النظام السوري واستحقاق الإنهاء السريع للمرحلة الإقليمية »الرمادية«

0
33

أربعة أيام فقط، بين مساء الاثنين ومساء الخميس الماضيَين، حصل الإنزال الأميركي في منطقة »البوكمال« داخل الأراضي السورية على الحدود مع العراق والإنتشار السوري قبالة الحدود الشرقية للبنان بقاعاً. فما الرابط بين »الإنزال« من ناحية و«الإنتشار« من ناحية ثانية؟.

 

»البوكمال« ممرّ في إتجاهين

للإجابة عن هذا السؤال، ثمة حاجة ماسة إلى قراءة »اللحظة« الإقليمية ـــ الدولية الراهنة.

غداة الإنزال الأميركي، أعلن الناطق باسم الحكومة العراقية علي الدباغ أن المنطقة التي ضُربت داخل سوريا »كانت مسرحاً لنشاط تنظيمات إرهابية معادية للعراق تنطلق من سوريا، وآخرُ مجموعة إرهابية قتلت ثلاثة عشر منتسباً إلى وزارة الداخلية العراقية في قرية حدودية». وما يقوله الدباغ بوضوح هنا هو إن »البوكمال« معبر للإرهاب في إتجاهين: من سوريا إلى العراق ومن العراق إلى سوريا، تدخل المجموعة الإرهابية من سوريا لتقتل في العراق ثم تعود إلى سوريا لتختبئ أو لتحتمي أو لتكمن.

شيخ عشائر الدليم ورئيس مجالس الصحوة في الأنبار علي الحاتم قال إن »غالبية الذين فروا من الأنبار بعد أن تصدت لهم الصحوات فروا إلى منطقة البوكمال وهم موجودون هناك والجميع يعرف هذا الأمر«. وما يقوله الحاتم بالضبط هو أن »البوكمال« يعمل على خطين: سوريا ـ العراق والعراق ـ سوريا.

بهذا المعنى، فإن العملية العسكرية الأميركية استهدفت ضرب معبر للإرهاب في الإتجاهين، وليس معبراً لتصدير الإرهاب من سوريا إلى العراق فقط. ما أهمية ذلك؟

 

الإنتصار الإستراتيجي المرغوب أميركياً في العراق

تعتبر واشنطن أنها في طريقها إلى تحقيق »إنتصار إستراتيجي« أو »تقدم إستراتيجي« في العراق. ويتمثل »الإنتصار« أو »التقدم« الإستراتيجيان في القضاء على »القاعدة« في العراق أو »إضعاف« فاعليتها إلى الحد الأقصى. ويتمثل في الإتفاقية الأمنية الأميركية ـ العراقية »العتيدة«. والقضاء على »القاعدة« يقتضي عدم التساهل أميركياً في تمكينها من »إلتقاط الأنفاس« أو »إعادة التجمع« أو اتخاذ سوريا موقعاً لإعادة الانطلاق سواء باتجاه العراق مجدداً أو باتجاه أي مكان آخر، لا سيما الباكستان وأفغانستان.

ولذلك، ومن أجل الإجهاز على »القاعدة« لن »تحب« أميركا سوريا أكثر من الباكستان، أي أنها لن تمتنع في سوريا »غير الصديقة« عمّا تقوم به في الباكستان »الصديقة والحليفة« من مطاردة للإرهاب و«القاعدة«.

 

أميركا وقطع الحبل بين إيران و«القاعدة«

وتنطلق واشنطن من قناعة راسخة، يشاطرها معها عديدون عربياً وأوروبياً، بأن ثمة »علاقة« أو »تنسيقاً« بين إيران و«القاعدة«. »علاقة« أو »تنسيق« على قاعدة »مصالح« معينة، وفي المجال الأمني ـــ المخابراتي. ولذلك فإن القضاء على »القاعدة« في العراق ومنع إعادة تجمعها في سوريا لتجديد »فاعليتها« يخدمان »الإنتصار الإستراتيجي« في العراق، هو في جانب آخر منه تطويق إيران أيضاً.

وحقيقة الأمر في هذا السياق أن الولايات المتحدة تسعى إلى »إنتصار« أو »تقدم« إستراتيجي موازٍ في أفغانستان. وهذا ما يتطلب زعزعة »القاعدة« في هذا البلد وجارته الباكستان، و«تسكير« كافة طرق »وصولها« إليهما.

إذاً، إن العملية العسكرية الأميركية في »البوكمال« تأتي في ظل توجه الولايات المتحدة إلى إنجاز »إنتصارين أسترتيجيين« في العراق وأفغانستان، تراهما ممكنين الآن. وتريد من العملية العسكرية داخل الأراضي السورية الحدودية مع العراق، دفع النظام السوري إلى الفك عن إيران و«القاعدة« والتعاون الفعلي في مكافحة الإرهاب وعدم التباطؤ في تنفيذ ما التزم بتنفيذه في هذا المجال.

تريد الإدارة الأميركية الحالية إنهاء ولايتها بـ«الإنتصارين«. تريد أن يتسلّم الرئيس الجديد منصبه وعلى طاولته في البيت الأبيض إنتصاران أميركيان »يلزمان« إدارته الجديدة ويشكّلان »واقعتين« ثابتتين أمامه. وتعتبر أن فيهما مصلحة للولايات المتحدة، لا لإدارة بعينها.

 

واشنطن: لا وقت ضائعاً بين رئيس ورئيس

لذلك، فان العملية العسكرية في »البوكمال« تفيد أن الإدارة الأميركية »مستعجلة« لتحقيق »الإنتصارين« وتكريسهما وترسيخهما.

وتعلن ـ أي العملية ـ أن لا وقت أميركياً ضائعاً بين إدارة ذاهبة وإدارة آتية، بين إنتخاب الرئيس وتسلّمه.

ليس خافياً هنا أن النظام السوري »كان« يأمل أن تمرّ المنطقة بـ«مرحلة إنتقالية« إضافية: يُنتخب الرئيس الأميركي الجديد، وبعد شهرين ونصف الشهر يتسلّم البيت الأبيض، ويأخذ فترة ثلاثة أشهر على الاقل بعد الاطلاع على الملفات و«تجريب« السياسات بإزاء كل ملف، وفي فترة الأشهر الستة التي تستغرقها عملية إنتقال الحكم في أميركا، يمكنه أن »يراقب« وأن »يراوغ« وأن يستنبط وقائع…

 

وإنهاء سريع للمرحلة »الرماديّة«

بيد أن العملية العسكرية في »البوكمال« تعلن أن الإيقاع سريع. تعلن أن واشنطن تُنهي المرحلة »الرمادية« التي استمرت شهوراً بسبب الإنشغال بالانتخابات الرئاسية. والأهم أن العملية »تقول« للنظام السوري إنه لن يكون متاحاً له أن يراوغ، وإن عليه أن يتابع من حيث »وصل« على خط علاقته بفرنسا وما تعهد به التزامـــــاً بـ«دفــــتر الشــــروط«. ولذلك فإن النظام السوري »مداهم« بالوقت وبالسرعة الآن.

 

التصعيد السوري؟

وبغضّ النظر عن السيناريوات »التحليلية« بشأن »موقعه« من الإنزال الأميركي الأخير، فإن التصعيد الذي أبداه النظام في سوريا حيال الإنزل، سواء عبر إقفال المدرسة والمركز الأميركيين أو عبر تظاهرة الاحتجاج أو في الخطاب السياسي ـ الإعلامي، هو تصعيد يصعب اعتباره في إتجاه واحد. قد يكون للتغطية على نفسه. وقد يكون لـ«إستيعاب« الداخل السوري المصدوم. لكنه قد يكون في المقابل سوء تقدير سياسياً، بمعنى أنه يفترض أن في وسعه »المناطحة«. وفي هذه الحالة، فإنه يغامر بالفعل. أي يغامر بتعريض نفسه وسوريا لـ«إختبار قوة« أميركي ـ غربي. ذلك أنه لا يستطيع أن »يساير« دفتر الشروط الدولية خلال شهور وينفذ بنوداً منه ويوحي بتغيير السلوك.. ليتراجع بعد ذلك ومن دون تعريض نفسه لكلفة عالية.

 

وبعده الإنتشار على الحدود اللبنانية

والحال أن العملية العسكرية الأميركية في »البوكمال«، بالإضافة إلى كل المعاني والأبعاد المشار إليها آنفاً، جاءت متزامنة مع تزايد الضغط الإسرائيلي على نظام الأسد ليفك عن طهران و«حزب الله«. »لكأن« التطورات التي تعمل واشنطن على تثبيتها في العراق وأفغانستان من جهة، والضغط على سوريا لتسريع »إنعطاف« النظام السوري من جهة ثانية، والضغط الإسرائيلي في اتجاهات مشابهة من جهة ثالثة، و«مطاردة« فرنسا للنظام في سوريا بـ«دفتر الشروط« من جهة رابعة.. »لكأن« كل ذلك »يشي« بـ«إندفاع« جديد لسيناريو المواجهة مع إيران.

على تقاطع كل هذه المعطيات، بدأ النظام السوري مساء أول من أمس بنشر قوات سورية قبالة الحدود الشرقية للبنان. أي بالتوازي »تصعيد« حيال »إنزال البوكمال« و«تنفيذ« لجانب من أهداف هذه العمليّة. الإنتشار لمنع التسلل إلى لبنان من سوريا ومن لبنان إلى سوريا.. ومنها إلى العراق أو أي مكان؟ أو الإنتشار للاقتراب من »حدود حزب الله«؟ أم تراه »يفكّر« بمغامرات؟.

"المستقبل"

اترك تعليق