الغارة على سوريا والهدف… عراقي؟!

0
88

عندما زار الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي دمشق مطلع أيلول الماضي، طلب من الرئيس بشار الاسد التوسط لدى ايران من أجل فتح باب الحوار بينها وبين دول الاتحاد الاوروبي. وتمنى عليه استخدام علاقاته المميزة مع طهران من أجل حضّها على التعاون بشأن برنامجها النووي.

وقبل أن يسافر الرئيس السوري الى طهران، حرص على تطمين واشنطن، مشيراً في مؤتمره الصحافي، الى أهمية دورها في مرحلة المفاوضات المباشرة مع اسرائيل. وكان بهذه الاشارة السياسية الهادفة، يتعمد إبلاغ ادارة جورج بوش، بأن الوساطة السورية لن تلغي دور الولايات المتحدة في عملية رعاية مفاوضات السلام.

وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس، ترجمت العلامات المشجعة التي تلقتها من دمشق، انفتاحاً مفاجئاً عبر اجتماعات الجمعية العمومية للأمم المتحدة، حيث التقت الوزير السوري وليد المعلم، واستغلت رايس تلك المناسبة لتطالب بموقف سوري جديد أكثر اعتدالاً بالنسبة الى ايران، واقل تدخلاً بالنسبة الى العراق ولبنان. ووعدته باعادة السفير الاميركي الى دمشق فور تحسن الاجواء السياسية بين البلدين. ثم جاء خطاب الرئيس جورج بوش أمام الجمعية العمومية ليعرقل مسار التقارب، خصوصاً عندما وصف سوريا بأنها مثل ايران، تواصل رعاية الارهاب. وقد تبين للمسؤولين في دمشق أن موقف بوش لا ينسجم مع الوعود التي قدمتها وزيرة خارجيته حول تخفيف الحصار الاقتصادي على سوريا مقابل تحقيق خطوات عملية في اتجاه مشروع السلام مع اسرائيل. كما تبين لهم ايضاً ان هناك هوة من التناقضات تفصل بين بوش ومساعديه الذين ينتظرون تغيير الادارة الحالية، مثلما ينتظر الاسرائيليون تغيير حكومتهم.

في هذا الوقت، أعلنت اسرائيل عن تغيير جوهري في سياستها حيال السلام مع سوريا. أي أن هذه السياسة لم تعد رهينة الموقف المتصلب الذي يرفض التفاوض مع دمشق اذا واصلت تمسكها بالعلاقات المميزة مع طهران. واعتبر هذا التبدل نتيجة منطقية لتقرير مدير مركز الابحاث في وزارة الخارجية الاسرائيلية، الذي وصف  عملية السلام مع سوريا بأنها الأقرب الى التنفيذ من أي طرف عربي آخر، بمن في ذلك الطرف الفلسطيني. كذلك صدرت أصوات عن المؤسسة الامنية برعاية الوزير ايهود باراك، تدعو الى استغلال الوساطة التركية من أجل توقيع اتفاق سلام مع سوريا. كما تدعو الى استثمار التغيير الذي وعد به المرشح باراك اوباما في حال وصل الحزب الديموقراطي الى البيت الابيض.

في اليوم الاول لوصول وزير خارجية سوريا وليد المعلم الى لندن، أقلقت زيارته عملية عسكرية مفاجئة خططت لها القيادة الاميركية في العراق. واستهدفت العملية قرية سورية تقع قرب الحدود العراقية، بحجة اعتقال "أبو غدية" أو اغتياله. ومع ان الاسم الحركي لم يكن موجوداً على قائمة المطلوبين، الا أن القيادة الاميركية اعتبرته نسخة متطورة عن معلمه ابو مصعب الزرقاوي. وهي تدعي ان أبو غدية (واسمه الحقيقي بدران تركي المزيدي) تسلم خلية "القاعدة" عقب مقتل الزرقاوي عام 2006، وراح يعمل تحت إمرة قائد جديد يدعى ابو أيوب المصري. وتدعي صحيفة "واشنطن بوست" ان مهمة أبو غدية كانت رئيسية لكونه يوفر الوثائق المزورة والسكن والمال للمتطوعين قبل تأمين تسللهم الى العراق.

البيان الاول الذي صدر عن السلطات العراقية لم يكن مستقلاً عن الموقف الاميركي، بدليل أنه استنكر الغارة، ولكنه دعا دمشق الى وقف عمل "الارهابيين" الذين يستهدفون العراق. وقرأت السلطات السورية في هذا الكلام المبطن اتهامات غير مباشرة حول تقاعسها عن ردع عمليات التسلل عبر حدودها. لذلك هددت بتأجيل موعد اجتماع اللجنة العليا السورية – العراقية المزمع عقده في بغداد يومي 12 و13 من الشهر الجاري. علماً بأن السلطات العراقية تراجعت عن الجزء الثاني من البيان الاول، مؤكدة تعاون دمشق لضبط حدودها ومراقبتها.

أما بالنسبة الى موضوع الانتقام من القيادة العسكرية الاميركية، فقد قرر مجلس الوزراء السوري إغلاق المدرسة والمركز الثقافي الاميركيين في دمشق، والسماح بإطلاق تظاهرة ضخمة تعبر عن عمق الاستنكار والشجب للاعتداء السافر على سيادة دولة مستقلة، خصوصاً انه ليست بين سوريا والولايات المتحدة حال احتراب تبرر الغارة. واللافت انها حدثت في وقت انخفضت فيه نسبة العنف داخل العراق الى أدنى درجاتها. كما جاء توقيتها عقب تصريح الجنرال ديفيد بترايوس، الذي أثنى على الجهود السورية في مراقبة حدودها ومنع تدفق المتطوعين للقتال ضد القوات الاميركية في العراق.

الحكومة السورية طلبت من الأمم المتحدة تحميل واشنطن مسؤولية هذه العملية التي وصفها وزير الخارجية وليد المعلم في لندن، بأنها "ارهابية بامتياز". وفي الرسالة الموجهة الى أمين عام الأمم المتحدة بان كي مون، طالبت دمشق بضرورة إجراء تحقيق كامل منعاً لتكرار الاعتداء بشكل يتنافى مع ميثاق الجامعة العربية ومع القانون الدولي، خصوصاً ان الهجوم قتل ثمانية مدنيين ابرياء. وهو اول هجوم من نوعه تقوم به القوات الاميركية منذ غزو العراق عام 2003، ضد اهداف داخل الاراضي السورية. وقد نفذته مروحيتان بينما كانت مروحيتان أخريان تقدمان لهما تغطية الحماية. والسبب ان احتمالات الرد من قبل سلاح الجو السوري كانت متوقعة. ولكن ما هو غير متوقع كان تجاهل السيادة السورية وتجاوز خط الحدود من دون الحصول على إذن من دمشق. وكانت اسرائيل قد قامت بهجوم مشابه في ايلول 2007 على ما وصفته بأنه منشأة نووية سورية. ولما سئل الوزير باراك عن خطورة تلك المغامرة قال ان الضرر الأمني الذي سيلحق باسرائيل اكبر من الضرر السياسي الذي سيلحق بها من جراء عدم احترام سيادة دولة أخرى. وهذا ما تردده واشنطن حالياً متذرعة بمضمون الخطاب الاخير الذي ألقاه بوش أمام الجمعية العمومية حول ضرورة مكافحة الارهاب قبل  انتقاله الى دول أخرى. واستند الرئيس الاميركي في تبرير هجمات قواته في باكستان وافغانستان، الى حجة "قانونية" واهية كانت السبب في نسف اتفاقية 17 أيار 1983، بين لبنان واسرائيل. أي حجة "الملاحقة الساخنة" التي تسمح لاسرائيل بتجاوز الحدود اللبنانية من أجل القيام بعملية محدودة ثم الانسحاب. والذريعة التي قدمت في حينه ان الدولة اللبنانية عاجزة عن ضبط عمليات المقاومة الفلسطينية، الامر الذي تتولاه سلطات اسرائيل.

ومن مبدأ الدفاع عن النفس انطلق الرئيس بوش لتغليف الهجوم بحجة تبرر شن هجمات داخل دول ليست في حال حرب مع الولايات المتحدة. ويقضي هذا النهج الذي أعلنه بوش، بمهاجمة مقاتلين من دول غريبة يهددون مصالح اميركا او مصالح حلفائها. وحجته ان سوريا لم تكن مستهدفة، بل المستهدف هو "أبو غدية" الذي يستبيح الاراضي السورية.

وفي تفسير لناطق باسم البيت الابيض، اشارات الى الفارق القانوني بين "الحرب الاستباقية" التي أقرتها ادارة بوش عقب هجمات 11 ايلول والتي تقتصر أهدافها على الحكومات وجيوشها (مثلما حدث في العراق)… وحرب الدفاع عن النفس كالتي استهدفت "أبو غدية" في سوريا.

أثناء استقباله السفراء العرب والاجانب، رفض نائب وزير الخارجية السوري فيصل المقداد، المبررات الاميركية، وقال إنها تسمح بنشر شريعة الغاب في العلاقات الدولية.

يبقى السؤال المتعلق بتوقيت الهجوم، خصوصاً ان نشاط "أبو غدية" – حسب كلام واشنطن – لم يتوقف منذ عام 2006. وفي ضوء هذه الخلفية تعددت التحليلات التي تقول إن وراء العملية العسكرية أهدافاً سياسية وربما حربية ايضاً.

في مقدم التفسيرات يأتي عجز الادارة الاميركية عن تمرير الاتفاقية الامنية في العراق، واصرار حكومة المالكي على اجراء تعديلات على المسودة النهائية. وبما ان القيادة الاميركية لا تؤيد انسحاب قواتها قريباً لئلا تظهر بمظهر القوة المهزومة، لذلك ضخمت حجم الدور الذي يقوم به "أبو غدية"، كي تظهر سوريا كعامل عرقلة في طريق الانسحاب من موقع مشرف، او من موقع المنتصر. تماماً مثلما كان هنري كيسينجر يأمر بضرب كمبوديا كلما تعرضت القوات الاميركية لهزيمة في فيتنام. ويقارن المراقبون بين الغارة داخل الاراضي السورية وعملية الانزال الاميركي في باكستان، ومن المؤكد ان التماثل بينهما يعكس صورة الادارة الاميركية الضعيفة التي تغرق في مستنقعات هزائمها داخل العراق وافغانستان وباكستان.

وتسعى الادارة الاميركية الى الاستعانة بالقانون الدولي، خصوصاً بالمادة 51 من شرعة الأمم المتحدة لتبرير اعتداءاتها في باكستان وسوريا. وتنص هذه المادة على حق الافراد والدول في الدفاع عن النفس، وشن هجمات عسكرية داخل اراض ذات سيادة بسبب إخلالها بواجباتها الامنية. واول الواجبات يركز على وقف تهديد الارهابيين لمصالح دول اخرى. وعلى هذه المادة استندت تركيا لملاحقة "حزب العمال الكردستاني".

السبب الثاني في هذا السياق، حددته حاجة المرشح الجمهوري ماكين الى تأجيج الوضع في العراق بحيث يطرح نفسه كمنقذ يتقن فن الحروب. وربما توقعت الاستخبارات الاميركية التي خططت عملية الكوماندوس هذه، أن تقود ردود فعل سوريا الى صدامات مسلحة، الامر الذي يجعل من مهمة الفائز الديموقراطي أوباما، صعبة. والمعروف ان الدولة السورية تتمتع بأفضل العلاقات مع طاقم أوباما الانتخابي، وان هذه العلاقات ستفتح له باب الحوار سريعاً مع دمشق وطهران. لهذه الاسباب وسواها لم تتضرر سياسة الانفتاح مع فرنسا وبريطانيا، بل حافظت الدولتان على اجواء التفاهم كمقدمة لاستمالة دول أوروبية اخرى في اتجاه دمشق.

بين الاسباب التي يجري الحديث عنها فكرة عزل العراق عن شقيقاته العربيات، خصوصاً ان موجة الانفتاح عليه من قبل سوريا ومصر وسائر الدول، ستقوي مناعاته الداخلية وتقلل من اعتماده على القوات الاميركية، ويحتمل ان يكون الاميركيون بدأوا يستوعبون حاجتهم القصوى لعزل العراق.

وترى واشنطن ان القتال ضد الارهاب في قواعده لن يكون مجدياً اذا لم تمنع عنه العلاقات الخارجية التي تتيح له إدخال المقاتلين والسلاح والمال والضغط الخارجي. ومن هذه الوقائع والتحليلات يخرج سؤال آخر يتعلق بأمن سوريا، وما اذا كانت اسرائيل ستكرر عبر جنوب لبنان ما أخفقت القوات الاميركية في تحقيقه من جهة العراق؟

الاثنين الماضي اجتمع وزير الدفاع الاسرائيلي ايهود باراك بقائد "اليونيفيل"، وحذره من تغاضي جنوده عن عملية تتعلق بنقل بطاريات صواريخ مضادة للطائرات من سوريا الى "حزب الله"، وقال باراك ان بلاده لا ترى في ذلك فقط خرقاً للقرار 1701، بل ترى فيه خرقاً للتوازن ايضاً لأن الصواريخ تهدد حرية الطيران فوق الاراضي اللبنانية. وتدعي صحيفة "يديعوت احرونوت" ان اسرائيل قدمت شكوى مماثلة قبل ثلاثة اشهر.

وترى "اليونيفيل" ان باراك لا يدعم مزاعمه بالبراهين والقرائن، وان ادعاءاته قد لا تكون أكثر من ذريعة يقدمها لجورج بوش بحيث يستخدمها ضمن المدة التي تجيز له توظيف صلاحياته الدستورية!

 (كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن)

"النهار"

اترك تعليق