ظلال الانتفاضة التونسية

0
707

من الواضح أن الانتفاضة التونسية ، التي انتصرت يوم الرابع عشر من كانون الثاني الجاري وحققت سقوط نظام الاستبداد ورحيل الديكتاتور إلى غير رجعة ، تمد ظلالها لتشمل الأرض العربية من أقصاها إلى أقصاها ، فاردة مساحات من الأمل أمام الشعوب ودوائر من الحذر والترقب والخوف في وجه الحكام العرب . ورغم أن الحدث التونسي مفعم بالخصوصية ، إلا أنه في الجوهر والمآل حدث عربي بامتياز . ينهل من المعين ذاته ، وتفرضه نفس الاحتياجات والظروف والمعاناة . فشروط التماثل والرغبة بالاقتداء أوضح من تموهها أو تقلل من شأنها رغبات الخائفين من التغيير .

على المستوى الشعبي : تشي وجوه المواطنين العرب الطافحة بالبشر والغبطة والارتياح بحجم الآمال التي زرعها انتصار التونسيين في قابل الأيام من الحياة في جميع الدول العربية . وكأن الشعوب اكتشفت معالم طريق بدت – لفترة طويلة وقاسية –  مجهولة أو موصدة . ووراء الأبواب المغلقة وأمام الشاشات تعلو فوق الشفاه كلمات بمختلف اللهجات العربية تقول : ” متى يحدث ذلك عندنا ” أو   ” عقبى لنا ولشعبنا ” . ويتبادل الناس نظرات التهنئة وتعابيرها وآهات التحسر والرجاء . والمتابعة اللصيقة للأوضاع في الشارع التونسي وتداعياته في المنطقة خير دليل على ذلك . حيث ترد يومياً أخبار حوادث الانتحار الفردية في غير بلد عربي ومظاهر الاقتداء بنفس الشكل ونفس الطريقة التي تفجرت فيها انتفاضة تونس . مثلما ترصد وسائل الإعلام يومياً تحركات في الشوارع العربية على الإيقاع التونسي ، تعلن بداية رحلة التغيير التي دقت ساعتها .

على المستوى الرسمي : فضح السلوك الإعلامي للأنظمة العربية بتجاهل الحدث وتعمد التخلف في رصده ومتابعته والتفاعل معه مدى الصدمة والتشاؤم والارتباك الذي دوّى في فضاء السلطات كنذير شؤم لا راد له . وكانت تعابير العقيد القذافي وردود فعله كديكتاتور عربي فاسد ومتسلط أشدها وضوحاً ووقاحة في هذا السياق . إلا أن الاستجابة السريعة التي أبدتها السلطات لمقتضيات الحدث وانعكاساته المحتملة على بلدانها فضح بشكل مقابل مدى خوفها من انتقال العدوى وبروز احتمالات الاقتداء . فسارعت لاستصدار قرارات ومراسيم تخفض أسعار المواد التموينية والحاجات الضرورية للناس ، وترفع الرواتب أو حصص الدعم للمشتقات النفطية ، وتعلن عن صناديق ومشاريع لمحاربة الفقر والبطالة ، في محاولة لامتصاص الاحتقان والنقمة . كما سارع بعضها لفتح حوار مع المعارضة ، وأقلع بعضها الآخر عن رغبته في تعديل الدستور من أجل التجديد أو التمديد أو التوريث . وقام آخرون بتقديم رشوة للشعب بغية استجاء رضاه على شكل منحة مالية تقدم لكل فرد . فالصوت التونسي الذي ارتفع في قفصة وصفاقس وجندوبة والقصرين وبن قردان والمنستير وسيدي بوزيد ، تردد صداه في الجزائر ونواكشوط والخرطوم والقاهرة ودمشق وعمان وصنعاء والكويت وغيرها من عواصم العرب .

على مستوى الملاحظة والتحليل والبحث : يجمع المحللون والدارسون على أن تفاعلات إرادة التغيير التي أطلقتها بنجاح انتفاضة تونس لا تجري على أرضها فقط ، إنما تعبر الحدود لتغطي أرض العرب وشعوبهم في المشرق والمغرب على السواء . وأن الخبز وفرص العمل وتحسين الأوضاع المعيشية ، إلى ما هنالك من مطالب اجتماعية واقتصادية ، لا تستغرق أهداف هذه الانتفاضة وتطلعاتها . فهي تمتد بسمو باهر نحو السياسة ، نحو الحرية المفقودة والوطنية المبددة والكرامة المهدورة والوجود الإنساني المضَّيع .

فالتغيير المطلوب الذي مازال السعي إليه جارياً في الشوارع التونسية وفي حوارات الأحزاب والمثقفين ومنظمات المجتمع المدني هو بحجم استعادة وطن . وطن لجميع أبنائه دون استثناء أو استبعاد أو تهميش لأي من مكوناته الاجتماعية وتياراته الفكرية والسياسية . يتمثل بدولة ديمقراطية على قاعدة المؤسسات الدستورية وسيادة القانون ومبدأ المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات . يوفر الحريات العامة وتداول السلطة وتكافؤ الفرص أمام الجميع .

إن التغيير الذي يجري على أرض تونس مثير حقاً للدهشة والإعجاب ، مثلما هو جدير بالاقتداء أيضاٌ . إنه التغيير المطلوب كمهمة إنقاذية في جميع الدول العربية بلا استثناء . تغيير سلمي الحركة ، واضح الرؤية ، موحد الأهداف ، خال من شعارات التطرف والتعصب والانغلاق ، بعيد أشد البعد عن الأحقاد ونوازع الانتقام والثأر . يريد القطع مع الماضي وفتح صفحة جديدة مقتدياً بشروط الدولة الحديثة ومقتضياتها .

هنيئاً لتونس بشبابها وانتفاضتها ومستقبلها الذي يصنع اليوم على أرضها وبيد أبنائها .

وشكراً للتونسيين الذين يقدمون لأمتهم درساً جديداً في الحياة ، لا تحتويه كتب التاريخ .

أيها الشعب التونسي الشقيق . . . يعيّشك .

24 / 1 / 2011

                                                                                                         هيئة التحرير

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.