحرك .

ثانيها : قدرة الشعوب وحركتها العفوية والمنظمة على الرد السليم على دولة الإرهاب والتمييز والاستثناء ( دون أي تفلسف أو سياسوية ) عبر تحركها السلمي الوطني الشامل ، الذي يتجاوز الخصوصية والفئوية والاختلاف نحو الهدف الرئيس الجامع ، وهو دولة الحرية والديمقراطية ، دولة المواطنة المتساوية وسيادة القانون للجميع . فلم يسمع المتابعون للحدثين أي شعارات حزبية أو فئوية أو أيديولوجية أو دينية خاصة . مما يثبت للمرة الألف أن الشعوب هي الموطن الأساس للوطنية الحقة والمعلِّم الأول لمفاهيمها .

ثالثها : الوعي التام لحركة الشارع ، بإدارة الشباب وبالاستناد إلى وسائل العصر وإنجازاته التقنية ، بأهداف التحرك ومآلاته المطلوبة ، والحرص الشديد على عدم تجييره لغير المصلحة الوطنية العليا ، وعدم تمكين السلطات المتداعية من الالتفاف على المكاسب المنجزة ، ومنعها من تحقيق مساعيها للعودة من النافذة بعد أن خرجت من الباب .

رابعا و . . و . . وعاشرها : فقد كشفت الانتفاضتان حجم التكالب على السلطة الذي أظهرته الزمر الحاكمة في دولة التسلط العربية . وكذلك عمق الفساد الذي عممته ، وحجم النهب الذي قامت به لمقدرات البلاد وثرواتها الوطنية لصالح دوائرها الضيقة وزبانيتها ومحاسيبها . مثلما أظهرت حجم التخريب المتعدد الأشكال بالجسد الاجتماعي والعلاقات الوطنية في البلاد .

لقد أحيت حركة الشارع في سيدي بوزيد وتالة والقصرين وبن قردان آمال الشارع الوطني والسياسي المتطلع إلى التغيير في جميع البلدان العربية ، وعززت طموحاته المشروعة للتغيير الوطني الديمقراطي المنشود ، من أجل الحرية والتحرر من ربقة الاضطهاد والفساد . غير أن حركة الشارع في القاهرة والاسكندرية والسويس والفيوم وكوم أمبو التي مازالت في صيرورة متصاعدة ، قد وطدت شرعية الطموح إلى التغيير ، وبرهنت على إمكانية تحققه ، ورفعته إلى مرتبة الراهنية المطلوبة ، ووضعته على جدول أعمال الشعوب العربية .

ما ” يحدث في مصر الآن ” يرقى إلى مصاف الثورات والأحداث الكبرى في التاريخ ، التي تستولدها العقود الطويلة أو القرون . ولن يكون غريباً – بل هو من طبيعة الأشياء – أن تهب نسائمه المنعشة على العواصم العربية والإسلامية الأخرى . وهذا دور مصر التاريخي والقيادي لأمتها وفي المنطقة .

لقد قامت مصر . . وعندما تقوم مصر ، لا تقوم وحدها .

قامت مصر يا عرب ، فمن يستطيع أن يبقى نائماً ؟ !

30 / 1 / 2011

                                                                                                                   هيئة التحرير

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.